غزاة الإيمان المفقود

ستيفن أوشيا

ديانة ” الكاثار” قمعت منذ 750 عامًا  ولكن، كما يقول ستيفن أوشيا في كتابه الجديد، فإنّها قد ألهمت كلّ الطّوائف الجديدة من الباحثين عن الكنوز والفاشيين والخياليين في العصر الجديد عبر العالم.

إنّ هراطقة الكاثار في ” لانغويدوك” في فرنسا، ومصيرهم الرّهيب، قد فتنت النّاس على مدى قرون. كان الكاثار منشقين، مسيحيين مسالمين كانوا يعتقدون أنّ إلها شريرا قد خلق العالم المادي وخلق الإله الطيّب بقية العالم غير المرئي. وكما لو كان لإثبات معتقدات الكاثار، فإنّ القوّة المسلحة لروما وباريس أهلكتهم بفرح شديد لدرجة أنّ الإسم الّذي يطلق على معاناة الكاثار ” الحملة الصليبيّة الألبيجينيّة ” لا يزال يثير الرّجفة. في منتصف القرن الثاني عشر، فإنّ الكاثار ” الكاملون”، الّذين كانوا دعاة يعملون بجد ويعيشون حياتهم رغم الفقر، كسبوا أتباعا كثر بشكل خطير في لانغويدوك، الّتي كانت آنذاك منطقة مستقلّة من التّجار المتذمرين من قيود الكنيسة. ناشد الباباوات عبثا نبلاء لانغويدوك لاستئصال البدعة، وانطلق (القديس دومينيك) في جولة الوعظ في القرن الثّالث عشر، ولكنّه وقع على آذان صمّاء. فقط عندما اغتيل المبعوث البابوي المكروه ، (بيتر كاسيلناو) من قبل قتلة في المنطقة، وجد أقوى الباباوات من القرون الوسطى (إينوسنت الثّالث)،  ذريعة لتجنيد شمال أوروبا في حملة إرهابيّة على لانغويدوك.

بدأت الحملة الصليبيّة في بيزيرز في عام 1209، عندما تمّ ذبح 20 ألف شخص “اقتلهم جميعًا، والله سيعرف أن يميّز أتباعه !” هذه الأوامر. واستمرّ عشرون عامًا دمويًا. أعظم شخصيات الكاثار – (ريمون روجر ترينكافيل) من كاركاسون، (اسكلارموند) من فويكس و(ريموند السادس) من تولوز – إمّا قُتلوا أو أُرغموا على الاختباء أو الاستسلام . وأعقب الحملة الصليبيّة ولادة محاكم التّفتيش، الّتي تشكّلت صراحة لتعقّب وحرق الكاثار المتبقين، بينما انتشر المحقّقون في ريف ألبي وتولوز وكاركاسون، وأي شخص قاومهم تعرّض للسّجن أو التّعذيب أو القتل. في 16 مارس 1244، فإنّ حوالي 200 شخص من الكاثار الّذين صمدوا أمام حصار دام 10 أشهر على قمّة مخبأهم في “مونتسيغور”  اقتيدوا في أحد الحقول وأُحرقوا أحياء. وعلى الرّغم من أنّ الإيمان قد نجا بشكل ملائم لبضعة أجيال لاحقة، إلاّ أنّ مونتسيغور كانت تمثّل نهاية كلّ الأمل للكاثار.

في القرن التّاسع عشر، استهوى الموضوع المؤلّفين – وكثير منهم  مهووسون- جاذبا إيّاهم إلى قصّة زوال الإيمان. في المقام الأوّل كان (نابليون بيرات)، البرجوازي اللّيبرالي المعادي للأكليروس والكذّاب الموهوب، الّذي قام في سبعينيات القرن التّاسع عشر بتلفيق  قصّة للكاثار والّتي رغم كونها مفبركة إلى حدّ كبير، فإنّها لا تزال بمثابة الحقيقة في الأوساط الباطنيّة.. كان الكاثار عنده بطوليين، آباء التّقدم في ظلام الاستبداد الكاثوليكي، وزنادقته امتلكوا كنزًا هائلًا -روحيًا وماديًا – في مونتسيغور، وتمكّنوا، قبل حرقهم، من إخفائه في سفوح جبال البرينيه. واسكلارموند من فويكس، وهي كاثارية كاملة ذات المولد العالي والّتي ربّما تكون قد ناقشت القديس دومينيك، تحوّلت في رواية (بيرات)، إلى جان دارك محليّة، كاهنة عالية عذراء.

بفضل (بيرات)، فإنّ إيمان الكاثاريين، إضافة لما أظهره المتحمّسون، واصل إحياء روح العصر، وخيال عصر الجاز، والتّأملات النازيّة ، وخطابات انفصال لانغويدوك، وأدب الهبيين  وروايات طويلة عن صائدي الكنوز وكتابات استبداليّة أخرى. بدأت “اسكلارموند من فويكس ” في الظّهور في باريس كصوت دون جسد في جلسات استحضار يتردّد عليها مثقّفون واجتماعيون مشمئزون، على الأقلّ لأمسية واحدة، بحسب ماديّة القرن التّاسع عشر. كان  (الكاثاري) الكامل محاوراً مثالياً لمثل هذه المجموعات.

– أوتو ران وأسطورة بارسيفال

وشهدت فرنسا أيضًا في نهاية القرن التّاسع عشر انفجارًا في الفلسفة الصوفيّة – إعادة اكتشاف لأديان الشّرق. من بين صالونات السّحر والجمعيات السريّة، ازدهر (كاثار بيرات) الذين تحوّلوا من كونهم ليبراليين إلى ورثة خط الحكمة الشرقيّة. وتأسّست كنيسة الغنوصيّة الجديدة من قبل رجل أعلن نفسه بطريرك الغنوصيه في باريس،  وبشكل مثير، في مونتسيغور. أصبح كنز بيرات المخفي في مونتسيغور كنزا مخفيا  للمعرفة القديمة في النظريّة المتقدّمة، من قبل المشعوذ ذي النّفوذ (خوسيه بيلادان). أصدقاؤه – (شارل بودلير)، (جوريس كارل هويسمانس) وغيرهم – أطلقوا عليه لقب (سيّد)، كما يتلاءم مع وضعه المعلن باعتباره سليلا من ملوك آشور القديمة. أشار السّيد (بالادان) إلى أنّ “مونتسالفات”، الجبل المقدّس في “بارسيفال” فاغنر ولوهنجرن، يجب أن يكون مونتسغور. وذلك أدّى إلى أسطورة الكأس المقدّسة في جبال البرينيه، وهو السّر المراوغ وراء الحضارة الغربية المخبأة في الجبال بين فرنسا وإسبانيا.

بعد كارثة الحرب العالميّة الأولى، الّتي أدّت إلى اهتمام القارّة بأسرها بالخوارق فوق الطبيعيّة ، تمّ سماع دعوة الكاثار ما وراء فرنسا. الرّوحيون البريطانيون نزلوا في مونتسيغور، حيث كان علماء التّنجيم منهمكين بزخرفة رواية بيرات، ومن بينهم (ديودات روش)، كاتب العدل من بلدة بالقرب من كاركاسون. كان روش تلميذاً (لرودولف شتاينر)، مؤسّس علم الإنسان “الانثروبولوجيا”، الّذي وعد أتباعه بالاتّصال الفوريّ المباشر بعالم الرّوح. كان كاثار (أنثروبولوجيا روش) الصوفيّة الملوّثة مفتوحة لجميع التّأثيرات – الهندوسيّة، الكهنوتيّة، والغنوصيّة.

قام بالكثير من الخدوش في كهف بالقرب من مونتسيغور، مدّعيا أنّها كانت خماسيّة تتبعها الكاثار الهاربون من أجل نقل رسالة إلى الأجيال القادمة. أي كتابات على الجدران ما لم تكن حديثة بشكل واضح، قام روش فورًا بتحويلها إلى الكاثار (توفّي روش عام 1978، عن عمر يناهز 101 عامًا). كان من حوله مجموعة من الباحثين الرّوحيين الشّباب، بمن فيهم الفيلسوفة (سيمون فايل) لفترة من الوقت. استخدمت الفيلسوفة اسم (إيميل نوفيس) اسمًا غير رسمي لكتابة مقالاتها حول لانغويدوك في القرون الوسطى باعتبارها يوتوبيا أخلاقيّة. لكنّ أحد أفضل المحرفين والمصدرين لإرث بيرات كان (موريس ماغري)، الكاتب ذي المواهب الضّخمة والمنسيّة الآن. في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، جلب هذا الرّوائي وكاتب المقالات غزير الإنتاج (والمستهلك المذهل للأفيون) طاقة مونتبارناس إلى الكاثارية. وقد كتب روايتي كاثار: (دم تولوز) و(كنز الألبيجيين). في البداية أعاد صياغة تخاريف بيرات ورسم صورًا كاريكاتيريّة لأعداء الكاثار: زوجة زعيم الحملة الصليبيّة، (سايمون دي مونتفورت)، وصفت بأن لها أسنان متعفنة وجلدها بلون ليمون صقلي وأنفها كبير. روايته الثانية الأقلّ نجاحًا قدّمت الكاثار كبوذيين.

في عام 1930، التقى ماجري بطالب متخرج ألماني شابّ في باريس، (أوتو ران). قام ماغري بتوجيه (ران) إلى أصدقائه في جبال البرينيه، وكانت النّتيجة في عام 1933 كتابًا بعنوان “حملة صليبية ضدّ الكأس”. قام ران بتجميع جميع قصص الكأس المقدّسة في البيرينيه وقارنها بأسطورة بارسيفال من القرون الوسطى من تأليف (وولفرام فون ايشنباخ). أصبح جبل مونتسالفات هو جبل مونتسيغور، وأصبح بارسيفال هو ترينكافل، وكان الوصي على الكأس السّيدة اسكلارموند من فويكس. كانت تحرس حجرا مقدّسا، سقط عندما سقطت الملائكة من السّماء، وأخفته في الجبل قبل اقتحام مونتسيغور. كان هذا هو الكأس الحقيقي، الّذي استبدل عن طريق الخطأ (في دورة القرن الرّابع عشر الّتي كتبها كريستيان دي تروا) في شمال فرنسا واستولت عليه الأساطير المسيحيّة بشكل خاطئ.

كان كاثار (أوتو ران) من الوثنيين وكانوا أيضا – وهذا كان الجديد – التروبادور “الشّعراء الجوالون” . نجح كتابه بوضع الكاثار في مركز الدّراسات السّرية للكأس المقدّسة. قام ران بعد ذلك بإلقاء أكثر الظّلال سوادا عبر بلاد الكاثار؛ وذلك في عام 1937 ، عندما نشر كتاب (محكمة لوسيفر) الشّيطان، وهو كتاب آخر للكأس المقدّسة. بحلول هذا الوقت، عاد اوتو ران إلى ألمانيا وانضمّ إلى قوّات (الإس إس ) قوّات الصّاعقة النازيّة.

من هم الكاثار من وجهة نظر ران؟ ” نحن لسنا بحاجة إلى إله روما، لدينا إلهنا. لسنا بحاجة إلى وصايا موسى، ننفذ في قلوبنا إرث أسلافنا. إنّ موسى هو غير الكامل وغير النّقي … نحن الغربيون من دم الشّمال، نسمّي أنفسنا الكاثار مثلما يطلق على الشّرقيين من الدّم الشمالي فارسيين، أنقياء، سماؤنا مفتوحة فقط لأولئك الّذين ليسوا مخلوقات من جنس أدنى، أو أوغادا، أو عبيدا، وهي مفتوحة للآريين. اسمهم يعني أنّهم نبلاء وأمراء “.

تكهّنات ران السمحة عن الكأس المقدّسة وهتلريته اللاّحقة  تؤخذ مجتمعة. بعد الحرب العالميّة الثّانية، حتّى سبعينيات القرن العشرين، أنتجت صناعة (كوخ الغابة) التّابعة للمتعاونين السّابقين في حكومة (فيشي) شائعات لا حصر لها تربط النازيين بالكاثار. إحداها أنّه في 16 مارس 1944 ، وقد حلّت الذّكرى 700 لمونتسيغور، فإنّ (ألفريد روزنبرغ)، المنظر النّازي، حلق فوق القمّة كتحيّة.

وقيل إنّ هتلر وأقرب مستشاريه كانوا جزءًا من مجتمع سري وثني جديد من الكاثار. وقيل إنّ المهندسين الألمان قاموا  أثناء احتلال فرنسا بالتّنقيب عن مدينة مونتسيغور والعثور على الكأس المقدّسة. وفي هذه القصّة الأخيرة (إشارة إلى أفلام غزاة  السّفينة الضّائعة وتكملتها إنديانا جونز والحملة الصّليبيّة الأخيرة)، تمّ إسقاط حجر اسكلارموند الكاثاري – أو طبقًا لليمينيين المتطرّفين – قرص الوصايا غير اليهودي – في نهر جليدي في جبال الألب البافارية قبل سقوط ألمانيا. وكانت لهذه الشائعات قوة البقاء العنيدة . في عام 1978، وقع حادث دبلوماسي بسيط عندما اتّهم السكّان المحليون الكشّافة الصبية الألمان بمحاولة سرقة كتل من الحجر من مونتسيغور. تمّ أخذ المزحة المزعومة كدليل على أنّ الأولاد لديهم ميول جديدة للنّازيّة.

إرث (بيرات) لم يتحوّل كليا إلى حنين للرايخ الثّالث. في الواقع، طغت منافسة (ران) عليه. كان هناك مقارنة واضحة بين الكاثار وأعضاء المقاومة الفرنسيّة، الذين يقاتلون القوّات الغازيّة. جاء هذا مرارا وتكرارا في الأعمال الّتي نشرت في الخمسينات. إنّ الكاثار – الليبراليين البرجوازيين، البوذيين، اليهود، النّازيين، إلخ – قد انّضموا الآن إلى المقاومة الفرنسيّة.

أدّت دعاية (روش) و(ماغري) أيضًا إلى بحث أثري جادّ في مونتسيغور عن علامات على الحجرات والأنفاق المخفيّة. لم يتم العثور على شيء. وهذا لم يمنع (فرناند نيل) من نشر دراسة تُظهر أن قلعة مونتسيجور قد تمّ بناؤها كمعبد شمسي، بما في ذلك أحد مخطّطاته في مجلّد كتبه عن الكاثار لمجموعة فرنسيّة من الكتيبات الموجّهة للمدارس والمكتبات المرجعيّة.

تفسيره للفروق الشمسيّة الدّقيقة في  العمارة الكاثاريّة، تمّ إبطاله منذ ذلك الحين بالنّتيجة العلميّة الّتي مفادها أنّ القلعة المدمّرة فوق مونتسيغور قد بنيت بعد فترة طويلة من الحملة الصليبيّة على الكاثار. (تمّ هدم القلعة الأصلية في القرن الثّالث عشر أو الرّابع عشر، ثمّ تمّ استبدالها). لكنّ الاستنتاج نفسه حول القلاع المدمّرة الأخرى في “كوربييه” و”بيرينيه” لم يمنعها من أن تصبح “قلاعا كاثارية” – بقايا مثيرة للذّكريات زارها المتجوّلون في البيئة مقتنعين بأنّهم ينظرون إلى المعابد الشمسيّة الّتي دمّرتها الكاثوليكيّة.

*          *         *

قامت حقبة الستينيات بتحديث المعرفة المحيطة بالكاثار لتلائم الثّقافة المضادّة. الهيبيون الفرنسيون جعلوا البيرينيه هدفًا رئيسيًا للعودة إلى الطّبيعة وصنع جبن الماعز. عندما بدأوا في الوصول في أواخر السّتينيات من القرن الماضي، استقبلهم “روزيكروشيون” هولنديون، وغنوصيون جدد من بلجيكا ومجموعات أخرى ممّن انتقلوا بالفعل إلى المعسكرات الصيفيّة لبلاد الكاثار. وعثرت الحركة الهيبيّة الفرنسيّة على الفكرة من جاذبية الكاثار: كانوا نباتيين. وقيل إنّهم لا يوافقون على الزّواج لذلك كانوا مؤيدين  للحبّ الحرّ والمرأة يمكن أن تكون مثاليّة لذلك كان الكاثار نسويون؛ وقد شاركوا التروبادور في ثقافة الحبّ الأوكيتانية. غنّت مجموعات الرّوك للحشود عند سفح مونتسيغور، حيث جاءت سحب الدّخان الآن فقط من تدخين الحشيش والقنّب.

الطّبيب النّفسي البريطاني (آرثر جوردهام) اكتسب شهرة في السبعينيات من خلال كتب غامضة ألهمت الكثير من البريطانيين لاستكشاف جنوب غرب فرنسا. وصف العديد من مرضاه الّذين أظهروا بشكل مستقلّ علامات التّناسخ مع الكاثار الكاملين. وهو الطّبيب نفسه يكون، أو أنّه كان/ (جيلبرت دي كاستريس)، أعظم الرّجال المقدّسين الهراطقة. لماذا احتشد الكثير من أرواح الكاثار هؤلاء في الطّريق ؟ موطن ممارسة جوردهام  لم تجب على السّؤال، لكن تحديثه الجديد لعصر صالونات استحضار الأرواح الباريسيّة أثبت أنّه باق.

– الدّم المقدّس والكأس المقدّسة

بحلول أواخر السبعينيات، قاس النّاس الاهتزازات الكونيّة في قلاع الكاثار. تجمّع القوميون الأوكيتانيون لأداء الطّقوس في مونتسيغور. أظهر علماء الآثار في نهاية الأسبوع ما كانوا يزعمون دائمًا أنّه صلبان كاثاريّة ومشاجب وحمائم حجريّة منحوتة. أصبحت النّسخ المتماثلة من هذه المواد السّلع الأساسيّة في المعارض الحرفيّة عبر لانغويدوك. أصبحت النّصب الحجريّة وغيرها من الوثنيات الجديدة مهمّة. قام التلفزيون الفرنسي بعمل عروض خاصّة على الألغاز المتعلّقة بقصّة الكاثار، أو الموروثة بشكل أو بآخر من أعمال (روش) في الثّلاثينيات.

بعد وقت قصير من وفاة روش، نشر (مايكل بايجنت) و(ريتشارد لي) و(هنري لينكولن) الكتاب الأكثر نجاحًا على الإطلاق عن بلاد كاثار: ” الدّم المقدّس والكأس المقدّسة “، الّذي تجاوز الآن طبعته الخامسة والثّلاثين باللّغة الإنجليزيّة. جعل الثّلاثي من الكاثاريّة ظاهرة جماهيريّة وحوّلوا قصّة الملك آرثر العالميّة من “غلاستنبوري” إلى قصّة حبّ جديدة من العصور الوسطى. أخذ المؤلّفون تراث (ماغري) و(روش) وغيرهم وكتبوا قصّة بوليسيّة غامضة ومسلّية تمامًا، ولكن تمّ تسويقها على أنّها غير خياليّة.

واللّغز يذهب على هذا النّحو: في بداية القرن العشرين، فإنّ (برينجر سونيير)، وهو كاهن ريفي في أبرشية “رينيه لو شاتو” بالقرب من كاركاسون، أخذ يعيش بشكل جيّد للغاية وينفق على بناء إضافات لكنيسته وعلى إقامته، ملايين الفرنكات. من أين حصل عليها؟ الإجابة المختصرة والحقيقيّة هي أنّه أتقن نظامًا لجمع الأموال عن طريق البريد، وخدع الشّخصيات البارزة المحلّية في ترك أموال له بإرادتهم. أمّا الإجابة الطويلة فهي ترد في  500 صفحة إضافيّة من كتاب ((الدّم المقدّس والكأس المقدّسة)) حيث الكاهن وجد الكنز الّذي هرّبه الكاثار من مونتسيغور خلال الحصار، وأنّه باع أجزاء منه وابتز الفاتيكان به. وفي الكتاب فإنّ كنز الكاثار، بالإضافة إلى احتوائه على كومة لا حصر لها من الذّهب القوطي، فقد احتوى على أنّ يسوع لم يكن إلهًا ولكنّه كان ملكا تزوج من مريم المجدليّة، وأنّ ابنهما أسّس خطّ الملوك الميروفينجيين، الّذين كانوا –بالمناسبة- يهودا، وهذا السّر، إلى جانب أسرار أخرى تفضح زيف إلوهية يسوع، تمّ العثور عليها أسفل معبد القدس خلال الحروب الصليبيّة. وقد تمّ نقله إلى كلّ من الكاثار وفرسان الهيكل معا.

وتستمرّ القصّة في أنّه بعد تهريب الكنز الصّغير من مونتسيغور، أبقى المجتمع الخفي على السرّ لنفسه حتّى الاكتشاف الكهنوتي في (رينيه لو شاتو). في الماضي، كان من المفترض أن يرأس المجتمع السّري، من بين آخرين، (ليوناردو دافنشي) و(نيكولا بوسين)، و(إسحاق نيوتن)، و(فيكتور هوغو)، و(كلود ديبوسي). وهناك تلميحات أنّه لم يتم العثور على الكنز كلّه. ومنذ نشر الكتاب، أصبحت الأرض المحيطة بـ (رينيه لو شاتو) محفورة بالأخاديد من الأعمال التمهيديّة لصيّادي الكنوز. وقد تمّ بناء منصّة لهبوط الأجسام الغريبة ويتمّ الآن تنظيم رحلات إلى الكنيسة التي هي كنيسة ريفيّة عاديّة للغاية.

المشهد المتخيّل الّذي حدّده نابليون بيرات لأوّل مرّة أصبح أكثر غرابة بشكل تدريجي. أصبح  الكاثار الآن مجموعة متلوّنة، جاهزة للتّحول إلى أي شيء يمكن أن ترغب فيه روح البحث. استخدمت الطّوائف الدينيّة في الثّمانينيات والتّسعينيات في هذيان مميت: نظام المعبد الشّمسي – طائفة الانتحار الفرنسيّة الكيبيكية السويسريّة – استنادًا إلى بعض حساباتها الغامضة على الهراء المكتوب حول قلاع الكاثار. يعجّ الموقع الالكتروني لطائفة بوابة السّماء لـ (مارشال أبلوايتز) بإشارات إلى زهد “الكاثار” و “الإله الخفيّ وراء الإله”. وفي النهاية، أقنع أتباعه بالانتحار، من أجل الانتقال إلى “المستوى الّذي يتجاوز الإنسان” – وهي حالة مشابهة لتلك المنسوبة إلى الكاثار الكاملين – وجعل أرواحهم تصعد وتسرع في أعقاب الهالة السماويّة الحقيقيّة لمذنب هالي.

تستمرّ صناعة الكاثار في التّوسع: مصانع نبيذ، مواقع إلكترونيّة، مطاعم، وكلاء عقاريون، أصحاب البط المعبأ، والعديد من الأعمال التجاريّة الأخرى في لانغويدوك الحديثة كلّها قد احتكرت علامة الكاثار. هناك أيضًا فيلم قيد الإعداد، وهو فيلم فرنسي عنوانه (يد الله) من إخراج (إيف لومبارد)، سيصدر هذا العام (سنة 2000) أو العام المقبل. سيتعامل الفيلم مع اللّغز الكبير الّذي لم يحل لدراما  الكاثار: ((من قتل بيتر كاستيلانو))؟ ومن المرجّح أن يتمتّع الكاثار بمستقبل مشرق على الإنترنت أيضًا، وهو وسيلة مثاليّة من المواد الحرّة لتكون بمثابة صدى لحجرات الفكر الباطني. (هناك ما لا يقلّ عن 5500 موقع على شبكة الإنترنت اختارت بالفعل اسم الكاثار، إن لم يكن معتقدات الكاثار الأصليّة.) لقد أثبتت بدعة القرون الوسطى، الّتي اعتقدت الكنيسة الكاثوليكيّة أنّها نجحت في القضاء عليها، أنّها بفضل مخترعي الخرافات، والمهووسين، والمفكّرين المهتمّين، والرومانسيين، ما تزال باقية بشكل ملحوظ.

هذه التّرجمة الكاملة للمقالة المنشورة في جريدة الغارديان بتاريخ 7/10/2000

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This