أولئك الذين لا يمسُّ محفوظ قلوبَهم: مَنْ يقيّم مَنْ؟ / شادي لويس

القرّاء الذين كانوا بلا أسماء أو وجوه، يمكنهم، بنقرة واحدة، تقييم نجيب محفوظ بنجمة واحدة من خمس
بعد الضجة التي أثارتها تصريحات الكاتب أحمد مراد عن كتابات نجيب محفوظ، يأتي المخرج المصري محمد سامي بتعليقات مماثلة على هامش مهرجان الإسكندرية للمسرح العربي، وهو الذي كان عضواً في لجنة تحكيمه. لكن، وإن كانت التصريحات التي نُسبت لمراد، أحد الكتّاب الأكثر مبيعاً اليوم، تتعلق بمواءمة إيقاع روايات محفوظ لروح العصر وسرعته، فإن سامي، مخرج مسلسل “الأسطورة” لمحمد رمضان، يذهب أبعد. فهو لا يقارن بين القديم والمعاصر، بل يقارن بين محفوظ ومجايليه، ويخبرنا بأن رواياته التي قرأها كلها لم تمسّ قلبه، فيما عشق يوسف إدريس والسباعي واحسان عبد القدوس.

لا يتوقف سامي عن إثارة الجدل، فهو لطالما قدّم مادة ثرية لأخبار النميمة الفنية. قبل أسابيع كانت بلبلة مع الفنانة غادة عبد الرازق، التي اتهمته بتمزيق ملابسها وهتك عرضها، قد حظيت بتغطية واسعة. وخُتمت في النهاية بتصريح درامي من طرفه بأن الخلاف معها لن ينتهي سوى بالموت. وقبل ذلك، كانت حرب التغريدات بينه وبين الممثلتين ياسمين صبري ونسرين، مصدراً لكثير من الإثارة والتلميحات والتنمر. يكفي هذا كله بالطبع للهجوم على سامي، فمَن هو ليطلق الأحكام على أديب نوبل وروائي قاهرة القرن العشرين. تبدو تلك فرصة أخرى مناسبة للتباكي على الماضي الذهبي، وعلى “الانحطاط” الذي أصاب الساحة الفنية والآداب، والشعور بالاغتراب في الزمن التجاري والروايات الأكثر مبيعاً والجيل الذي يرى في محمد رمضان “نمبر وان”.
أحمد مراد

يتركز هجاء الغاضبين على مراد أو سامي في منطق سؤال: مَن يقيّم مَن؟ مَن يُسمح له بولوج مجال الخطاب؟ وكيف تُعيّن الحدود؟ فالتجاري والأعلى مبيعاً، والعامّي وواسع الانتشار، يبدو مهيمناً بالتعريف، لكن التجرؤ على النخبوي والرفيع والقفز فوق الحدود الصارمة بين القديم/الجديد، السامي/المبتذل هو الإشكالي. كان القبول بالجماهيري والتجاري والشعبي، كأمر واقع، قد تجذر في السبعينات كخطوة راديكالية ونقدية، وتحول لاحقاً إلى حالة احتفاء نخبوي في كل مكان تقريباً، بدءاً من تنظيرات مدرسة مانشيستر في الدراسات الثقافية، وصولاً إلى هوس نخبوي مصري بأحمد عدوية مثلاً، كنموذج تمرّد على المؤسسة. لكن ذلك الاحتفاء لم يكن قبولاً حقيقياً بالجماهيري، بل محاولة لفرض النخبوي هيمنته على المبتذل وتطويعه وبسط سيادته على نطاقاته. فمن حق المثقف أن يضع عدوية أو محمد رمضان أو غيرهما، في موضع التقييم، لكن تلك العملية لا يمكن القبول بعكسها بالطبع.

ويذكرنا هذا، بباحث أميركي في القاهرة، مطلع الألفية، كان لديه هوس بمحفوظ وأحمد عدوية معاً. وفي لقاء له مع الروائى الكبير، سأله عن رأيه في عدوية، وإن كان يسمعه أم لا، فكان ردّ محفوظ بعد صمت طال بضع لحظات: “الأمل في الشباب”. ردّ غامض، لكنه كان كافياً للسائل. أما رغبته في عكس العملية، في سؤال عدوية عن رأيه في محفوظ، فلم تتحقق أبداً رغم محاولات طالت شهوراً. فعدوية اشترط مقابلاً مادياً كبيراً لإجراء للمقابلة، وتعثرت المفاوضات في النهاية. ترى ما الذي كان سيقوله عدوية عن محفوظ؟ وهل لذلك أي أهمية؟

ما فعله محمد سامي أنه أطلق حكماً “ذاتياً” على روايات محفوظ، ولا يتعلق الأمر بالموضوعية أو التقييم العام، فقط لم تلمس روايات محفوظ قلبه. حكم ذاتي، عاطفي في أكثر صوره بساطة ومباشرة. فهل للمخرج واسع الانتشار، الحق في أن يحمل آراء ذاتية؟ أن يشعر؟ أن يحب رواية لمحفوظ أو لا يحبها؟ وأن يقول هذا علناً؟

الإجابة ستكون نعم بالطبع، لكن المعضلة ليست محصورة في مراد أو في سامي، بل في عصر”الرعاع” الرقمي الذي سبب رعباً لأومبرتو إيكو. ذلك العصر الذي يستطيع فيه أي شخص أن يكون له رأي، بل ويستطيع أن يطلق حكماً على كاتب حاصل على نوبل أو يحمل شهادة الدكتوراة. تندثر وظيفة “النقد”، ويهبط ما تبقى منها إلى المزاج العامّي، فيصبح “أدب المدونات” و”نصوص فياسبوك” العربية مركز الاهتمام الأكاديمي الغربي على سبيل المثال، أما الصحافة الثقافية فتتآكل ببطء لصالح مواقع التقييم المفتوحة للعامة ومجموعات القراءة في مواقع التواصل الاجتماعي وموقع “غود ريدز” وكذا “بوك تيوبرز”. يبدو ذلك عصراً مفزعاً إلى اقصى درجة لكل ما هو نخبوي. فالقراء المجهولون، أولئك الذين لم يحملوا أسماء في الماضي، ولم يربطهم بعضهم ببعض سوى علاقة سرية مع الكاتب، أضحت لهم أسماء ووجوه ومتابعون بعشرات الألوف، وببساطة يمكن لأي منهم بنقرة واحدة أن يقيم محفوظ بنجمة واحدة من خمس نجوم.

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق