التّسامح في الفلسفة الغربيّة والفكر العربي… لماذا الآن؟

تواجه المجتمعات المعاصرة المتعدّدة ثقافياً وإثنياً ودينياً تحدّيات بارزة في العقود الأخيرة. أنتجت العولمة المتصاعدة، مع ما يرافقها من تنامٍ ملحوظ للأصوليات الدينيّة؛ ظاهرة القلق على الهويّة نتيجة الضّغوط التّي تمارسها، ضمن مسار تاريخيّ كثيف التّعقيد، أدّى إلى تشكّل خطين متناقضين: انفتاح العالم وانغلاقه في آن، فبتنا –لا سيّما في المدن الكبرى الحديثة- أمام جماعات تتجاور ولا تتحاور، وهذا بدوره يطرح أمامنا إشكاليات أخرى حول الأطر الاجتماعيّة الجديدة وتشكّلاتها، التّي درسها عالِم الاجتماع البولندي/ البريطاني زيغمونت بومان (Zygmunt Bauman) (ت 2017) في سلسلة مؤلّفاته حول السيولة. ولئن افترضنا أنّ «الانغلاق الهوياتي» يهدّد حوار الحضارات وتلاقيها، فإنّ التّسامح يُعد قاعدة أساسيّة من ضمن منظومة أوسع تضمّ إدارة التّنوع وتدبيره و«سياسات الاعتراف» التّي نظَّر لها فلاسفة غربيون.

منذ عام 2011 شهد عدد من الدّول العربيّة اضطرابات هائلة خرّبت النّسيج الاجتماعي، فأنتجت انقساماً عمودياً خطراً على أسس طائفيّة وعرقيّة ودينيّة ومذهبيّة. إنّ الخروج من ندوب الحروب يتطلّب بالدرجة الأولى تحقيق مطلبين: جبر الضّرر (Reparations)، وبناء ذاكرة غفرانيّة؛ فـــ«الغفران في حدّ ذاته منحة لأنّه يؤدّي إلى ذاكرة سعيدة»[i]، كما خلص الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (Paul Ricoeur) (1913-2005)، وهذا يساعد على تحرر الأفراد من أثقال العنف والماضي الأليم، ويسمح بتأسيس فضاءات متقاربة وثقافات متسامحة، تنظر إلى الآخر، أياً كان انتماؤه، كشريك أساسي في بناء المستقبل والحياة الإنسانيّة؛ أي كذاتٍ شريكة، فصورتنا لا تكتمل إلاّ في مرآة الآخرين، والوجود الإنساني هو وجود مرتبط بالآخر فــ«الفرد الفريد يبني هوّيته وفرادته وهو محكوم بالوجود بالمعيّة» كما ينبهنا الفيلسوف اللبناني ناصيف نصّار[ii].

التّسامح وتفكيك منهج الإقصاء والكراهيّة

يأتي «التّسامح: زينة الدنيا والدين» (دار مدارك للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، 2019، (333 صفحة)) لتركي الدّخيل في سياقات تاريخيّة مضطربة تمرّ بها المنطقة العربيّة. يقدّم إجابات مهمة على تساؤلات عدّة، طرحها الدبلوماسي والإعلامي السّعودي، أبرزها: كيف بدأ التّسامح، ولِمَ كان، وأين وصلَ؛ ولماذا نطرحُ السؤال الآن؟ كيف نلتقط المفهوم الجديد وكيف نتصالح معه؟ لا يهدف الكتاب إلى وضع بناء نظري معقّد يُتعب القارئ. تتمثّل غايته في تسهيل فهم مصطلح التّسامح وتطوّراته وتاريخه وأعلامه في الثقافتين العربيّة الإسلاميّة والغربيّة، وهو بذلك موجهٌ ليس للقارئ الباحث عن المعرفة فحسب، بل أيضاً للأجيال الشّابة والآباء والأمّهات الّذين تُلقى على كاهلهم مسؤوليات كبيرة في الأزمنة الصّعبة التّي نمرّ بها، حيث بات التّسامح في المجتمعات العربيّة ليس حاجة أو مطلباً ترفيهياً أو هبة تُعطى للآخر، إنّما هو ضرورة للنّهوض بالإنسان والأوطان، وهو مطلب تربوي من المفيد تدريسه في مساقاته المختلفة والمتداخلة داخل مدارسنا وجامعاتنا لإرساء السّلام المجتمعي وتوطيد العيش المشترك.

جاء الكتاب في ثلاثة فصول وزعت على النحو الآتي: الأول: التّسامح: في البدء كان السؤال؛ الثاني: التّسامح… لوك وفولتير ونحن… مواقف أثمرت الأفكار؛ الفصل الثالث: قراءة في كتاب «تاريخ التّسامح في عصر الإصلاح» [لمؤلفه جوزيف لوكلير (1895-1988)].

منهجياً، سعى الدخيل إلى الخروج على التّعقيد الأسلوبي. نعتقد أنه انشغل في سؤال أساسي حكم كامل عمله: لماذا الآن أردت الكتابة عن التّسامح؟ يبدو هذا السؤال للبعض تبسيطياً، لكنه في العمق يضعنا نحن في العالم العربي، كتّاباً ومثقفين وأكاديميين وتربويين وإعلاميين وصنّاع قرار… إلخ، أمام جواب صعب خصوصاً، إذا أدركنا أن الإسلام المعاصر في الأزمنة الراهنة يواجه امتحاناً مريراً، لا بد أن يتجاوزه فاتحاً أبوابه لاحتضان الحداثة، فالسؤال الذي طرحه الدخيل في التّقديم وأجاب عنه بحصافة، يواجهنا باستحقاق معرفي وتاريخي، ضمن سؤال إشكالي آخر: إذا كان العنف الذي يرتكبه الحركيون الإسلاميون طبع الإسلام بالطابع «العنفي/ الإرهابي»، كما تعمم بعض الآراء المتسرعة التّي لا تقرأ هذه الظاهرة بكليتها، فأين هي مسؤوليتنا في التّأسيس «لإسلام الأنوار»[iii] عبر القراءة الحداثويّة للمدونة التّراثيّة، وعبر الإضاءة على مساحات العيش والحوار في ماضينا وحاضرنا؟ علينا أن ندرك أن تاريخ المسلمين كتاريخ كل الشعوب، بقدر ما احتوى على خطابات متسامحة احتوى أيضاً على خطابات تحريضيّة.

يرى الدخيل في إجابته عن «لماذا الآن» [أي لماذا نتطرق اليوم إلى موضوع التّسامح] أنه «حينما يزعجنا ربط مفهوم الإرهاب، بديننا الحنيف، أو ثقافتنا السمحة؛ علينا أن نقدم اجتهادنا في تفكيك منهج الإقصاء والكراهيّة، وأن نعيد طرح ثقافتنا الراهنة، لا عبر منظومات تراثيّة متحفظة أو أساطير مجتمعيّة مرتبكة، أو ممارسات فرديّة متنطعة، بل عبر منتجنا الحيوي، ومبادرتنا الذكيّة، لسياسة التّسامح وإدارة الذاكرة، والاحتفاء بالتّنوع، وإدراك أهميّة التّعايش». (ص19).

إنّ إرساء التّسامح وتثبيت دعائمه ليس مسؤوليّة الحكومات العربيّة فقط؛ أي إنه لا يتخذ منحىً سياسياً فحسب، فلا بد من إدارة متكاملة في التّربيّة والاجتماع والإعلام والفضاءات العامة، وهذا ما حاول تأكيده الدخيل في أكثر من موضع في كتابه.

التّسامح في الفكر العربيّ من أديب إسحاق إلى علي أومليل

قدّم الفصل الأول من الكتاب موجزاً لتاريخ التّسامح في الفكر العربي المعاصر، بدءاً من النقاشات التّي بدأت منذ نهايّة القرن التّاسع عشر؛ إلى نهايات القرن الماضي. اختار الدخيل أعلاماً عرباً لهم إسهامات في إرساء أدبيات التّسامح والمتعلقات المرتبطة بالمفهوم (التّساهل واللين والرفق والتّعايش) في الفترة التّاريخيّة المدروسة؛ واستهل بحثه مع الأديب والصحفي السوري أديب إسحاق[iv] (1865-1885) الذي ميَّز عام 1874 بين التّعصب والتّساهل، في حين رأى أمين الريحاني (1876-1940) أن التّساهل: «هو الاعتقاد بوجود من يخالفك». كان العقل العربي في فترة ما –كما يوضح الكاتب- «يحاول الوصول إلى إدراك كُنه المفاهيم الجديدة، ويُعمِل في ذلك جميع مكوِّناته بلا ممايزة، فنجد آراء المسلم والمسيحي، وغيرهما من أهل الأديان والمذاهب، كلها تصب لوقف سوء الفهم، أو لصقل الفهم الحسن في ثقافة لم تجد حظها في البيان» (ص27).

أصاب الدخيل في تشخيصه هذا، فالثقافة العربيّة والإسلاميّة على امتداد تاريخها واجهت امتحانات إثبات الذات أمام الآخر الأوروبي، لتأكيد عمقها الحضاري والثقافي، ولتبيان أن الإسلام يملك تراثات هائلة غنيّة، وتاريخاً علينا أن نبذل المزيد من الجهود العلميّة في سبيل تأويله تأويلات هادئة بعيدة عن الخطابيّة والأدبيات الانتشائيّة والتّبجيليّة، ومن ضمن هذه التّأويلات المساحات المسكوت عنها في تاريخنا والتّي تبيِّن أن سبل الحوار بين الأديان والمذاهب وفي الاجتماع الإنساني، شكلت ظاهرة فريدة في الحضارة الإسلاميّة، يجب الاقتداء بها وأخذ العبر، منها ليس لأننا مرضى بالماضي، بل لأن الحاضر والمستقبل لا يمكن القطع مع طبقاته التّاريخيّة. لقد أرهق الغرب الإسلام والمسلمين في تقديم صكوك البراءة من العنف والإرهاب، ولا ريب أن العديد مما كُتب في مجالي الاستشراق ودراسات الإسلاميّة ساعد على تشويه الصورة، وتقديم قوالب نمطيّة ما زالتّ ماثلة إلى اليوم في الخلفيّة المعرفيّة لبعض الباحثين الأوروبيين، منذ القرن الثامن عشر. وفي المقابل علينا أن نعي أن العنف في الإسلام المعاصر ليس وليد «الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي» فحسب، إنما هو على علاقة مباشرة بالرؤيّة التّي ينظر بها المسلمون إلى العالم، وكيفيّة النهوض بـــ «العقل الاجتهادي» واستحقاقات سؤال الأنوار الكانطي[v].

يستشهد الدخيل بمقال عبدالمسيح الأنطاكي[vi] (1874-1923)، كُتب في مجلة الهلال المصريّة، عام 1893، تحت عنوان: «التّعصب والتّساهل»، قال فيه: «فالتّعصب زميل الاستبداد، وأخو العسف، وهو شأن الذين تأخذهم مأخذ الطيش والجهالة، ولا يعرفون من الدنيا إلا ما هو داخل سور بيتهم (…) أما التّساهل، فهو كالحريّة؛ يُنكره الإنسان رئيساً ويطلبه مرؤوساً، ومن ينظر في تاريخ الدول والممالك يتحقق من أن ما قام بينها من الحروب والفتن والمذابح العظيمة إنما سببه التّعصب»[vii] (ص28). تتضمن مقالة الأنطاكي وعياً مبكِّراً حول الحروب الناجمة عن التّعصب الديني، ومعلوم أن أوروبا عانت على مدار قرون من الاقتتال بين الكاثوليك والبروتستانت، إلى أن بزغ عصر الإصلاح الديني وعصر الأنوار الذي قاده فلاسفة كبار، ورافقه أيضاً حركة إصلاحيّة داخل الكنيسة لا يمكن تجاهلها أبداً، فخرجت أوروبا من عصر الظلمات والجهل المقدس (La Sainte Ignorance)[viii] إلى النور والذي تخلله تحولات وانزلاقات وانزياحات. إن العقلاء المسلمين والعرب مدعوون اليوم لإطلاق عصر التّنوير العربي الإسلامي، وهذا لا يتم إلاّ من خلال إطلاق خطة طوارئ ثقافيّة متكاملة تنهض بها الدول ومؤسسات المجتمع المدني، تبدأ بالمدارس أولاً خصوصاً التّعليم الديني، ويكون للإعلام دور توعوي فيها حول أهميّة الإصلاح، ويضطلع به المفكرون وأصحاب الاختصاص في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة لإحياء النهضة العربيّة الثانيّة.

في موازاة دعاة التّسامح في الثقافة العربيّة المعاصرة، تظهر نماذج أخرى مناهضة، عمل عليها الدخيل من بينها مواقف جمال الدين الأفغاني (1838-1897) والأب لويس شيخو (1859-1927)، فيقابلها بأصوات إيجابيّة على طرف نقيض، يمثلها الأديب اللبناني أنطوان الجميّل (1887-1948) الذي كتب مقالاً في مجلة الهلال عام 1918 بعنوان «التّسامح» شدد فيه على ضرورة العيش المشترك. يقول: «ولو زالتّ روح التّسامح من بين الناس تقوّض ركن الاجتماع، وعفَت معالم العمران، وضاع معنى التّضامن والائتلاف، فعاش البشر أفراداً، متقاربين جسماً متباعدين نفساً، لا تقوم لهم مصلحة مشتركةً كانت أو مستقلة» (ص33).

إن التّسامح في الحضارة الإسلاميّة لا يعود إلى الحقبة المعاصرة. عرف المسلمون على امتداد تاريخهم محطات تدل على حضور الحوار والتّلاقي في الاجتماع الإنساني والجدل الديني بين الأديان والمذاهب[ix]-وهذا ما يلحظه الدخيل-: «توافر عموماً وبصورة تدريجيّة، على مدار تاريخ العرب، مناخ ربيعي الأعطاف، يظلله التّسامح، وتدفعه روح الأخذ والعطاء وعقليّة الاجتهاد والتّدبر، لبناء حضارة عربيّة المحتوى، إسلاميّة الإطار، إنسانيّة التّطلع والأهداف وخلال عديد الفترات التّاريخيّة الوضيئة المشرقة، من ذلك ما حصل أثناء الفترة العباسيّة، خصوصاً في عهد المأمون، والعصر الأموي بالأندلس، خصوصاً في عهد عبدالرحمن الناصر، وعهد الدولة المُوحديّة بالمغرب العربي، خصوصاً في عهد يوسف بن عبدالمؤمن بن علي، حيث أصبحت بغداد ودمشق والقاهرة والقيروان وفاس ومراكش وقرطبة وطليطلة وغيرها من المدن، مراكز اختلاط بين الأعراق وتلاقح فكري، أخذاً وعطاء وتفكيراً (…) كانت مرحلة الأندلس مثالاً محبذاً (…) وبقيت طليطلة بعد الفتح العربي مركزاً للمسيحيّة، يسكنها المطران الأول، كما كان المسيحيون يخضعون لإدارة موظفين يختارونهم من بينهم بموافقة الحكومة، ويقضي بينهم قاضٍ يسمى «قاضي النصارى» يسير على القانون القوطي، أما الجماعة اليهوديّة، فلها تنظيماتها الإداريّة على غرار المسيحيين ولها ثقافتها وحريتها الكاملة، ما تسبب في جعل اليهود يهاجرون إلى الأندلس» (ص48).

يعود الدخيل إلى غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) (1841-1931) صاحب «حضارة العرب»[x] أكد فيه استنتاجات لافتة ترتبط بتاريخنا، لعلنا نخفف من «ثقافة جلد الذات» أولاً، ولأخذ الدروس والعبر ثانياً. يقول المؤرخ الفرنسي: «كانت أخلاق العرب في أدوار الإسلام الأولى، أرقى كثيراً من أخلاق الأمم قاطبةً (…) وكان عدلهم واعتدالهم ورأفتهم وتسامحهم، نحو الأمم المغلوبة، ووفاؤهم بعهودهم، ونبل طبائعهم، مما يستوقف النظر ويناقض سلوك الأمم الأخرى، ولا سيما الأمم الأوروبيّة، أيام الحروب الصليبيّة (…) لم يبدُ عدم التّسامح بين المسلمين، إلاّ بعد أن اضمحل سلطان العرب، في القرن الثالث عشر من الميلاد، وصارت سلطتهم قبضة (شعوب ثقيلة شرسة غير مهذبة) من تُرك وبربر وغيرهم». (ص49).

يختار الدخيل ثلاثة نماذج لمفكرين معاصرين وهم: عالم الإسلاميات الجزائري محمد أركون (1928-2010) والفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) والباحث المغربي علي أومليل. يتناول صاحب مشروع «نقد العقل الإسلامي» «مسألة التّسامح واللاتسامح في التّراث الإسلامي» وهو عنوان محاضرة له ألقاها في ندوة قرطاج، انطلق فيها من أن التّسامح لا يمكن فهمه فهماً نقدياً، إلا بربطه بمفهوم اللاتسامح ليخلص إلى تأكيد أن التّسامح –مفهوماً- لم يعرفه السياق الإسلامي تاريخياً و«أنه يعتبر واحداً من أنواع اللامفكر فيه في الفكر الإسلامي». ويرجع أركون ذلك إلى عائق إبستيمولوجي (معرفي) يسميه بالسياج الدوغمائي[xi] ومصادرات العقل الأرثوذكسي (…) وينتهي إلى رفض إسقاط مفهوم التّسامح، الذي يعتبر مرغوباً اليوم، في الماضي وفي التّراث الإسلامي الذي لم يعرفه تاريخياً» ( ص66-67). أما الجابري صاحب «نقد العقل العربي» فإن الرؤيّة عنده تختلف –كما يلفت الدخيل- وتسير في اتجاه القول بضرورة تأصيل مفهوم التّسامح في الحضارة العربيّة والتّراث الإسلامي، انطلاقاً من أطروحته التّي تطالب «بتبيئة المفاهيم الحديثة في ثقافتنا» (…) ويعتمد على مفهومي الاجتهاد والعدل، كما ورد استعماله عند المعتزلة وابن رشد، أما تجلياته الأولى فيجدها عند الجيل الأول من «المثقفين في الإسلام ويعني بهم ما عُرف في الكتب بالفرق الكلاميّة» مثل المرجئة والقدريّة الذين كانت أفكارهم تدور حول محورين رئيسين: التّسامح من جهة، وتأكيد حريّة الإنسان من جهة أخرى» (ص68-69). أما علي أومليل فيرى أن مفهوم التّسامح بذاته لم يكن موجوداً، ولا يمكن إسقاط مفهوم جديد على وقائع قديمة. لقد لاحظنا أن ثمة اقتضاباً شديداً في تناول رأي صاحب «السلطة الثقافيّة والسلطة السياسيّة» حول مسألة التّسامح، فكان من الأجدى توسيع وجهة نظره كي تتوازن مع أركون والجابري، وهذا كان يتطلب بحثاً أطول.

تطرق الكاتب إلى تأصيل التّسامح كما قدمه الفكر الإسلامي المعاصر ووقع اختياره على ثلاثة: شوقي أبو خليل (1941-2010) المؤرخ والباحث الفلسطيني صاحب «هذا هو الإسلام: التّسامح في الإسلام»، ومحمد الغزالي (1917-1996) رجل الدين الإسلامي، وصلاح بن عبدالرحمن الحصين (1932-2013)، رجل الدين السعودي.

