الْغُبَارُ

الرّجالُ يَكْرَهُونَ أُنْبوبَةَ الْغَازِ…أَنَا أَكَرهُ أُنْبوبَة الْغَازِ…إِذَنْ فَأَنَا رَجُلٌ مِثْلُهُمْ !

هِي منْ أَخبرَتهُ بِذَلِك سَابِقًا، رُبَّما قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ “ديكارت”، لِماذا إِذَنْ تَضَعُهَا أَمَامَه الْآنَ كَصَخرَة “سيزيف”؟ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّه عَاجِزٌ وَلَا يَحْتَاجُ لِهَذَا التَّذْكيرِ الْفَجِّ.

– هَلْ تَعْلَمُ…لَمْ تَعُدْ بِنَفْسِ الْوَزْنِ أيَّامَ كُنْتَ تُبْدِلُهَا بِنَفْسِكَ…أَصْبَحَتْ أخفَّ كَثِيرًا…اللُّصُوص، قَامُوا بِالتَّخْفِيضِ فِي كَمِّيَّةِ الْغَازِ وَالتَّرْفِيع فِي ثَمَنِهَا…هَلْ اِسْتَمَعْتَ إِلَى الرَّادْيُو الْيَوْمَ؟ يَقُولُونَ إنّنا نَمْلِكُ مَخْزُونًا هَائِلًا مِنَ الْغَازِ…لَكِن … اللُّصُوصُ!

لَا يَتَذَكَّرُ أَنَّه اِسْتَمَعَ لِخَبرٍ كَهَذَا فِي الرَّادْيُو…لَمْ يَعُدْ يَسْتَمِعُ إِلَى الْبَرامِجِ الإخباريّة أَصْلًا…حَدَثَ ذَلِكً مُنْذُ أَنْ دَخَلَ فِي نِقَاش حادٍّ مَع ” نُور الدِّين ” أحدِ أصدقائِهِ الْوَقِحِينَ الْقُدامى..جَاءَ يَوْما لِزِيارَتِهِ…وَتَبْدِيدِ يَأْسِهِ…لَكِنَّه وَجَدَهُ يُثَرْثِرُ فِي السِّياسَةِ دُونَ تَوَقُّفٍ…حَاوَلَ مِرَارًا أَنْ يُغَيِّرَ مَجْرَى حَديثِهِمَا إِلَى الذُّكْرِيَاتِ الْقَدِيمَةِ :

– هَلْ تَتَذَكَّرُ ” مَرْيَم “؟ اِبْنَة ” عَمِّك صَالِح الْخَضَّار “؟ تِلْكَ الَّتِي دَرَسَتْ مَعَنَا؟

– لَقَدْ اِنْهَارَ نِظَامُ التَّعْلِيمِ…سَتَأْكُلُنَا هَذِهِ الْأَجْيَالُ المُتَسَرِّبَةُ مِنَ الدِّرَاسَةِ يَوْمًا مَا…الْحُكُومَةُ هِي السَّبَبُ…يا لهُ مِنْ وَزِيرٍ…

– لَقَدْ قَبَضُوا عَلَيهَا فِي رِحْلَةِ هِجْرَة سِرِّيَّةٍ…هَلْ تَتَذَكَّرُهَا؟ كَانَتْ تَمْلِكُ أجملَ عَيْنَيْن فِي الْمَعْهَدِ كُلُّهِ..

– نَحْنُ مُجَرَّدُ حَرَسِ حُدودٍ لِلضِّفَّةِ الْأُخْرَى…أَيْنَ بَرامِجُ التَّشْغِيلِ الَّتِي تَحَدَّثُوا عَنْهَا؟ أَيْنَ التَّنْمِيَةُ؟ هَذِهِ حُكُومَة فاشِلَة ..

– لَقَدْ ثَارَ ” عَمّك صَالِحٌ ” فِي مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ عَلَى ظُروفِ اِعْتِقالِ اِبْنَتِهِ…أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ تَحَرَّشُوا بِهَا…أَنَا لَا أُلومُهُمْ…فَهِي نَهْدَانِ يَمْشِيَانِ عَلَى قَدَمَيْن…هَلْ تَذكَّرْتَهَا؟ مِثْلُها لَا تَفْقِدُهَا الذَّاكِرَةُ بِسُهولَةٍ.

– الثَّوْرَةُ فَشِلَتْ … لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ…كُلُّ الْحُكُومَاتِ متشابهةٌ…لَقَدْ فقَدنا الْمُبَادَرَةَ…أَيْنَ قَادَةُ الْحِزْبِ؟

ضَاقَ بِهِ ” نُور الدِّين ” ذَرْعًا يَوْمَهَا…عنْدَمَا هَمَّ بِالْمُغادَرَةِ، نَظَرَ إِلَيه بِشَفَقَةٍ قَاتِلَةٍ قَائِلًا:

– عَلَيكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ مُشَاهِدَةِ التِّلْفازِ…تَخَلَّصْ مِنَ الرَّادْيُو أيضا…إِنْ اِسْتَمْرَرْتَ فِي ذَلِكَ سَتَفْقِدُ نِصْفَكَ الْعُلَوِيّ كَمَا فَقدْتَ نِصْفَكَ السُّفْلِيّ أَيُّهَا الْأحْمَق.

لَمْ يَشْعُرْ بِالْإهَانَةِ مِنْ كَلاَمِ صَدِيقِهِ…” نُور الدِّين ” مُناضِلٌ يَسَارِيٌّ قَدِيم فِي اِتِّحَادِ الطَّلبةِ لَكِنَّهُ تَغَيّرَ مُنْذُ أَن عَمِلَ مَع ” لَسْعِد مارلبورو ” مهرّبِ السَّجائِرِ الْمُقَلَّدَةِ…لَمْ يَعُدْ يَتَحَدَّثُ فِي السِّياسَةِ وَلَمْ يَعُدْ لِزِيارَتِهِ مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم…وَبِدَوْرِهِ، تَخَلَّى عَنِ التِّلْفازِ وَالرَّادْيُو وَعَنْ كُلِّ نَشَرَاتِ الْأَخْبَارِ حَتَّى لَا يَفْقِدَ عَقْلَهُ…وَلَكِنْ مِنْ سَيُخْبِرُ ” نُورالدِّين ” بِذَلِكَ؟

اِنْتَبَهَ عَلَى صَوْتِ صَرِيرِ الْأُنْبوبَةِ الْفَارِغَةِ تَدْفَعُهَا زَوْجَتُهُ عَلى بِلاطِ مَمَرِّ الْمَنْزِلِ وَهِي تَشْتُمُ صَاحِبَهُ الَّذِي رَفَضَ مَدَّهُ بِشَبَكَةِ الْغَازِ الْمَنْزِلِيِّ.

– اللَّعِينُ!…عِندَمَا رَجَوْتُهُ أَنْ يَفْعَلَ، طَالَبَنِي بِالتَّرْفِيعِ فِي أُجْرَةِ الْكِرَاء!…سَفَلَةٌ…جَشِعُون…

ضغَطَ بِكِلْتَا يَدِيهِ عَلَى عَجَلَتيّ الْكُرْسِيِّ الْمُتَحَرِّكِ وَهُوَ يُرَاقِبُهَا تَتَجَاوَزُ الْبَابَ الْحَديدِيّ دَافِعَةُ الْأُنْبوبَةَ أَمَامَهَا. عنْدَمَا كَانَ مُنْتَصِبًا كَنَخْلَةٍ، كَانَ يَحْمِلَهَا بَيَدٍ وَاحِدَةٍ كَقَارُورَةِ مَشْرُوبَاتٍ غَازِيَةٍ…يَجُوِبُ بِهَا اُلْحَيّ بَحْثًا عَنِ الْغَازِ النَّادِرِ أيَّامَ الشِّتَاء الْبَارِدَة.

مَنْ قَالَ أَنَّكَ نَخْلَةٌ؟ لَمْ يَكُنْ ” إبراهيم الدرغوثي ” يَقْصِدُكَ…فَهَا أَنْتَ تَمُوتُ ” كَمَا تَمُوتُ الْعِيرُ ” كومةً مِنَ اللّحْمِ الْفَاسِدِ يَحْتَوِيهَا صَقِيعُ الْمَعْدِنِ.

– زَوْجُكِ لَنْ يَعُودَ بِاِسْتِطاعَتِهِ المشيُ يا سَيِّدَتِي…إِنَّهُ شَلَلٌ كَامِلٌ لِأَطْرافِهِ السُّفْلِيَّةِ…الْإصابَاتُ كَانَتْ بَليغَةً…أَنَا آسِفٌ.

بَدَا مَمَرُّ الْحالَاتِ الطَّارِئَةِ طَوِيلًا…ضَجِيجُ أهَالِي الْمُصَابِينَ فِي الْحادِثِ غَطَّى عَلَى صَرْخَتِهَا الْمَكْتُومَةِ…لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُخْبِرَ أُمَّهُ الْعَجُوز بِمَا قَالَهُ الطَّبِيبُ لَكِنَّهَا فَهِمَتِ الْأَمْرَ وَلَاذَتْ بِصَمْتِ الصَّدْمَةِ إِلَى أَنْ رَحَلْتْ بَعْدَ شَهْرِ وَنَصْف أيَّامًا بَعْدَ أَنْ رَأَتْهُ عَلَى حِصَانِهِ الْمَعْدِنِيِّ…أَمَّا اِبْنَهُمَا ذُو الْأَرْبَعِ سَنواتٌ فَقَدْ وَجَدَ الْأَمْرَ مُمْتِعًا بَعْدَ ذَلِك.

– بَا…بَا…نَرْكَبْ…نَرْكَبْ…هَيَّا نَلْعَبْ…

فِي أَوَّلِ يَوْمٍ لَهُ فِي الْحَضَانَةِ، وَعنْدَمَا سَأَلَتْهُ الْمُرَبِّيَةُ عَنْ عَمَلِ وَالِدِهِ، أَجَابَهَا بِأَنَّهُ سَائِقٌ…سَائِقُ كُرْسِيٍّ بِعَجَلَتَيْنِ كَبِيرَتَيْن!

إِنَّهُ نَائِمٌ الْآنَ…لَقَدْ بَلَغَ السَّادِسةَ…مَرَّ عَامَانِ إِذَنْ وَأَنْتَ فِي هَذَا الْمُكَعَّبِ الضَّيِّقِ كَخَنْدَقِ الْجُنُودِ الْمُحَاصَرِينَ فِي الْحَرْبِ.

كَانَتْ الزِّيارَاتُ كَثِيرَةً فِي الْأيَّامِ الْأولَى الَّتِي تَلَتْ خُرُوجَهُ مِنَ الْمُسْتَشْفى…أَقَارِبُ وَأصدقاءُ وَرفاقٌ مِنَ الْحِزْبِ…تَنَاقَصَت أَعْدَادُهُمْ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ تَلَاشَوْا تَمامًا…بَرَّرَ ذَلِكً بِمَشَاغِلِ الْحَيَاةِ…ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الْكُتُبِ والفايسبوك…تَخَلَّى أَخِيرًا عَنْ هَاتِفِهِ وَاسْتَبْقَى بعضَ الْكُتُبِ…كَافَكَا جَيِّد … يَبْدُو مُنَاسِبًا لِهَذَا الْوَضْعِ … لَكِنَّهُ فِي النِّهَايَةِ هَرَبَ مِنْهُ خَوْفًا…كَخَوْفِهِ مِنْ كِتَابَةِ أَيِّ شَيْءٍ…لَجَأَ إِلَى هيمنغواي…هَذَا أفْضَلُ … سَيُسَاعِدُهُ عَلَى التّأَقْلُمِ.

أَشَدُّ مَا كَانَ يُزْعِجُهُ هُوَ قَضَاءُ حاجَتِهِ الْبَشَرِيَّةِ…لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يُسْرِفُ فِي الْأَكْلِ أَبَدًا، كَمَا أَنَّهُ تَعَوّدَ عَلَى الصُّعُودِ إِلَى فِرَاشِهِ بِمُفْرَدِهِ…أَضَافَ وِسَادَةً تَحْتَهُ لِيَبْلُغَ مَغْسِلَ الْمَطْبَخِ وَيُسَاعِدَ ” زَيْنَب ” فِي غَسْلِ الصُّحُونِ أيْضًا…أَحْيانًا، كَانَ يَجِدُ الْقُدْرَةَ عَلَى تَنْظِيفِ الْأَرْضِيَّةِ وَإِعْدادِ أُكْلَةٍ خَفِيفَةٍ.

“زَيْنَبُ”…اِمْرَأَةٌ تَجُودُ بِهَا قِصصُ الْحُبِّ الْمَلْحَمِيَّةِ…قَوِيَّةٌ كَالْأيَائِلِ الْبَرِّيَّةِ…تَحْمِلُ رَأْسًا مِنَ الصَّخْرِ وَقَلْبَ الْأُمِّ” تِيرِيزا”.

