من الذّات الميتافيزيقيّة إلى الذّات الفينومينولوجيّة “ديكارت، هوسرل، ميرلوبونتي” (ج2)

3-ميرلوبونتي فينومينولوجيا الجسد:

يقدّم الفرنسي ميرلوبونتي Merleau-Ponty (1908-1961)، في سياق انفتاح الفنومينولوجيا على مسارات متعدّدة، وتخصّصات متشابكة، فلسفة تطرق قضايا مغايرة عن فنومينولوجيا هوسرل وهايدغر، فالمراجعات الّتي قامَ بها فكر ميرلوبونتي، وآفاق البحث الّذي نقلَ إليها الفنومينولوجيا. تعضد مسار البحث والأرضيّة الّتي تقف عليها فنومينولوجيا ميرلوبونتي، فالذّات عنده حضور فيزيائي في العالم، قبل أيّ شيء. لهذا يكثر في متنهِ الفلسفي، ورود مصطلحات لها دلالات على كلّ ما هو جسمي ومادي. وانطلاقاً من هذا نتسأل ما هو تصوّر ميرلوبونتي للذّات؟ وماهي الأسس الّتي ترتكز عليها فلسفته؟ وما هي وظائف الجسد؟

لم تكن مسألة أسبقيّة الذّات على الموضوع في فنومينولوجيا ميرلوبونتي بمشكل أساس تنضح بها كتاباتهُ كما كان الشّأن مع هوسرل أو حتّى معاصر ميرلوبونتي الفرنسي الآخر سارتر، بل على النّقيض، عبَّر ميرلوبونتي عن العلاقة الّتي تشبك الذّات والموضوع، من خلال الماهيّة الّتي ليست سابقة على الوجود أو الموجود من سابقاً عليها[1]. بل طبيعة العلاقة بينهما تتّخذ مستوىً واحداً وهو علاقة وجود ومعرفة في آن. أي أنّ هناك وحدة تجمع بينَ الماهيّة والوجود، وهذا التّماهي بين الماهيّة والوجود، يؤسّسهُ الجسد الّذي ينفتحُ على العالم. وبما أنّ الجسد كمفهوم مركزي في فنومينولوجيا ميرلوبونتي، فإنّه يحيل على مجموعةٍ من الدّلالات مثل: “الجسد الموضوعي، الجسد الحيويّ، والجسد الفنومينولوجي أو الذّاتي. ويعتبرُ الجسد الفنومينولوجي في تصوّر ميرلوبونتي هو الجسد الّذي يظهر بذاتهِ وفي ذاتهِ، وهو الجسد الّذي يؤدّي وظائف جوّانيّة وبرّانيّة، في هذا العالم”[2].  هذا التّمييز الّذي فجّر ميرلوبونتي دلالتهِ اللّغوية، يسفر عن غناءِ التّجربة الفنومينولوجيا مع ميرلوبونتي، فلولا وجود الجسد وحضوره في العالم، لن تنبني أسس الكوجيتو ولا الذّات بالمعنى الهوسرلي. إذن فالجسد هو ظهور وتواجد في العالم. ولعلّ طبيعة هذا الجسد الفنومينولوجي الّذي يظهر بوظائف متعدّدة، هو الّذي يستبطنُ الوعي والتّاريخ بما هو مجال للظّهور والتّخفي. فماهي وظائف الجسد عند ميرلوبونتي؟

ينحو ميرلوبونتي في مؤلّفاتهِ الأخيرة (العين والفكر 1960، والمرئي واللاّمرئي، نحو صورة مغايرة للفنومينولوجيا، تنطلق رؤيتهُ من مفهومهِ عن الإدراك الّذي بحثهُ طويلاً، والّذي أفضى بهِ إلى فكرة العين أو الرّؤية. فالرّؤية هي الّتي يصل بها الإنسان إلى العالم، بعد أن تمرّ عبر إدراك صورته. من هنا كان للجسد أهميّة كبرى. لا سيّما وإن عرفنا سياق حديثهِ في الكتابين السّالفي الذّكر، وهو سياق نقدهِ لديكارت الّذي أعطى أولويّة للفكر[3] بدلَ الجسد، أي أنّ الفكر سابقٌ على الجسد، والوعي هو الّذي يقومُ بهذه العمليّة، وهذه إحدى مناطق الاختلاف بينهما. لعلّةٍ صريحة وهي أنّ ميرلوبونتي يعطي أولويّة للإدراك الّذي تُكوّنهُ الرؤية، كأوّل عمليّة فيزيائيّة يلتحمُ بها الجسد بالعالم. وبالتّالي تكون العين هي أحد وظائف الجسد الّتي تعرفني على ذاتي وعلى العالم، فالجسد ليس مصدراً للخطأ بل هو بالتّعين أساس التّعرف على العالم. فمنذ أول لقاء لي بالصباح تنطلق الذّات في اتّصالها بالعالم الخارجيّ، الّذي أدركهُ من خلال خبرتي بهِ والّتي كوّنتها عبر الزمانيّة المتذوتةِ فيها، وعبر عالم المعيش[4].

