خطاب نوبل الآداب: تملُّص هاندكه وتشاؤُم توكارتشوك / نجيب مبارك

شهد يوم السبت الماضي في العاصمة السويدية ستوكهولم إلقاء خطابين من طرف الفائزين بجائزة نوبل للآداب لعامي 2018 و2019، النمساوي بيتر هاندكه، والبولندية أولغا توكارتشوك. وقد ألقى الفائزان أمام الأكاديمية السويدية خطابين مختلفين تماماً من حيث الأفكار والمضامين، فالأوّل جاء خطاباً حميميّاً ومليئاً بالذكريات، والثاني كان أكثر انشغالاً بالعالم وهمومه، بينما ظلّت النقطة المشتركة الوحيدة في الخطابين هي الإشارة إلى الأمّ باعتبارها مصدر إلهام.

خطاب بيتر هاندكه
ما إن أُعلن عن اسم الفائز بجائزة نوبل الآداب، بيتر هاندكه، في أكتوبر الماضي، حتى تعالت كثير من الأصوات منتقدة ومنددة بقرار منحه هذه الجائزة، والسبب حسب منتقديه هو مواقفه المنحازة في حرب البلقان، وتأييده الواضح والقويّ للزعماء الصرب، وأيضاً نفيه أن تكون مذبحة 8000 مسلم بوسنيّ فى بلدة سريبرينيتسا إبادة جماعية. لهذا، قاطع ممثلو سبع دول حفل توزيع الجوائز، يوم الثلاثاء الماضي، احتجاجاً على الجائزة، كما قاطعه أيضاً أحد أعضاء الأكاديمية السويدية الذين اختاروا اسم الفائز، بينما استقال عضو آخر في لجنة الترشيحات من منصبه. والدول التي قاطعت حفل توزيع الجوائز هي: ألبانيا، والبوسنة، وكوسوفو، وكرواتيا، ومقدونيا الشمالية، وتركيا، وأفغانستان، بل وصل الأمر إلى إعلان قادة بعض البلدان إلى شجب الجائزة، مثل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس كوسوفو، هاشم تقى، الذي قال: “إن العدالة ستسود، لا الأكاذيب والحرمان وتزوير جوائز نوبل”، حسب ما نشرته شبكة “سكاى نيوز”.
في السادس من هذا الشهر، أي عشيّة إلقاء خطاب نوبل، قال بيتر هاندكه في ندوة صحافية: “أنا أحب الأدب، وليس الآراء”، في محاولة لوضع حدّ للجدل، أمّا في نصّ الخطاب الذي ألقاه أمام الأكاديمية السويدية، فقد تفادى نهائيّاً الردّ على هذه الانتقادات، واختار أن يركّز على مكانة الذّكريات في أعماله الأدبيّة، خصوصاً تلك “الأحداث الفريدة” الّتي وقعت لأسرته وجيرانهم، من خلال حكايات والدته عنها. وهذه الأحداث مثّلت “قوّة دافعة” بالنسبة لمستقبل الكاتب النمساوي (كيرنتن، 1942)، الّذي بدأ مسيرته الأدبية عام 1966 مع مسرحية “إهانة الجمهور”. لكنها قوّة دافعة احتاجت في البداية إلى “نبضات” قادمة من عالم الفنّ، ومن أفلام جون فورد وأغاني ليونارد كوهين، وغيرهم من الفنانين الّذين “منحتني أعمالهم الفنّية الأشكال الأساسية، والإيقاعات، أو بعبارة أكثر تواضعاً، أوّل الذبذبات والدوافع الّتي سمحت لهذا الزّخم الداخلي بالعثور على طريقة للتعبير”، كما احتاجت أيضاً، خصوصاً أثناء الطفولة، إلى الشعائر الدينية السلوفينية – السلافية الّتي كان يسمعها تحت الأقواس الرومانية في كنيسة “ستارا فاس” (القرية العائلية الّتي حدّثته عنها والدته كثيراً)، حيث تلا مقطعاً صغيراً منها، قبل أن يختم خطابه بقصيدة للشاعر السويدي توماس ترانسترومر، الفائز بنوبل الآداب عام 2011.
استشهد هاندكه كثيراً في خطابه بمقاطع عن مسرحيته “عبر القرى”، الصادرة عام 1981 (والتي يصفها بـ”القصيدة الدرامية”)، من خلال صوت الأمّ العجوز التي تقدّم نصائح عن الحياة لابنها العائد إلى القرية، وهذه المسرحية مستوحاة إلى حدّ كبير من بعض حكايات من صميم حياة والدته، وما كشفته له من تداعيات أحداث كثيرة على القرى الصغيرة. كما تضمّن خطابه بعضاً من الجمل والأفكار المعروفة بالنسبة لقرّائه، إذ يسهل التعرّف عليها من خلال إنتاجه الأدبي وسيرته الذاتية، مثل: “السلام والهدوء لا يدومان”؛ و”الطبيعة هي الوعد الوحيد الّذي يمكن الوثوق به، ومع ذلك، لا يمكن اللّجوء إليها أو الهروب منها”؛ و”ألم تترك الحرب خلفك؟ حسناً، عزِّز الحاضر السلميّ، وأظهِر سكينة الناجين”؛ و”لا تُظهر لأحفادك صورةَ الشيطان”؛ و”حافظ على مسافة بينك وبين السلطة التي تقدّم نفسها باعتبارها سلطة؛ و”يجب أن يطمح فنُّنا إلى الصراخ في وجه السماء!”؛ و”ما تلقاه من ضحكٍ وازدراء يأتي من الجهل: إنّها حشرجة جثث النفوس”…
خطاب أولغا توكارتشوك
في الخطاب الثاني، الذي ألقته الفائزة البولندية، أولغا توكارتشوك (سولتشوف، 1962)، تتذكّر هذه الكاتبة والدتها أيضاً، تلك التي افتقدتها حتّى من قبل أن تولد، لأنّها منحتها “شيئاً كان يُعرف سابقاً باسم الروح، منحتها ملكةَ الراوي الأكثر حساسية في العالم”، ما دام كاتب الخيال “لا يخترعه اختراعاً خالصاً أبداً، وإنّما يشعر بكلّ شيء في داخله، وهذه هي الفائدة العظمى لـ”فنّ التجسيد”، وتقاسم المشاعر”. ثمّ تساءلت عن الأدب ومستقبل الأدب، وعن عالمنا المتحوّل بسرعة، الّذي لا نملك قصصاً ترويه. لكنّها بدت مقتنعة بأنّه “سيظهر قريباً عبقريّ ما قادر على ابتكار سرد مختلف تماماً، لا يمكن تخيّله حتى الآن، وهو الذي سوف يغيُّرنا جميعاً”. أمّا العالم الذي نعيش فيه، فهو يواجه “حالة طوارئ مناخية”، و”أزمة سياسية”، نحاول أن نعثر لها عن مخرج. وقالت إنّ هذا الوضع “ليس فقط نتيجة لتحوّل في المصير، ولكن نتيجة بعض الإجراءات والقرارات، الاقتصادية والاجتماعية تحديداً، والمتعلّقة بالنّظرة العالمية (بما فيها الدّينية). وهكذا، فإنّ الجشع وعدم احترام الطبيعة، أو التنافس الّذي لا نهاية له “قد حوّل العالم إلى كائن يتمّ تقطيعه واستخدامه وتدميره. ولهذا السبب، أعتقد أنّه يجب عليّ سرد القصص كما لو كان العالم كياناً حيّاً فريداً، ينمو باستمرار أمام أعيننا، وكأنّنا جزء صغير منه، وفي الوقت نفسه، نحن هم الجزء القويّ”.
وأشارت الكاتبة، والناشطة السياسية والبيئية أيضاً، إلى أنّنا نعيش في عالم “تكثر فيه التناقضات، حيث تتقاتل الوقائع المتباينة مع بعضها البعض بالأظافر والأسنان. ونعيش في مجتمع كان بإمكانه، بفضل انتشار الإنترنت، تحقيقَ حلمِ المُربِّين في القرن السابع عشر، المتمثّل في أن إتاحة المعلومات للجميع. فمن شأن ذلك أن يخلق لنا بشراً أفضل. لكن للأسف، بحسب قولها “هذا الحلم صار واقعاً مخيّباً للآمال في كثير من الأحيان”، حتى أنّ فائض المعلومات “الّتي لا يمكننا تحمُّلها” تتناسب تماماً وقولة شكسبير الشهيرة: “يصير الإنترنت أكثر فأكثر مثل حكاية يرويها أحمق، مليئة بالضجيج والغضب”، لأنّه يخضع بالكامل، ومن دون تفكير لعمليات السوق، حيث يسمح الكمّ الهائل من البيانات مسبقاً ببرمجة سلوك المستخدِم، مثلما وقع في فضيحة كامبريدج المعروفة”.
عموماً، اختارت أولغا توكارتشوك أن تقدّم رؤية متشائمة لعالمٍ “يحتضر”، ضائعٍ في سراب التّخييل الذاتي، ولم تخفِ أسفها من أنّ الجميع صاروا مهووسين بالتّرويج لذواتهم والنّظر إلى العالم، كأنّه أجزاء مفصولة عن بعضها البعض، أو بؤر صغيرة تضمّ الكثير من المجرّات المتباعدة في ما بينها: “العالم يحتضر ونحن غير قادرين على ملاحظة ذلك، لأنّنا مهووسون بإخراج مسرحيتنا الخاصّة”. وبحسب رأيها، من المهمّ أن نخلق نوعاً جديداً من السرد: “هل يمكن أن نبتكر قصّة تتجاوز هذا السجن الفاقد للتواصل، الّذي هو الذات، وتكشف عن حقيقة أكثر تنوّعاً وتُظهر الصلات المتبادَلة؟”، معبرةً عن اقتناعها بأننا في حاجة إلى إعادة تعريف أنفسنا، قبل أن تختتم خطابها بالأمل: “سيكون من الأفضل سرد القصص بأمانة (…) وبطريقةٍ تعزّز قدرة القارئ على توحيدِ الأجزاء في مشروعٍ مشترك”.

عن ضفة ثالثة

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This