– أَيّتُهَا الْغَبِيَّةُ…كُفِّي عَنِ الْعِنَادِ…اِرْحَلِي…اُتْرُكِينِي…لَمْ أَعُدْ أَصْلَحُ لِشَيْء…مَازِلْتِ شَابَّة…مَاذَا تَفْعَلِينَ بِنِصْفِ رَجُلٍ؟

– اُصْمُتْ … أَنْتَ رَجُلٌ كَامِلٌ الْآنَ لِأَنَّكَ كُنْتَ رَجُلًا وَنِصْف…

وَتَضْحَكُ.

تَضْحَكُ…كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ فِي خِطَابَاتِهَا الْحَماسِيَّةِ فَوْقَ “صَخْرَةِ سُقْراط”…سَاخِرَةً مِنْ أَعْوَانِ الْبُولِيسِ السِّياسِيِّ المُتَخَفِّينَ بَيْنَ آلاَفِ الطَّلبَةِ المُشْرَئِبّةِ أَعْنَاقُهُمْ إِلَيْها…هُنَاكَ رَآها لِأُوَّلِ مَرَّة…تِلْكَ الطِّفْلَةُ الرِّيفِيَّةُ الْمُتَمَرِّدَةُ عَلَى بُورْجُوازِيِّيِ الْحِزْبِ الْحاكِمِ…لَمْ يَكُنْ بَارِعًا فِي إِلْقَاءِ الْخُطَبِ لَكِنَّهُ كَانَ يَتَمَتَّعُ بِثِقَةِ زُعَمَاءِ الْحِزْبِ فِي مَجَالِ التَّعْبِئَةِ وَإِدَارَةِ الْعَمَلِ السِّرِّيِّ…بعد إلقاء قوات الأمن القبض عليها، كَانَتْ لِعَلاقَاتِهِ دَوْرٌ فِي الضَّغْطِ مِنْ أَجْلِ إِطْلاقِ سَرَاحِهَا.

– هَلْ سَتَدْعَمِينَ مَطَالِبِي بِالتَّعَدُّدِيَّةِ الْآنَ؟ أَنْتِ ضِدَّ هَيْمَنَةِ الْحِزْبِ الْوَاحِدِ عَلَى مَا أَظُنُّ!

– سَأَقْتُلُكَ إِنْ فَكَّرْتَ بِذَلِكَ…أَيُّهَا الرَّفيق.

تَرُدُّ عَلَى دُعَابَتِهِ بِغَضَبِ لَبُؤةٍ مُتَوَثِّبَةٍ وَهْيَ تَأْخُذُ بِيَاقَةِ قَمِيصِهِ فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مُسْتَسْلِمًا.

– حَسَنًا…حَسَنًا…فَلْنُمْضِ عَقْدَ الزَّواجِ وَلْتَذْهَبْ الدِّيمُقْراطِيَّةُ إِلَى الْجَحِيمِ!

لَكِنَّ أَبْوَابَ الْجَحِيمِ لَمْ تُفْتَحْ عَلَى الدِّيمُقْراطِيَّةِ وَحْدَهَا…فُتِحَتْ عَلَى كُلِّ رُكّابِ الْحافِلَةِ الْعُمُومِيَّةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَقِلُّهَا إِلَى الْعَمَلِ…فِي ذَلِك الصَّبَاحِ الخريفيِّ المُشْبَعِ بِالغُبارِ…السَّائِقُ الْمُتَثَائِبُ لَمْ يَنْتَبِهْ لِتِلْكَ الْحُفْرَةِ الَّتِي تَرَكَهَا عُمَّالُ شَرِكَةِ الْمِيَاهِ بَعْدَ أَشْغالِ إِصْلاحِ الْأَنابِيبِ…اهْتَزَّتْ الْعَرَبَةُ الْمُتَهالِكَةُ بِكُلِّ ثِقَلِهَا وَثِقَلِ مَنْ تَحْمِلُهُمْ ثُمَّ اِنْحَرَفَتْ بِقَسْوَةٍ وَاسْتَسْلَمَتْ لِلْمُنْحَدَرِ الْحَجَرِيِّ الْمُحَاذِي لِلطَّرِيقِ.