ينعكسُ هذا على ذاتي وفي طبيعة العلاقة الّتي تجمعني بالذّوات الأخرى، فرؤيةُ الآخر ليست تشيئية لي ولا مطابقة لي، أو مختزلة[5]. فذاتي هي بالمحصلة “أنا” خاصّة بي moi même، إدراكها الجوّاني للعالم، ينفي منطق مطابقة الهويّة، وينفتح على تعدّد الذّوات في العالم المعيش. يقول ميرلوبونتي: “إنّ الأشياء في طرف نظرة الآخر، لا تستدعي هذه النّظرة بوصفها تأكيداً لكيانها وبوصفها ما يجعلها أشياء حقيقيّة أو مؤكّدة. إنّها دائماً أشيائي هي الّتي ينظر إليها الآخرون، وصلتهم بها لا تدمجها في عالم يكون هو عالمهم، فإدراك العالم من طرف الآخرين لا يمكنه أن يدخل في تنافس مع الإدراك الّذي لي أنا ذاتي للعالم: حالتي ليست شبيهة بحالة الآخرين، فأنا أحيا إدراكي من الدّاخل، ومن الدّاخل لإدراكي قدرة تكوّن ذاتيّ لا تضاهى. وهذه القدرة ذاتها الّتي هي قدرتي على الوصول إلى الشّيء، وبالتّالي على تخطي حالات وعيي الخاصّة، نتيجة كونها قدرة خاصّة بالإدراك المعيش من الدّاخل، أي بإدراكي[6]. إذن فالذّات بما هي استقلال جوّاني وبراني أيضا في هذا المستوى، فإنّها تستبطنُ عالمها من خلال الرؤية وبالتّالي تساهم هذه الرّؤية أو العين في إدراك العالم في أبعادهِ المتعدّدة. بهذا الاعتبار تغدو كلّ رؤية هي وعياً بالعالم وبحركتهِ، ولعلّ الموقف الأصيل للرؤية في فنومينولوجيا ميرلوبونتي، هي العودة إلى العالم الأصيل الّذي يشبك الذّاتي بالموضوعيّ، والمرئيّ باللَّامرئي. وبناءً على هذا فما هي وظائف الجسد؟

أولاً: الرّؤية

من خلال ما سبق، تبيّن لنا بأنّ للجسد ضرورة أساس في فنومينولوجيا ميرلوبونتي، فالجسد هو الّذي يتوسّط بين الذّات والعالم. ومن ثمّ فإنّ للرّؤيةla vision ، دور فنوميولوجي لتعريفي بذاتي والاستقلال عن الذّوات الأخرى، باعتبار الرّؤية مجالا خاصّاً بي يقع في مجال إدراكي الذي لا يدركهُ الآخرون. فالجسد الفنومينولوجي بهذه الصورة، هو جسدٌ يتمدد في العالم وفي أماكنهِ المدركة، وهو ما يمكننا من تفسير ميرلوبونتي لمكانيّة الجسد وحركتهِ في العالم، فهو يرفض التّفسيرات الّتي قدمها سواء كلّ من ديكارت أو حتّى كنط وهوسرل، فالمكان ليس فكرة ذهنيّة ممتدّة في العقل، ولا معطى قبلي، وإنّما هو ” الوسيلة الفعليّة الّتي من خلالها تكون وضعية الأشياء ممكنة، فأبعاد المكان ليست موجودة مع الشّيء، وإنّما خبرتنا بالمكان هي الّتي مكنتنا من تحديد هذه الأبعاد[7]“. إذن ميرلوبونتي يرفض التّصور الّذي يجعلُ من المكانِ وعياً، ويحصر أبعادهُ في منطقة مقصيّة عن ظلال الجسد. يصيرُ الجسد بهذا المعنى نافذة على العالم بما هو معطى فيزيقي، يقيمُ اتّصالاً وتواصلاً في العالم، وهذا المعنى هو ما يضفي وحدة بينَ الذّات والجسد والعالم.

ثانياً: الحركة

بما أنَ الرّؤية أحد الوظائف الأساسيّة في فينومينولوجيا الجسد في فلسفة ميرلوبونتي، فإنّ أحد أهم الوظائف الأخرى بالنسبة لميرلوبونتي. هي الحركة، فالجسدُ يكونُ موازياً للوعي، أي أنّ الجسد تجسدٌ للوعي. ولا أنظر إلى جسدي باعتبارهِ مجموع الأعضاء، بل هوَ على الأصحّ صورة جسديّة Shema Corporel، مكتملة وغير مجزأة. من خلال هذا فالجسد في التّصور الفينومينولوجي يؤدّي وسيلة التّواصل البيذاتي والبين أخر، كوسيلة لتحقيق التّواصل في أشكالهِ المتعدّدة (الاجتماعيّة، الفنيّة، الجنسيّة). لذا أولى ميرلوبونتي للتّعبيرات الجسد وإيماءاته أهميّة. ذلكَ أنّ الايماءات هي جزء تكميلي لشكل من أشكل التّعبير سواء اللّغوية أو البصريّة. هذه الإيماءات تؤدّي عندَ ميرلوبونتي وظيفة تحويل الفكرة عبرَ اللّغة الّتي تكونُ اما قاصرة عن توصيل الفكرة، أو أن الإيماءة تعكسُ مسألة الانفعال الجوّاني، وتختزله ومن ثمّ حدوث نوع منَ التّفاعل بينَ الذّوات. ما يسبب تواصلاً فعلياً بينَ الذّوات، الّتي تتحرّك وتشعر … إذن الجسدُ الفينومينولوجي في تصوّر ميرلوبونتي، يخرجُ عن كونهِ يختزلُ في كونهِ مادة فيزيائيّة، إنّه جسد ينتقلُ إلى كونهِ رؤية منفتحة على العالم وعلى الوعي، وعلى الآخر كجسد يستبطن إنفعالاتي وإيماءتي وأنا كذلكَ أتفاعلُ معه، بل وأنصهرُ معه/فيهِ، أثناء العمليّة الجنسيّة. الّتي تلتحمُ فيها اللّحم باللّحم.

  خلاصة وتركيب:

ما يمكنُ استجماعه بعد هذا العرض، حول الذّات في المنظور الفينومينولوجي. وبالأساس معَ هوسرل وميرلوبونتي، أنّ الذّات الفينومينولوجية، هيَ مسار نحو تأكيد أهميّة الذّات. وما المنعرجات الّتي عرفتها، وتعرفها الآن خصوصا مع جون لوك ماريون، إلاّ تتويجاً لهذا المسار الّذي يأخذ كل ّموضوعات الذّات، بعينٍ ناقدة وإبداعيّة، انطلاقاً من الإرث الديكارتّي وما تلاهُ.

خاتمة:

أضحت الفينومينولوجيا عموماً، فلسفة لها موطئ قدم. تقدّمُ رؤية عن الوجود والعالم والانسان. وأضحت موضوعاتها بالغة الأهميّة، خصوصاً وأنهّا تنزعُ نحو محورة ماهية الشّيء دائماً، وهنا تكمنُ قيمتها على المستوى الفينومينولوجي أو الوجودي، وفي تعاليها عن الزّمان والمكان على مستوى المقاربة، وهو ما يمنحها مزيداً من الاقتراب النّظري، والمحاورة الإنسانيّة عبر اختراق الأزمنة.

*******

[1]  موريس ميرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ترجمة وتقديم: عبد العزيز العيادي (بيروت-لبنان، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى 2008) 55.

[2] Dupond, Le vocabulaire de Merleau-Ponty, (Paris-France, Ellipses Edition Marketing, S.A. 2001) 9.

[3]  موريس ميرلوبونتي، المرئي واللامرئي، ص 325. يقول في سياق حديثه عن ديكارت وكيفية تكون الجسد الإنساني عنده ” الفكرة الديكارتية عن الجسد الإنساني من حيث هو محكوم من طرف الفكر، لعلها الفكرة الأعمق عن وحدة النفس والجسد. إنها النفس الحالة في جسد ليس هو من قبيل ال في ذاته”.

[4]  موريس ميرلوبونتي، المصدر نفسه، 94-95.

[5]  موريس ميرلوبونتي، المصدر نفسه، 123.

[6]  موريس ميرلوبونتي، المصدر نفسه، 123.

[7]  محمد بن سباع، تحولات الفنومينولوجيا المعاصرة: ميرلوبونتي في مناظرة هوسرل وهايدغر (الدوحة-  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى 2015) 154.

*******

لائحة المصادر والمراجع:

أ- المصادر العربيّة:

-هوسرل إدموند: أزمة العلوم الأوروبيّة والفنومينولوجيا الترنسدنتاليّة: مدخل إلى الفلسفة الفنومينولوجيا، ترجمة: إسماعيل المصدق، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، الطّبعة الأولى، 2007.

– هوسرل إدموند: فكرة الفينومينولوجيا، ترجمة: فتحي إنقزو بيروت- المنظمة العربية للترجمة، 2007.

-ميرلوبونتي موريس: المرئي واللامرئي، ترجمة وتقديم: عبد العزيز العيادي بيروت-المنظمة العربية للترجمة، الطّبعة الأولى 2008.

ب- المراجع العربيّة:

-بن سباع محمد: تحوّلات الفنومينولوجيا المعاصرة: ميرلوبونتي في مناظرة هوسرل وهايدغر، الدّوحة- المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات، الطّبعة الأولى 2015.

 المصادر والمراجع الأجنبية:

René, Descartes : Méditations métaphysique, Présentation et notes par : Marie-Frédérique Pellegrin, Paris : Flammarion, 2009

Pascal, Dupond : Le vocabulaire de Merleau-Ponty, Paris-France, Ellipses Edition Marketing, S.A. 2001

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق