كاتبات إيطاليات يحدثن هزة في الأوساط الأدبية تحت تأثير فيرانتي /آنا موميليانو

ظل الأدب الروائي في إيطاليا، ولفترة طويلة من الزمن، مقتصراً على الرجال. وكثيراً ما وصف الناشرون والنقاد ولجان النقد والجوائز الأدبية، الروايات التي ألفتها النساء، بأنها ليست ذات بال، وكتبت من أجل التسلية. ولقد سخروا كثيراً بشكل خاص من المؤلفة إيلينا فيرانتي، صاحبة كتاب «صديقي اللامع» بأنه من المؤلفات المتواضعة للغاية.

ثم، وعلى نحو مفاجئ، حازت روايات فيرانتي سمعة عالمية هائلة، وبيع من أعمالها 11 مليون نسخة، وألهمت إحدى رواياتها مسلسلاً تلفزيونياً جديداً من إنتاج شبكة «إتش بي أو» الترفيهية الأميركية، ما رسخ سمعة المؤلفة على اعتبارها أنجح الروائيات الإيطاليات خلال السنوات الأخيرة. ومع إعادة اكتشاف بعض الكاتبات الإيطاليات الكبيرات من القرن الماضي، سلط الضوء على موجة جديدة من الكاتبات الإيطاليات اللاتي أحدثن هزة عنيفة في المؤسسة الأدبية في البلاد. وصارت الكاتبات هنا يفزن بالجوائز المرموقة، مع ترجمة أعمالهن إلى لغات أخرى، وارتفاع معدلات مبيعات مؤلفاتهن في الداخل والخارج.

ولقد أثارت إنجازاتهن حالة من النقاش واسع المجال في الأوساط الأدبية الإيطالية بشأن ماهية الأدب في البلاد، مع قضايا أخرى ذات وقع وأهمية مثل التحيز ضد المرأة أو التمييز المنوط بالأدوار الجنسانية بين النوعين.

تقول فيرونيكا رايمو، مؤلفة رواية «فتاة عند الباب»، التي تدور حول الزواج والحمل والاعتداءات الجنسية، والتي تُرجمت إلى اللغة الإنجليزية العام الحالي: «كنا نتردد كثيراً فيما سبق في الكتابة حول موضوعات بعينها خشية السخرية، ووصفها بأنها تسليات نسائية. وكانت تشيع في أذهاننا فكرة قاتمة بأن القصص التي ترويها النساء لن تجد طريقها إلى العالمية أبداً. بيد أن هذه الرؤية في تغير مستمر».

ومن إحدى الكاتبات اللاتي يلحظن هذا التغير والتقدم، هيلينا جانتشيك، التي لم تتوقف عن النشر منذ سنوات، وتمكنت في العام الماضي فقط من أن تكون أول امرأة في 15 عاماً تفوز بجائزة «بريميو ستريغا»، وهي أكبر جائزة أدبية تُمنح في البلاد. وهي تقول عن ذلك: «لقد مرت فجوة زمنية كبيرة، أليس كذلك؟ ولكنني لم أكن متفاجئة بذلك، فإن الأزمان تتغير باستمرار».

كان الكتاب الذي حازت عنه الجائزة قد نُشر في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي باللغة الإنجليزية، تحت عنوان «الفتاة صاحبة الكاميرا»، وهي رواية تاريخية حول المصورة الحربية غيردا تارو، التي قُتلت عام 1937 أثناء توثيقها مجريات الحرب الأهلية الإسبانية رفقة صديقها وزميلها الأكثر شهرة روبرت كابا.

وخلال العامين الماضيين، شكلت الروايات النسائية ما يقرب من نصف 20 كتاباً من الكتب الأوسع انتشاراً في إيطاليا، أي ما يقرب من ضعف النسبة المئوية المسجلة في عام 2017، وذلك وفقاً للبيانات الصادرة عن مؤسسة «إنفورمازيوني إيديتوريالي»، المعنية باستعراض مبيعات الكتب في مختلف مكتبات بيع الكتاب في البلاد.