– بَا…لِماذَا أَنْتَ دَائِمُ الْبَقاءِ في الْمَنْزِلِ؟ لِماذا لَا تَذْهَبُ إِلَى الْمَدْرَسَةِ؟

وَلَا إِلَى الْمَقْهَى…مُنْذُ اِنْتِهاءِ حِصَصِ التَّدْلِيكِ، عَدِيمَةِ الْفَائِدَةِ، الَّتِي تَلَتْ خُرُوجَهُ مِنَ الْمُسْتَشْفى، لَمْ يُغَادِرْ هَذِهِ الْجُدْرَانَ إلّا نَادِرًا…الْمَرَّةُ الوَحِيدَةُ كَانَتْ عِنْدَمَا تَبِعَ جَنَازَةِ أُمِّهِ. كَانَ أَخُوهُ الْأكْبَرُ هُوَ مَنْ يَدْفَعُ بِهِ الْكُرْسِيَّ بَيْنَ الْقُبُورِ…كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى “زَيْنَب” فِي تِلْك اللَّحَظَاتِ الْعَصِيبَةِ…لَكنَّ النِّساءَ لَا يَتْبَعْنَ الْجَنَائِزَ وَلَا يَحْضَرْنَ مَرَاسِمَ الدَّفْنِ…كَانَتْ تُحِبُّ أُمَّهُ كَثِيرًا…وَعَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ مُعْتَادٌ، كَانَتَا صَدِيقَتَيْنِ…لَكِنَّ “زَيْنَب” جَمِيلَةٌ جِدًّا…وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَوْتَى ذُكورٌ…ذُكورٌ يَخْشَى الْأَحْيَاءُ عَلَيْهُمْ مِنَ الْفِتْنَةِ! وَهُوَ يَتَطَلّعُ إِلَى شوَاهِدِ الْقُبُورِ وَأَسْماءِ الْقَابِعِينَ فِي جَوْفِهَا، لَمْ يَفْهَمْ لِماذا لَا يَفْتَتِنُ الْمَوْتَى مِنَ الرِّجَالِ بالمَيِّتَاتِ مِنَ النِّساءِ!  سَيَكونُ هَذَا عَمَلِيَّا أَكْثَرَ! رُبَّمَا هُوَ التَّعَلُّقُ بِذِكْرَى الْحَيَاةِ…مَنْ يَدْرِي.

أَخْرَجُوا أُمَّهُ مِنَ التّابُوتِ الْخَشَبِيِّ وَأَنْزَلُوهَا فِي الْقَبْرِ…تَكَفَّلَ أحَدُ الْبَنَّائِينَ بِوَضْعِ اللَّحْدِ وَسَدِّ شُقُوقِهِ بِالطِّينِ الْمُبْتَلِّ…تَدَاوَلَ الْحاضِرُونَ عَلَى الْمِجْرَفَتَيْنِ الْوَحِيدَتَيْنِ يُلْقُونَ التُّرَابَ فَوْقَهُ…وَضَعُوا حَجَرًا عِنْدَ الرَّأْسِ بديلاً وَقْتِيٍّا لِلشَّاهِدَةِ قَبْلَ بِنَاءِ الْقَبْرِ فِيمَا بَعْدُ…تَقَدَّمَ رَجُلٌ مُسِنٌّ يَبْدُو أَنَّهُ مُقْرِئُ الْمَقْبَرَةِ لِتِلاوَةِ بَعْضِ الآيَاتِ وَالْأدْعِيَةِ الَّتِي اِنْتَهَى مِنْهَا سَرِيعًا، فَقَدْ كَانَتْ هُنَالِكَ مَرَاسِمُ دَفْنٍ أُخْرَى يُرِيدُ أَنْ يَلْحَقَ بِهَا.

اِنْفضَّ الْجَمْعُ لِتَقْديمِ التَّعَازِي إِلَى أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ الَّذِينَ وَقَفُوا فِي صَفٍّ قَرِيبًا مِنْ بَابِ الْخُرُوجِ…عِنْدَمَا هَمَّ أَخُوهُ بِمُسَاعَدَتِهِ عَلَى الْاِلْتِحَاقِ بِهِمْ رَجَاهُ أَنْ يَتْرُكَهُ قَلِيلًا مَعَ أُمِّهِ…تَرَكَهُ وَذَهَبَ.

تَنَاوَلَ حَفْنَةً مِنْ التُّرَابِ وَأُلْقَاهَا عَلَى الْقَبْرِ فَارْتَدَّتْ إِلَيْهِ غُبارًا حَمَلَتْهُ الرِّيحُ إِلَى عَيْنَيْهِ الْعَامِرَتَيْنِ بِالدُّموعِ…وَدَاعًا يَا أُمِّي…كَانَ هَذَا الْحُزْنُ أَشَدَّ مِنْ كُلِّ الْأحْزَانِ الَّتِي كَابَدْتِهَا…أَتَمُوتِينَ مِنْ أَجْلِ هَاتَيْنِ السَّاقَيْنِ الْمَيِّتَتَيْنِ؟ هَلْ وَجَدْتِ الله؟ إِنْ وَجَدْتِهِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ تَرَكْتِ “جِهَاد” وَحِيدًا فِي دُنْياَهُ…أَخْبِرِيهِ أَنَّ دُنْياَهُ قَاسِيَةٌ وَأَنَّهُ مَا مِنْ سَبَبٍ لِيَسْتَمِرَّ كُلُّ هَذَا…أَعْلِمِيهِ أَنَّ اِبْنَكِ يَخَافُ الْوِحْدَةَ كَمَا يَخْشَى الظُلْمَةَ … وَأَنَّهُ وَلَدٌ طَيِّبٌ يُحِبُّ أَحْبابَهُ الْفقراءَ…إِنْ لَمْ تَجِدِيهِ يا أُمِّي…فَعُودِي.

انْفَجَرَ باكِيًا كَطِفْلٍ…كَمَا لَمْ يَبْكِ مِنْ قَبْلُ.

– إِذَنْ فَأَنْتَ مَنْ يَقُومُ بِتَوْزِيعِ الْمَنَاشِيرِ وَالْكِتَابَةِ عَلَى الْجُدْرَانِ؟…أَنْتَ ضِدَّ النِّظَامِ؟…تَسْخَرُ مِنَ الرَّئِيسِ يا اِبْنَ الْعَاهِرَةِ؟ حَسَنًا سَنَجْعَلُكَ تَبْكِي دَمًا.

وَلَمْ يُفْلِحُوا فِي إِنْزالِ دَمْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عَيْنَيْهِ…كَانَتْ هِرَاوَاتُ الْأَعْوَانِ تَتَدَاوَلُ عَلَى ظَهْرِهِ وَرَأْسِهِ وَأَطْرافِهِ دُونَ رَحْمَةٍ وَكَانَ يَدْفَعُهَا بِالشَّتَائِمِ…إِلَى أَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَأَلْقُوهُ كَكَلْبٍ مَيِّتٍ فِي سِجْنِ الإيقافِ.

– “جِهَادٌ”…أَمُّكَ رَحَلَتْ…لِتَطْلُبْ لِرُوحِهَا السّلامَ…عَلَيكَ الْخُرُوجُ مِنْ هَذَا الْاِكْتِئَابِ وَالْاِعْتِناءِ بِعَائِلَتِكَ … اِبْنُكَ مَازَالَ صَغِيرًا…نَحْنُ أيْضًا مازِلْنا فِي حاجَةٍ إِلَيْكَ أَنْتَ و”زَيْنَب” فِي الْحِزْبِ…هُنَالِكَ اِنْتِخابَاتٌ قَادِمَةٌ …هَلْ تَفْهَمُ؟ سَنَتَّصِلُ بِكَ قَرِيبًا.

اِتَّصَلَ بِهِ أحَدُ الرِّفاقِ الْقُدامى لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُمْ اِنْتَهَوْا مِنْ إِعْدادِ الْقوائمِ الْاِنْتِخابِيَّةِ وَأَنَّ الْمَرْحَلَةَ تَقْتَضِي التَّقَدُّمَ بِوُجُوهٍ جَدِيدَةٍ.

اِسْتَدَارَ بِالْكُرْسِيِّ بِحَرَكَةٍ بَطِيئةٍ وَكَأَنَّهُ يَحْمِلُ أثْقَالًا…وَرَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكْتَسِبْ شَيْئَا مِنْ جِلْسَتِهِ طِوَالَ هَذِه الْمُدَّة، فَإِنَّ تَطَوُّرَ حَجْمِ عَضَلَاتِ الْيَدَيْنِ وَقُوَّتِهِمَا يَبْدُو أَمْرًا لاَفِتًا…لَكِنَّ عَضَلَاتِ السَّاقَيْنِ ضَمُرَتْ…كَمَا نَمَا الشَّعْرُ فِيهِمَا بِغَزَارَةٍ…كَكُلِّ الْأَرَاضِي الْبُورِ، تُغَطِّيهَا الْأَعْشَابُ الطُّفَيْلِيَّةُ الَّتِي لَا نَفْعَ لَهَا…لَا يَعْلَمُ لِماذا لَمْ يَقْتَرِحْ عَلَيهِ الْجَرَّاحُ التَّخَلُّصَ مِنْهُمَا بِبَتْرِهِمَا…سَيَكُونُ مِنَ السَّهْلِ عِنْدَهَا التَّفْكِيرُ فِي أَطْرافٍ صِنَاعِيَّةٍ يَسْهُلُ اِسْتِعْمالُهَا…سَيُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ…هَلْ يَقْبَلُونَ؟ لَا يَهُمّ…سَيَتَكَفَّلُ بِالْأَمْرِ وَحْدَهُ إِن اِضْطُرَّ لِذَلِكَ…كَيْف؟ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ طَرِيقَةٍ مَا…”زَيْنَب”؟ مُسْتَحِيلٌ! لَنْ تُوافِقَ.

هيمنغواي كَانَ مُحِقَّا…عَلَيكَ أَنْ تَمُوتَ قَبْلَ أَنْ تُجَنَّ…لَا عَلاقَةَ لِلْأَمْرِ بِالْوِرَاثَةِ.

عِنْدَمَا وصلَ إلى نِهَايَةِ الْمَمَرِّ الْمُؤَدِّي إِلَى غُرْفَتِهِ، سَمِعَ ضَجَّةً فِي الشَّارِعِ أَمَامَ مَنْزِلِهِ…مَيَّزَ صَوْتَ        ” زينب “…إِنَّهَا تَتَشَاجَرُ…أَسْرَعَ بِتَحْوِيلِ وِجْهَةِ الْكُرْسِيِّ وَانْطَلَقَ حَتَّى وَجَدَ نَفْسَهُ يَفْتَحُ بِعَصَبِيَّةٍ الْبَابَ الْحَديدِيّ الْخَارِجِيّ.

– مَا بِكَ؟ مَاذَا يَحْدُثُ؟

– اِبْنُ الْكَلْبِ…سَائِقُ شَاحِنَةِ أَنابِيبِ الْغَازِ ..

– مَا بِهِ؟ لَمْ يُبْدِلْ لَكِ الْأُنْبوبَةَ؟

عِنْدَمَا كَانَ يَسْأَلُهَا، كَانَ سَائِقُ الشَّاحِنَةِ الرَّمادِيَّةِ الْمُحَمَّلَةِ بِالْأَنابِيبِ الزَّرْقاءِ قَدْ انْطَلَقَ مُسْرِعًا لِيَنْحَرِفَ إِلَى شَارِع آخِر.

– تَكَلُّمِي…هَلْ ضَايَقَكِ؟

طَأْطَأْتْ رَأْسَهَا مُتَظَاهِرَةً بِدَفْعِ الْأُنْبوبَةِ الْفَارِغَةِ إِلَى دَاخِلِ الْمَنْزِلِ.

– لَا…لَا…هُوَ فَقَطْ رَفَضَ التَّوَقُّفَ بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَنْ يُوَزِّعَ فِي الْحَيِّ.

هُوَ يَعْرِفُ قَسَمَاتِ وَجْهِهَا عِنْدَمَا تَكْذِبُ…أَخْبَرَهَا مَرَّةً أَنَّهَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكَونَ سِياسِيَّةً نَاجِحَةً فَهِي لَا تُحْسِنُ إِخْفَاءَ كَذِبِهَا…لِماذا تُخْفِي عَنْهُ الْحَقِيقَةَ؟ لَقَدْ تَحَرَّشَ بِهَا السَّائِقُ…بِمَاذَا نَعَتَهَا؟ لَكِنْ لِماذا تُخْبِرُهُ أَصْلًا؟ مِنَ الْأفْضَلِ أَنْ تُشْفِقَ عَلَيْهِ…مَنْ يَرْجُو مِنْ رَجُلٍ عَاجِزٍ مِثْلَهُ أَنْ يَنْصُرَهُ؟

اِنْهَمَكَتْ فِي إدْخَالِ الْأُنْبوبَةِ بَيْنَما تَقَدَّمَ هُوَ لِيَنْظُرَ إِلَى الشَّارِعِ الْمُمْتَدِّ مِنَ الجِهَتَيْنِ…أَتَاهُ صَوْتُهَا مِنَ الْمَطْبَخِ – لِيَحْتَفِظُوا بِغَازِهِمْ…سَأَشْتَرِي بَعْضَ الْفَحْمِ…هَهْ مَا رَأْيُكَ؟ سَنَطْبُخُ الْيَوْمَ عَلَى “الْكَانُون” كَمَا كَانَتْ جَدْتِي تَفْعَلُ…

لَمْ يُجِبْهَا…أَخْرَجَ سِيجارَةً مِنْ عُلْبَتِهِ وَأُشْعَلَهَا بِصُعُوبَةٍ بِسَبَبِ تَيَّارِ الْهَوَاءِ الْقَوِيِّ…أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا نَفَثَهُ فِي وَجْهِ الرّيحِ…فَأَخَذَتْهُ بِدَوْرِهَا إِلَى الْعَدَمِ…الرّيحُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ مَعَهَا. بَدَا الشَّارِعُ خَالِيًا مِنْ كُلِّ حَرَكَةٍ غَيْرَ تَمايُلِ أَغْصَانِ َأَشْجَارِ الزِّينَةِ…رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ الْمُلَبَّدَةِ بِغُيُومِ الشِّتَاءِ…سَتُمْطِر.

بَدَتْ لَهُ السَّمَاءُ أَبْعَدَ مُنْذُ اِتَّخَذَ جِلْسَتَهُ الْأبَدِيَّةَ عَلَى هَذَا الْكُرْسِيِّ…لَكِنَّهُ أَصْبَحَ أقْرَبَ إِلَى الْأرْضِ…مُنْتَبِهًا أَكْثَرَ لِلنَّمْلِ وَالدّيدانِ وَالْخَنَافِس…تَسْعَى فِي حَرَكَتِهَا الْغَرِيزِيَّةِ الدَّائِمَةِ لِلْبَقاءِ .

عَلى سُورِ المَنْزِلِ، كانت السِّحْليَّة الّتي نَجَتْ للتَّوِّ مِنْ مِخْلَبِ القِطِّ الوَحِيدِ المُسْتَيقِظِ في هَذَا الطَّقْسِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَجِدَ شِقًّا تدخلُ فِيهِ وَقَدْ خَلَّفَتْ وَرَاءَهَا ذَيْلهَا المَبْتُور.

سَحَبَ آخِرَ نَفَسٍ مِنَ السِّيجَارَةِ وَأَلْقَى عَقْبَهَا المُشْتَعِلِ فَوَقَعَ بِالقُرْبِ مِنْ جُنْدُبٍ قَفَزَ مُرْتَعِبًا لِيَقَعَ بَيْنَ فَخْذَيْهِ.

لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يَتَحَرَّكَ أَكْثَرَ حَتَّى لَا يَزِيدَ مِنْ تَعْقِيدِ الْأُمُورِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَشَرَةِ الصَّغِيرَةِ.

بِبُطْءٍ، قَرَّبَ رَاحَةَ يَدِهِ مِنَ الْكَائِنِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ بَأسًا مِنَ الصُّعُودِ فَوْقَهَا…رَفَعَ يَدَهُ قَلِيلًا إِلَى مُسْتَوى صَدْرِهِ…وَأَخَذَ يَتَأَمَّلُهُ…كَانَ الْجُنْدُبُ فَاقِدًا لِإحْدَى قَوَائِمِهِ كَعَادَةِ كُلِّ الْجَنَادِبِ فِي أَوَّلِ حادِثٍ تَتَعَرَّضُ لَهُ…شَعُرَ بِأَنَّهُ فِي حالَةِ اِرْتِيابٍ مِنْ هَذَا الْوَضْعِ…فَابْتَسَمَ ليُخَفِّفَ عَنْهُ…هَلْ يَشْعُرُ بِالْألَمِ أَمْ بِالْخَوْفِ؟ مَا الْفَرْقُ؟

رَفَعَ يَدَهُ أَكْثَرَ حَتَّى بَلَغَتْ غُصْنًا مُتَدَلِّيًا لِلشَّجَرَةِ الْأقْرَبِ إِلَيهِ…قَفَزَ الْجُنْدُبُ وَتَعَلّقَ بِأحدِ الْعِيدَانِ ثُمَّ اِخْتَفَى بَيْنَ الْأَوْرَاقِ…كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمِرَّ…حَيَّا…لِيَشْهَدَ العاَصِفَةَ، وَكانَ عَليْهِ أَنْ يُوَاجِهَ الرّيحَ وَالْغُبَارَ…دُونَ ذَيْلٍ أَوْ دُونَ قَوائمَ…سِحْلِيَّةٌ أَوْ جُنْدُبًا…أَوْ…إِنْسانًا .

 نوفمبر 2019

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This