الدّورات التاريخيّة: هل نحن محكومون بتكرار الماضي؟

ستيفان فيرستابين

” أولئك الّذين يفشلون في التّعلم من الماضي، محكوم عليهم بتكراره “- جورج سانتايانا –

 

قليل من النّاس لم يسمعوا الاقتباس أعلاه، ولكن هل سبب إعادة التّاريخ لنفسه أنّنا فشلنا في التّعلم منه، أم لأنّ التّاريخ يتبع نمطًا غير قابل للكسر، ومحكوم علينا أن نكرّره؟ الإجابة حاسمة منذ أشارت جميع الدّلائل أنّنا نوشك على تكرار النّمط الكلاسيكي للانهيارات الاجتماعيّة. هذا يفسّر لماذا تستعد حكومتك للأسوأ .

نظريّة تكرار التاّريخ قديمة قدم التّاريخ نفسه. ويرجع تاريخ أوّل نصّ مكتوب إلى 3500 سنة إلى الكتابات الهندوسيّة المعروفة باسم الفيدا. منذ ذلك الحين  فإنّ العديد من الّذين درسوا التّاريخ ، منذ المؤرّخ اليوناني “بوليبوس”، إلى والد التّاريخ الحديث “أرنولد توينبي”، صاغوا نظريّة الدّورات التاريخيّة. وأوضح مثال على أنماط التّكرار يمكن رؤيته في دورة الأسرة الصينيّة. فتاريخ الصّين المستمرّ منذ ثلاثة آلاف عام دون انقطاع يظهر تكرارًا لصعود وسقوط السّلالات. يقسّم المؤرخون هذه الدّورة إلى أربعة أجزاء: تأسيس السّلالة، الازدهار، التّراجع ، وفترة الفوضى بين السّلالات .

هذا النّمط من المراحل الأربع شائع في معظم نظريات الدّورات التاريخيّة بدءا من الشّاعر الروماني أوفيد، إلى الفيلسوف الهندوسي “بي. جي ساركار” وحتّى النظريّة الجيليّة حديثا عند “شتراوس هاو”. وعلى الرّغم من أنّ عناوين المراحل الأربع تختلف بين النّظريات، إلّا أنّ خصائصها تبقى متطابقة تقريبًا. لقد قمت بدمج المصطلحات الأكثر استخدامًا لكلّ عصر مثل: حقبة المحارب، وحقبة المثقف، والتّاجر، والفوضى.

ولتوضيح المراحل الأربع بشكل أفضل، دعنا نرى كيفيّة مقارنتها مع دورة التّاريخ الحلزونيّ في الصين.

– المحارب: بعد انهيار السّلالة السّابقة وتفكّك البلاد، سحق أمير حرب جديد منافسيه، وأعلن نفسه إمبراطورًا، وأسّس السّلالة التالية. هذا هو عصر الأبطال مع قيمة توضع للشّرف والقوّة والشّجاعة. تشمل الأنشطة البارزة الاستكشاف والبناء والاستعمار وبناء البنية التحتية. الجريمة في أدنى مستوياتها ، ومساواة المرأة في أعلاها. يتمّ توزيع الثّروة على أساس الجدارة ويتعافى مستوى السّكان من المستويات المنخفضة السّابقة.

– المثقف: تحتاج كلّ سلالة جديدة إلى إثبات شرعيتها من خلال الحكم الرّشيد، وخلال فترة حكم الأباطرة القلائل التاليين، تبدأ الظّروف المعيشيّة لعامّة النّاس في التّحسن. هذا هو في كثير من الأحيان “العصر الذّهبي” للسّلالة. هذا هو عصر الفنون والعلوم الّتي تقدّر الأفكار الجديدة والاختراعات والتّقنيات. وتشمل الأنشطة البارزة مشاريع الفنّ العامّ وتأسيس المكتبات والجامعات. الجريمة منخفضة، ومساواة المرأة تكون مرتفعة، والثّروة تبدأ في التّراكم في الإدارة. ويستمرّ السّكان في الازدياد..

– التّاجر: بينما تتمتّع الإمبراطوريّة بفترة من السّلام والاستقرار، فإنّ التّجار يزدهرون ومستوى المعيشة يستمرّ في التّحسن. ومع ذلك، فإنّ بذور تدهور الأسرة الحاكمة يبدأ بالفعل بسبب نمو بيروقراطيّة هائلة. سرعان ما تسيطر الحكومة وتفرض ضرائب على جميع جوانب الحياة اليوميّة.

هذا هو العصر الّذي يهيمن فيه الجشع على النّظام السّياسي. فيزداد معدل الجريمة، ويتراجع الوضع الاجتماعي للمرأة، وتبدأ الثّروة في التّراكم مع القلّة. ويستمرّ السّكان في الزّيادة

– حقبة الفوضى: السّلالة في حالة من الاضمحلال وعلى وشك الانهيار. القضاء ورجال الحاشية فاسدون ومحطّمون. والإمبراطور متوحّش، فظيع، وعلى الأغلب أحمق. بعد أن تسرق الخزينة، ترفع الإمبراطوريّة الضّرائب إلى أن يتحوّل النّاس العاديون إلى الفقر. البنية التحتيّة للبلاد في حالة سيئة. فشل نظام الرّسوم والرّي يدمر المزارع والمحاصيل ويتسبّب بالمجاعات والشّعب ينهض. هذا هو العصر الّذي تكون فيه الحكومة فاسدة لدرجة أنّها غير قادرة على الحكم بفعاليّة. هناك انهيار للقانون والنّظام. والجريمة متفشية، ووضع المرأة يصل إلى أدنى نقطة له، وبسبب المرض والحرب والكوارث الطبيعيّة، يتراجع عدد السّكان بسرعة. والثّروة في أيدي المجرمين.

تنقسم البلاد إلى فصائل متصارعة يقاتل كلّ منها لأجل الهيمنة من خلال سلسلة من الحروب الأهليّة. يستمر القتال حتّى يتولّى “بطل” جديد السّيطرة ويؤسّس السّلالة التالية.

هذه هي دورة الأسرة الصينيّة بناءً على نمط المراحل الأربع. فهل يمكن تطبيق النظريّة على جميع الحضارات واستخدامها للتّنبؤ بالاتّجاهات المستقبليّة؟ إذا درست تاريخًا متنوّعا من مصر القديمة وروما، إلى حضارة “الأزتك” و”الإنكا”، ستجد هذا النّمط من أربع مراحل، مع اختلاف طفيف، يمكن تمييزه دائمًا.

فما هي المرحلة من هذه الدّورة الّتي تقع أمريكا فيها وإلى أين نتوجه ؟

بمقارنة خصائص كلّ مرحلة بظروفنا الحاليّة، يمكننا بسرعة تجاوز مرحلة المحارب والمفكّر. فأيّام الزّعماء البطوليين والمفكّرين اللاّمعين تنتمي إلى تاريخ أمريكا البعيد منذ زمن طويل.

من الواضح أنّنا في مرحلة التّاجر، وبما أنّ أيّ شخص يحاول شراء أي شيء “صنع في أمريكا” يمكنه أن يخبرك، فنحن في نهاية تلك المرحلة. إنّ تدمير قاعدة التّصنيع الأمريكيّة وتدمير الموارد الطبيعيّة يمكن أن يعني فقط أنّ السيّدة السّمينة على وشك أن تصل إلى المسرح. فهل التّاريخ محكوم عليه أن يعيد نفسه أو هل يمكن أن نتعلمّ من الأخطاء السّابقة وأن نتجنّب الاندفاع المتهوّر إلى الفوضى؟

في حالة الصّين، لا يظهر تاريخهم أي سلالة كانت قادرة على تجنب هذا المصير. فهل فشلوا في التّعلم من الماضي؟ بعيدا عن ذلك، فإنّ التّاريخ الصّيني هو الأكثر توثيقا ودقّة من أيّ حضارة. كان فلاسفة ومؤرخو الصّين مدركين جيّدًا للأخطاء الّتي ارتكبتها السّلالات السّابقة وحذروا بلا توقّف الإمبراطوريات من أخطار تجاهل الماضي، ولكن دون جدوى. لسوء الحظّ، تقترح الدّلائل إلى أنّ الحضارات محكوم عليها بالفعل بتكرار الماضي.

وسواء لأنّ تحذيرهم تمّ من خلال نموذج تنبؤي قائم على دورات تاريخيّة، أو لأنّهم يلعبون أدوارهم الشّريرة بلا تفكير، فلا شكّ أنّ النّخبة الحالية تستعد للفوضى. وإلاّ كيف يمكن تفسير تسليح الشّرطة المحليّة بالعتاد العسكري، وشراء السّلاح والذّخيرة والعربات المدرعة على نطاق واسع، والرّقابة المحليّة لكامل الطّيف والقضم بلا نهاية لحقوقنا وحريّاتنا.

من الواضح أنّ خطتهم، كما كانت خطّة جميع الطّغاة قبلهم، تتمثّل في الوقوف خلف جدار من الأمن بينما يقاتل الباقون منّا على فضلات ما تبقى من حضارتنا

ماذا نتوقّع؟

من بين العصور الأربعة فإنّ الأسهل للتّنبؤ هو عصر الفوضى. يبدو أنّ كلّ نظام على مرّ التّاريخ يستخدم نفس قواعد اللّعبة البالية حول كيفيّة التّدمير الذّاتي. كذلك هنا..إنّه المستقبل. الفساد المستشري يستنزف حالة خزنته. ولاستعادة الخسائر، تزيد الدّولة من الضّرائب الّتي تدفع الشّركات إلى الإفلاس والموظّفين في الفقر. سرعان ما تصبح الضّرائب مصادرة قسريّة للممتلكات والمعادن الثّمينة والغذاء.

الاحتجاجات من أجل الطّعام تتحوّل إلى أعمال شغب. تقوم الدّولة بمسيرات من أتباعهم “لتعليم الرّعاع درسًا”. الأحكام العرفيّة تعلن، وتستخدم المجموعة الكاملة من التّكتيكات الإرهابيّة، من عمليات البحث والمصادرة غير المعقولة، إلى السّجن والتّعذيب ضدّ “المعارضين”. وفي الوقت نفسه، فإنّ نقص التّمويل الحكومي يترك البنية التحتيّة تنهار. في الماضي كان هذا يعني أنّ الأراضي الزراعيّة إمّا تغمرها المياه، أو أن تجفّ. تنقص المحاصيل والنّتيجة مجاعة. في عالمنا الحديث، يمكننا إضافة أعطال في الشّبكة، ولا يوجد غاز لتدفئة منزلك أو تشغيل سياراتك، وعدم الوصول إلى مياه الشّرب النّظيفة.

النّاس الجياع يصبحون يائسين وتزداد الجريمة. سوء التّغذية ونقص التّمويل للمستشفيات أو الإمدادات الطبيّة تساهم في زيادة الأمراض الوبائيّة. اللّعبة الأخيرة للدّولة هي بدء الحرب لقتل عدد لا بأس به ممّن “يأكلون وهم عديمو الفائدة” وإجبار النّاجين على الخضوع.

إذن ما الّذي فعله النّاس في الماضي للبقاء على قيد الحياة في عصر الفوضى؟

إحدى الإستراتيجيات المستخدمة في العديد من الحضارات هي النّظام الرّهباني. بعد سقوط روما، عملت الأديرة كمراكز تجاريّة وأنتجت الكثير من الثّروة المحليّة من خلال الزّراعة وصنع النّبيذ والصّناعات الصّغيرة. كانت الأديرة هي الأماكن الوحيدة الّتي يمكن للمرء أن يتلقّى فيها أي نوع من التّعليم، ولولا الكتب الّتي حفظها الرّهبان ونسخوها، ما كنّا لنعرف شيئًا عن التّاريخ القديم. في الصّين والهند واليابان وفي الشّرق الأوسط كانت الأديرة قادرة على البقاء دون أذى نسبيا في حين انهارت مجتمعاتها من حولها. وإذا أزحنا الجانب الديني جانبا، فإنّ ما لدينا هو مجتمعات مستقلّة مكتفية ذاتيا، تتشارك المعرفة والمهارات، والدّعم المتبادل في الأوقات السّيئة. والمثال الأكثر حداثة وعلمانيّة لمثل هذه المجموعات هي مجتمعات العون المتبادل في القرن التّاسع عشر. إنّ تعلّم الاستعداد للكوارث الأساسيّة والعمل معا على التّضامن المتبادل هو مفتاح إستراتيجيّة البقاء.

على الرّغم من التّوقعات القاتمة على المدى القصير، فإنّ المستقبل/ الماضي غير البعيد سيكون أكثر إشراقًا لأنّ المرحلة القادمة هي عصر المحارب والعودة إلى الأخلاق والازدهار والمساواة.

إذن ماذا عن النّخبة؟ هل سيخرجون من مخابئهم لاستعباد وحكم العالم باعتبار أنّ حلمهم النّهائي يتحقّق؟ في التّاريخ الصيني فإنّ هذا ينسجم مع “الكارما”.

كلّ عضو من الأرستقراطيّة من كلّ سلالة فاشلة، تمت مطاردتهم وإعدامهم خلال عصور الفوضى. إمبراطور واحد فقط عاش لفترة كافية لرؤية تأسيس السّلالة التّالية، وقد فعل ذلك عن طريق الاختباء لمدّة أربعين عامًا – في دير.

***

الرّابط:

https://www.chinastrategies.com/historical-cycles-are-we-doomed-to-repeat-the-past/

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This