وفي مقابلات صحافية معهم، ذكر المؤلفون، والمحررون، والنقاد، والمترجمون، والناشرون الإيطاليون، أن كتابات النساء تنال قدراً غير عادي من الاهتمام في الآونة الأخيرة. وأطلق البعض على هذه الموجة الأخيرة مسمى «تأثير فيرانتي».

تقول دانييلا بروغي، أستاذة الأدب المعاصر في «جامعة سيينا» للطلاب الأجانب، إن كتاب «صديقي اللامع»، وغير ذلك من روايات الكاتبة فيرانتي (كان آخر إصداراتها الأدبية رواية بعنوان (لا فيتا بوغياردا ديغلي أدولتي»، التي نُشرت باللغة الإيطالية، ومن المقرر ترجمتها، ثم نشرها باللغة الإنجليزية، العام المقبل، تحت عنوان «حيوات البالغين الكاذبة»)، أثبت وجود سوق حقيقية للروايات التي تؤلفها النساء.

كان نقاد المؤسسات الأدبية في السابق يتجاهلون القصص والروايات التي تتناول العلاقات والروابط ما بين النساء. ولقد تغيرت تلك الرؤية كثيراً الآن. ثمة ثلاثة كتب نشرت أخيراً، وهي تبحث في العلاقة بين الأمهات وبناتهن، من بينها رواية «الفتاة العائدة» من تأليف دوناتيلا دي بيترانتونيو، وهي من الروايات الشيقة للغاية، وتدور أحداثها في أرياف جنوب إيطاليا. كذلك هناك رواية «الغريبة»، من تأليف كلوديا دوراستانتي التي تتذكر خلالها نشأتها الأولى وسط عائلة مفككة الوشائج بين بروكلين في نيويورك وباسيليكاتا في جنوب إيطاليا، ثم رواية «وداعاً للأشباح» للمؤلفة ناديا تيرانوفا التي تحكي فيها قصة امرأة بلغت العقد الثالث من عمرها، وتحاول مواجهة ماضيها المؤلم في رحلة عودة إلى منزل العائلة لزيارة والدتها. ولقد تمت ترجمة الروايات الثلاث إلى اللغة الإنجليزية.

تقول فيرونيكا رايمو، مؤلفة رواية «فتاة عند الباب»، إن القراء الأصغر سناً في إيطاليا صاروا أكثر تقبلاً وانفتاحاً على النساء الكاتبات على نحو جزئي ناجم عن قراءة الأعمال المترجمة للنساء، وباتوا يعرفون أن هناك بلداناً أخرى تعيش فيها شخصيات بارزة من شاكلة جنيفر إيغان أو زادي سميث، وهو أمر طبيعي لا مشكلة فيه.

بيد أن العديد من كاتبات الموجة الأدبية الجديدة في إيطاليا ينسبن هذا الزخم في الروايات النسائية، مثلهن مثل بعض النقاد، إلى فيرانتي، وهو، كما صار معروفاً، اسم مستعار (يتكهن بعض الناس بأن الشخصية الحقيقية للمؤلفة فيرانتي، هي أنيتا راجا، المترجمة الأدبية البارزة قرينة الروائي المعروف دومينيكو ستارنوني، ولقد بحثوا عن علامات تدل عليها في رواياتها، كما يقولون).

«هناك ضجيج عالمي حول المؤلفين الإيطاليين المعاصرين، بما في ذلك العديد من النساء، وحتى من أبناء الأقليات، ونحن مدينون لفيرانتي بالكثير في ذلك»، تقول الكاتبة الإيطالية الصومالية إيجيابا سكيغو، التي تُرجمت روايتها بعنوان «ما وراء بابل»، التي تبحث في صدمات تجارب المهاجرين من خلال حكاية سيدتين مهاجرتين إلى الخارج، إلى اللغة الإنجليزية في العام الحالي بعد نشرها في إيطاليا منذ عشر سنوات.

كانت الترجمة الإنجليزية الجديدة لرواية «معجم العائلة»، صدرت عام 2017، وهي من تأليف ناتاليا غينزبيرغ، التي صدرت بالإيطالية في عام 1963. ولقد أعيد نشر ثلاث روايات أخريات لها في العام الحالي، مع ترجمة جديدة لاثنتين منها. وهناك كاتبة إيطالية كبيرة أخرى من حقبة ما بعد الحرب تدعى إيلسا مورانتي، (التي تعتبرها الكاتبة فيرانتي ملهمتها الأولى)، باتت رواياتها تنال سمعة كبيرة مع التراجم الحديثة لروايتها الشهيرة «جزيرة أرتورو».

وعلى الرغم من تلك النجاحات، لا تزال الكاتبات الإيطاليات يواجهن العديد من العقبات. تقول الروائية هيلينا جانتشيك: «لا تكمن المشكلة في نشر أو بيع المؤلفات، وإنما في الاهتمام بها وتقديرها. إن النساء بقين بعيداً بصفة عامة عن المحيط الأدبي الإيطالي، وإن النجاح الذي أحرزته الروائية فيرانتي في الخارج ليس من المرجح له أن يجعلها أقرب بكثير من القارئ الإيطالي. بالرغم من حصولها على كل هذا الاعتراف والتقدير في الخارج، لا يزال النقاد في إيطاليا يقولون: انظروا، هؤلاء الأميركيون يعتقدون أنها كاتبة عظيمة بحق!».

وفي عام 2015، وبينما كانت الروائية فيرانتي تنال الإشادات الهائلة بأعمالها، كتب الروائي فراشيسكو لونغو، في إحدى الصحف الإيطالية يقول إن «فيرانتي راوية للقصص والحكايات، ولكنها ليست أديبة ولا كاتبة».

تقول الناقدة الإيطالية تيزيانا دي روغاتيس، التي صدر كتاب لها عن الروائية فيرانتي في الولايات المتحدة خلال الشهر الحالي، إن «فيرانتي مثل مورانتي، كاتبة ومفكرة معقدة الفكر والرؤية، تختار أسلوب الكتابة الصريحة، وبتعاطف بالغ حتى يسهل فهم أفكارها. ولقد حظيت الأوساط الأكاديمية في نهاية المطاف بمؤلفتين عظيمتين قد حصلتا على شعبية وجماهيرية كبيرة».

أما البروفيسورة أليسا غامبارو من جامعة ميلانو، فقالت: «هناك فكرة شائعة الانتشار بأن الأدب الخيالي، ينبغي أن يستند إلى البراعة والمرجعية الذاتية»، ونتيجة لذلك، غالباً ما يجري الاستخفاف بهذا الأدب الذي يحقق النجاح تجارياً.

لكن بعض النساء يرون أنه ينبغي أن تكون الأمور بشكل معاكس، كما تقول دانييلا بروغي، أستاذة الأدب المعاصر في «جامعة سيينا»، «تميل النساء الكاتبات إلى الإقلال من اعتبارات المرجعية الذاتية في أعمالهن، لأنهن أقل اعتياداً على التفكير في أنفسهن مركزاً للعالم من حولهن، كما أنهن استطعن تطوير اللغة الأدبية لكي تكون أيسر فهماً – وأسهل في الترجمة بالمناسبة – نظراً لأنهن كثيراً ما يجري تجاهل أعمالهن عن قصد».

وحظيت إيطاليا على الدوام بنساء كاتبات عظيمات، والأمر الجديد حقاً أنهن يحصلن الآن على التقدير والاعتراف بهن للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.

– خدمة «نيويورك تايمز»

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This