لوك وفولتير والتّسامح[xii] عندنا… ثقافياً وفقهياً

يعد إسهام الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (John Locke) (1832-1704) في «رسالة في التّسامح» (1689) خطوة كبيرة في مجال المصادر الكلاسيكيّة في هذا الموضوع، وقد وضعها في اللاتينيّة أولاً، ثم ترجمت إلى الإنجليزيّة، دعا فيها إلى القضاء على بنيّة الإقصاء والتّطرف، مستخدماً الأدلة الدينيّة لتأكيد هذه المبادئ. استحضر الدخيل هذه الرسالة التّأسيسيّة في أدبيات التّسامح، محلِّلاً ظروفها التّاريخيّة ومضمونها، إذ تقاطعت مع احتدام الصراعات داخل المجتمعات الأوروبيّة وتفجر العنف الديني. قد يكون من المفيد هنا العودة إلى وجهة نظر هيغل ( Hegel) (1771-1831) حول «مكر التّاريخ»، فهو يعتبر أن التّاريخ شخصيّة مستقلة تماماً عن إرادات الأفراد؛ إذ يسير في الطريق الذي اختطه لنفسه بمعزل منا، وغالباً على الضد من أفعالنا ورغباتنا. ومن هنا هو يُمكِّر ويُضلِّل مَن يريد إعاقة حركته، فنجد أنفسنا نسير في عكس الاتجاه الذي أردناه. ولكن لماذا نعود إلى هيغل؟ الهدف من وراء ذلك القول أن لوك الذي كان شاهداً على عصر الظلمات الأوروبيّة شكل أحد مسارات «خبث العقل الكلي المسيطر على التّاريخ»؛ الذي يفجر قفزات إيجابيّة ضد الحالة المأساويّة السائدة في سبيل إكمال تقدمه؛ ندرك أن الفيلسوف الألماني العظيم لم يعاصر لوك لكن نظريته هذه تنطبق على أزمنة مختلفة.

جاء في «رسالة التّسامح»: «إن التّسامح، بين أولئك الذين يعتقدون عقائد مختلفة، في أمور الدين، يتسق تماماً مع العهد الجديد، الذي أتى به السيد المسيح، كما يتماشى مع مقتضيات العقل الإنساني الحق، حتى إنه لأمر غريب بين الناس أن يكون المرء أعمى إلى الدرجة، التّي لا يرى فيها بهجة التّسامح ومزاياه». ومن أهم اعتبارات التّسامح التّي وردت عنده فرض الدين على الآخرين. يقول: «إن الله لم يُكلف أي إنسان بذلك، لأنه لا يبدو أن الله قد منح ملكاً هذه السلطة، بحيث يفرض دينه على الآخرين بالقوة»[xiii] (ص105-107). الرسالة المؤثرة الأخرى عن التّسامح وضعها فولتير (Voltaire) (1694-1778) وهي نتاج واقعة أليمة كتبها بعد لوك بأكثر من سبعين عاماً –كما يلفت الدخيل- فتزامنت مع فكرة الإصلاح الديني بالدرجة الأولى، أي تكريس التّنوير. ومن المقاطع المهمة التّي يستشهد بها الكاتب نقلاً عن الفيلسوف الفرنسي قوله: «في التّسامح الكوني، لم أكن في حاجة إلى حذقٍ كبير، أو بلاغة متكلفة، كيما أثبت أن على المسيحيين أن يكونوا متسامحين فيما بينهم، غير أني سأذهب إلى أبعد من ذلك، فأدعوكم إلى اعتبار البشر، جميعاً إخوة لكم» (ص116).

عرف مفهوم التّسامح (Toleration)[xiv] تطوراً على المستويين التّاريخي والمفاهيمي، فبدأ من التّعاليم الدينيّة ثم انتقل إلى التّنظيرات الفلسفيّة إلى أن اتخذ مساراً حقوقياً/ دستورياً كما يتضح في مواثيق حقوق الإنسان والشرائع القانونيّة. فلسفياً، شكلت أعمال الفلاسفة الغربيين تطوراً نقدياً لافتاً خصوصاً خلاصات جاك دريدا (Jacques Derrida) (1930-2004) وإدغار موران (Edgar Morin) وأكسيل هونيث (Axel Honneth) وجان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) (1905-1980)، فهؤلاء وغيرهم حلَّلوا البنى السياسيّة والأخلاقيّة للصراع من أجل الاعتراف وأشكال الانكسارات (الجور، سلب الحق، الإهانة) وانعكاسها على الهويّة الفرديّة والجماعيّة وبناء الدولة.

عربياً، ما زالتّ التّنظيرات حول التّسامح وتطوراته النظريّة خجولة، فلم تصل إلى ما وصلت إليه الفلسفة الغربيّة المعاصرة، ولكن هذا لا يحجب عنا أهميّة بعض التّجارب في الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، وقد استشهد الدخيل ببعض النماذج نذكر منها هنا الطاهر بن عاشور (1879-1973) الفقيه والأديب التّونسي (وهو أنموذج في الفكر الديني) الذي دعا المسلمين إلى التّسامح قائلاً: «ويلاحظ أن ما لقيه المسلمون في بعض العصور، من أهل الملل، الأخرى، من شر، لا ينبغي أن يصرفهم عن التّسامح والتّخلق به، واكتساب فضائله». ومن المعلوم أن ابن عاشور يعد أحد المصلحين التّونسيين، الذين أسسوا لثقافة التّسامح الديني، في المجتمع التّونسي، ويجسد ذلك مقولته: «إن المسامحة أكمل لاطمئنان النفس، وأعون على قبول الهدى والإرشاد» (ص126).

تاريخ التّسامح في عصر الإصلاح الأوروبي

ينطلق الدخيل في قراءته المفصلة لـــ«تاريخ التّسامح في عصر الإصلاح» (Histoire de la Tolérance au Siècle de la Réforme)[xv] لمؤلفه جوزيف لوكلير(Joseph Lecler) [xvi] (1895-1988) من السؤال الآتي: كيف نقف على تاريخ التّسامح، وهل يمكن أن نتقفاه بطريقة سليمة؟ وهل من المتاح لنا أن نُسرج مطايانا، في رحلة بين الماضي والحاضر، نقارب فيها المتشابه، نسبره، ونتعلم منه؟ هذا ما حاول عرضه في الفصل الثالث والأخير من الكتاب، فمن جهة قدم قراءة وتعقيباً ساعياً للإجابة عن إشكاليّة أساسيّة: هل يسكن التّعصب تراثنا، أم إن الجماعات المتطرفة هي التّي تتولى عمليّة استحضار نصوص ومواقف مبتورة، تجعلها في خدمة فكرة التّشدد؛ التّي تذللها لفكرة سياسيّة تعارض فيها فكرة الدولة، بل تنقضها نقضاً؟

لا نهدف في هذه القراءة إلى تفصيل عرض الدخيل لــ«تاريخ التّسامح في عصر الإصلاح»، إنما غايتنا تسليط الضوء على أبرز الخلاصات التّي خرج بها، ولكننا بالمقابل لن نتغاضى عن سؤال مركزي قدمه لوكلير: لماذا عصر الإصلاح؟ وأظن أنه مفيد لنا كي نفهم واقعنا الراهن. فلماذا اختار دراسة عصر الإصلاح بالذات؟ «يجيب: لأن الانقسامات المسيحيّة الوسيطيّة؛ كانت تطرح مسألة التّعدديّة الدينيّة في الدولة، بحدة غير معهودة، حيث لم تعد الطوائف: اللوثريّة والكالفينيّة والإنجليكانيّة، هي وحدها التّي تتصادم في ما بينها ومع الكنيسة الكاثوليكيّة في القرن السادس عشر، بل نشأت في وجهها، شيعٌ وحركات دينيّة، مفرطة التّشدد، تهدد بدورها مواقف الإصلاح». وتعقيباً على خلاصة لوكلير يقول الدخيل: «كم يشبه هذا الحال، حالنا اليوم في الشرق والعالم الإسلامي، فالجماعات المتشددة، لا تلبث أن تنشأ، حتى ينشق منها تيارات أكثر تشدداً، ولا أدل على ذلك من ولادة داعش من رحم القاعدة» (ص167).

وتعقيباً على التّعقيب، إن ما يستوجب الإصلاح الديني الإسلامي، ليس المخاوف العامة من حركات العنف الجهادي وانشقاقاته فحسب، والتّي حذر منها كثيرون حين أشاروا إلى المخاطر المحيقة بالإسلام المعاصر، نتيجة انفجاره من الداخل بفعل المد الجهادي، إنما أيضاً يعتبر الصراع السني – الشيعي الأشد خطورة على المسلمين، فقد دخل في مرحلة من الاحتداد المذهبي غير المسبوق لا سيما بعد الثورة الإسلاميّة في إيران عام 1979 والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، هذا عدا التّقاتل على هويّة الإسلام نفسه (أي إسلام نريد؟) من قبل رجال دين وحركيين وإسلاميين… إلخ، وما ينجم عنه من مصادرة لمؤسسات الإسلام التّقليدي الحاميّة للدين من العنف والتّغول الجهادي والحركي؛ فالمطلب الملح الآن وقد كرره أكثر من مرة الأكاديمي والكاتب اللبناني رضوان السيد في العديد من مقالاته هو: «استعادة السكينة في الدين»[xvii] والتّي يجب أن يتبعها حركة إصلاح دينيّة، لوضع الإسلام على سكة الحداثة وتفعيل حركة الاجتهاد بعد ضمورها لقرون .

يخرج الدخيل بخلاصات مفيدة –بغيّة التّعلم من التّجارب- بعد عرضه لكتاب لوكلير نذكر من بينها: «كان التّسامح، حاجة ماسة، لحياة الأوروبيين، وعلى وجه الخصوص، بعد ظهور بوادر النهضة الفكريّة والعلميّة. ولقد رأينا كيف انفلقت الكنيسة، وظهر من داخلها، جماعات معترضة عليها، وما إن استقلت تلك الانشقاقات، حتى ظهرت انشقاقات داخلها (…) لقد تعرفنا على تحولات الملوك، بين الطوائف، وحرصهم على أن يجمعوا بأيديهم، السلطتين الدينيّة والسياسيّة معاً، ومع قوتهم، ظهرت ضدهم دعوات للفصل بين السلطتين، فالكنيسة لله والدولة للشعب، ومن تلك النضالات، تحقق ما أرادته المسيحيّة [المبكرة]، «ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (…) الكتاب المهم، يعرض تجربة مفيدة جداً، لعالمنا العربي والإسلامي، لتعزيز النهضة ضد القهر الديني والطائفي، الذي وصلت مواجهاته إلى الدم، في أكثر من مكان. فالحاكميّة التّي ينشدها الإسلام السياسي، كانت نفسها، مع اختلاف الدين، عند الكنيسة، عندما كان الحاكم يجمع بين السلطتين، الدينيّة والسياسيّة. خلاصة القول: إن منطقتنا مرت أخيراً وما زالتّ، بما مرت به أوروبا في القرون الوسطى، إننا بحاجة إلى مثقف يدعو ويكتب ويثقف وملك يقرر شأنه شأن البولوني الذي حول بلاده من مكان للنزاع الديني، إلى واحة من التّسامح والتّعايش، ومن خلال الكتاب، تأكدت لنا صحة المقولة الشهيرة: «الناس على دين ملوكهم» (ص236-237-238).

يدعو الدخيل في خاتمة الكتاب إلى جعل «التّسامح مساراً لأعمالنا الفكريّة، وممارستنا الحياتيّة، ليقف سداً منيعاً، بوجه الكراهيّة والعنف. وكلمة التّسامح الأقوى هي تلك التّي تخرج من القديم؛ من التّراث ومن المنبر، تحتضن ما يكتبه المثقفون وتحميه، وتمنحهم حق الوجود، وتعترف بهم، وتُهيئ النفس لترى ذاتها في الآخر، فتبصر كُنه الوجود، وحقيقة المعرفة، وتحرص عليه حرصها على ذاتها؛ فتحب بذلك لأخيك ما تحبه لنفسك» (ص251).

بذل الدخيل جهداً ملحوظاً في كتابه على مستويين: الأول: توثيق تاريخ التّسامح وإشكالياته في الفضاءين الأوروبي والعربي الإسلامي، والثاني: دفعه الكتاب باتجاه أن يكون كتاباً تربوياً يساعد القارئ والطالب على أخذ العبر والدروس والإفادة من التّجارب التّاريخيّة بهدف التّمييز بين الأيديولوجيات الهدَّامة والثقافات المنفتحة، الهادفة إلى بناء مجتمعات متفاعلة تنظر إلى الآخر كذات شريكة.

إنّ امتحان التّسامح يعتبر اليوم بمثابة استحقاق تاريخي لكلّ جماعة دينيّة، تُواجه بالأسئلة المصيريّة التّي تفرضها عليها الحداثة منذ عصر الإصلاح الأوروبي. إن مفهوم التّسامح هو في إعادة تشكل وتطور دائمين، وقد بات اليوم أقرب إلى المواطنة الكاملة وإدارة التّنوع والتّعدديّة، وما يرتبط بهما من منظومة الحقوق، عبر السعي إلى توفير شروط التّعايش السلميّ القائم على «الاعتراف» (Reconnaissance) و«الاحترام» (Respect) و«حرّيّة الاعتقاد واللااعتقاد».

********

[i] انظر: ريكور، بول، سيرة الاعتراف: ثلاث دراسات، ترجمة: فتحي إنقزو، المركز الوطني للترجمة، تونس، 2017. انظر أيضاً: هونيث، أكسيل، الصراع من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقيّة للمآزم الاجتماعيّة، ترجمة: جورج كتورة، المكتبة الشرقيّة، بيروت، الطبعة الأولى، 2016.

[ii] نصّار، ناصيف، النور والمعنى، تأملات على ضفاف الأمل، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2018.

[iii] «إسلام الأنوار» (l’Islam des Lumières) مشروع فكري عمل عليه مالك شبل (1953-2016) وأخذه عنه آخرون، وهو مستلهم من «الأنوار الغربيّة»؛ أي عصر الأنوار في أوروبا، تكمن شروطه كما حددها الأنثروبولوجي الجزائري – الفرنسي في: حريّة الوعي، انبثاق الفرد، العقل، والمساواة التّامة بين الرجال والنساء. إن هذا المصطلح الذي وضعه شبل وأخذه عنه آخرون ظهر في كتابه «بيان من أجل إسلام الأنوار» (Manifeste pour un Islam des lumières) الصادر باللغة الفرنسيّة عام 2004، وكان قد أصدر كتاباً بالفرنسيّة (L’islam et la raison, le combat des idées) «الإسلام والعقل: معركة الأفكار» جاء استكمالاً لمشروعه الذي يشدد فيه على العلاقة بين العقل والإسلام وتناول فيه «العقلانيين في الحضارة الإسلاميّة» من بينهم: المعتزلة وابن رشد وإخوان الصفا وغيرهم. راجع:

Chebel, Malek, L’Islam et la Raison : Le combat des idées, PERRIN Édition, 2006.

[iv] يعد من أول المنِّظرين لثقافة التّسامح في التّاريخ العربي المعاصر.

[v] عرف الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (Immanuel Kant) (1724-1804) «سؤال الأنوار» أو «التّنوير» بأنه «خروج الإنسان من القصور الذي هو مسؤول عنه، والذي يعني عجزه عن استعمال عقله دون إرشاد الغير. وأن المرء نفسه مسؤول عن حالة القصور هذه، عندما يكون السبب في ذلك ليس نقصاً في العقل، بل نقص في الحزم والشجاعة في استعماله دون إرشاد الغير. تجرأ على أن تعرف! كن جريئاً في استعمال عقلك أنت! ذاك شعار الأنوار. الكسل والجبن هما السببان في أن عدداً كبيراً جداً من الناس يفضلون البقاء قُصَّراً طوال حياتهم، بعد أن حررتهم الطبيعة منذ أمد بعيد من أي توجيه خارجي. وهما السببان أيضاً في أنه من السهل على الآخرين أن ينصّبوا أنفسهم أوصياء عليهم». انظر: كانط، إيمانويل، تأملات في التّربيّة، ما هي الأنوار؟ ما التّوجه في التّفكير؟ تعريب وتعليق: محمود بن جماعة، دار محمد علي للنشر، تونس، الطبعة الأولى، 2005، ص85 وما بعدها.

[vi] شاعر وصحفي عربي. يوناني الأصل، ولد بحلب وتعلم بها، واتصل بعبدالرحمن الكواكبي وتتلمذ عليه.

[vii] الأنطاكي، عبدالمسيح، «التّعصب والتّساهل»، مجلة الهلال، العدد رقم (10)، 1 يونيو (حزيران) 1893. نقلاً عن: الدخيل، تركي، التّسامح، زينة الدنيا والدين.

[viii] مصطلح أطلقه الباحث الفرنسي أوليفييه روا (Olivier Roy) في كتابه (La Sainte Ignorance Le temps de la religion sans culture) «الجهل المقدس: زمن دين بلا ثقافة» وتُرجم الكتاب إلى العربيّة عن دار الساقي في بيروت وصدر عام 2015.

[ix] نعلم أن الإسلام شهد صراعاً تأويلياً على معنى النص الديني وحقيقته، وأنه ارتُكِّبت أخطاء وفظائع بين أبناء المذاهب الإسلاميّة؛ لكن علينا أن ندرك أن التّاريخ الإسلامي شهد أيضاً جدلاً دينياً بين مذاهبه والأديان الأخرى، كما حدث على سبيل المثال خلال الخلافة العباسيّة، وتحديداً في زمن المأمون (218هـ/833م)، «الخليفة العالِم» الذي شرع أبوابه للفلسفة اليونانيّة وتبنى الفكر المعتزلي. جاء في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي أنّ المأمون سأل حاجبه يوماً: «انظر من بالباب من أصحاب الكلام؟ فخرج وعاد إليه فقال: بالباب أبو الهذيل العلاّف وهو معتزليّ، وعبدالله بن إباض الإباضيّ، وهشام بن الكلبيّ الرافضي [الشيعي]. فقال المأمون ما بقي من أعلام أهل جهنم أحدٌ إلاّ وقد حضر». انظر: الخطيب البغدادي (ت 463هـ/1071م)، تاريخ بغداد، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1997، الجزء الرابع، ص139.

[x] انظر: لوبون، غوستاف، حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2013.

[xi] مصطلح «السياج الدوغمائي» ( clôture dogmatique ) أخذه أركون من أعمال عالم النفس الاجتماعي ميلتون روكيش (Milton Rokeach) (1918–1988) وهو مفكر أميركي من أصل بولوني. قصد أركون في هذا المصطلح الذي عالجه في مشروعه ضمن الإسلاميات التّطبيقيّة: «السياج المشكل من العقائد الإيمانيّة الخاصة بكل دين، والتّي بقيت بمنأى عن كل تفحص نقدي أو علمي بسبب استخدام استراتيجيّة الرفض من قبل المؤمنين التّقليديين». انظر: أركون، محمد، قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1999.

[xii] يقول لوك: إن كتابته حول هذا الموضوع «جاءت كرد فعل على الصراعات الدينيّة المتفجرة في أوروبا، ولم يكن من حل أمام مفكري الإصلاح الديني في هذه المرحلة التّاريخيّة، إلا الدعوة والمناداة بالتّسامح المتبادل والاعتراف بالحق في الاختلاف والاعتقاد».

[xiii] انظر: لوك، جان، رسالة في التّسامح، ترجمة وتحقيق: عبدالرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1988.

[xiv] لم نتطرق في هذه القراءة إلى التّعريفات الدينيّة والفلسفيّة والحقوقيّة التّي أُعطيت لهذا المصطلح، فهي كثيرة ومتنوعة وتطورت بحسب تطور درجة الوعي العلمي في حقوله المدروسة.

[xv] صدر الكتاب في طبعته الأولى عام 1955 عن دار (Aubier) ونُقل إلى لغات عدة وتأخر تعريبه لأكثر من نصف قرن.

[xvi] ولد جوزيف ماري أنطوان لوكلير في شيربورغ (Cherbourg) (فرنسا) عام 1895. سيّم كاهناً يسوعياً عام 1928، ودرَّس العلوم الكنسيّة في الجامعة الكاثوليكيّة في باريس، وتوفي عام 1988. يعد كتابه الذي نقله إلى العربيّة جورج سليمان ( دكتور في الفلسفة في جامعة القديس يوسف، بيروت) من أهم الكتب الضخمة المترجمة في أدبيات التّسامح الغربيّة، وقد صدر عام 2009 عن المنظمة العربيّة للترجمة في بيروت بدعم من مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم.

[xvii] السيد، رضوان، التّجديد الفكري واستعادة السكينة في الدين، صحيفة الشرق الأوسط، الجمعة – 29 جمادى الآخرة 1437هـ – 08 أبريل (نيسان) 2016، رقم العدد (13646).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق