في رحلة بحثٍ عن مصطلح علي زيعور

 

طالما كان البحث عن المصطلح همًّا يراود المهتمّين باللغة، أيًّا كانت هذه اللغة. وطالما تَرافق المبنى اللغوي مع المعنى المراد منه، وإنّ أدنى تغيّر يحدث في حروف الكلمة يؤدّي اطرادًا إلى تغيّر في المعنى؛ فاللغة، بما هي بناء اجتماعي، يكفل للمتداولين بها التعبير عن مقاصدهم الحياتيّة المادّيّة والمعنويّة. ولمّا كانت الحياة ومناحيها متجدّدة دائمًا بتجدّد الأحوال والظروف، فإنّ ثبات اللغة يعني موتها وانزوائها للأبد. وإنّ تجدّدها يستجيب بالتالي لمواكبة التغيير والتجديد المستمرَّين الملازِمَين للتنامي السريع والهائل الذي لا يقف عند حدّ ثابت، والذي تفرضه حالة الاختلاط العشوائي ربّما بين الشعوب، في عالم أصبحت الحدود فيه مرتابة بعض الشيء؛ ولم يعد البعد الجغرافي حاجزًا للاطلاع وقراءة الأحداث والمنجزات العلميّة والأدبيّة.

عطفًا على ما تقدّم، ولمّا كانت اللغة العربيّة مثار اهتمامي منذ الصغر حيث عدت إلى دراستها بعد إنهاء اختصاص الكيمياء الحياتيّة، وفي محاولة البحث عن المصطلح اللغوي الجديد، عمدتُ لتقديم مشروع وافقت عليه لجنة دراسة المشاريع لشهادة الماجستير في اللغة العربيّة في الجامعة اللبنانية بعنوان “المصطلح الفلسفي بين التقعيد اللغوي والاقتضاء الدلالي – علي زيعور أنموذجًا -” الذي هو في طور الإنجاز حاليًا.

يهدف هذا المشروع إلى:

  1. تجميع المصطلحات التي اجترحها علي زيعور في الفلسفة، وفصل المصطلح اللغوي الجديد منها عن المتعارف عليه.
  2. إدراك معاني المفردات التي أرادها زيعور عبر إيراد نصوص تعبّر عن مصطلحاته.
  3. دراسة هذه المصطلحات دراسة صرفيّة ونحويّة ودلاليّة على ضوء القواعد التي وضعها أهل اللغة.
  4. قياسها بالاستناد إلى قواعد إنشاء المصطلح المتعارف عليها في القوانين اللغويّة، ومحاكمتها محاكمة منطقيّة منهجيّة.
  5. تحديد المعاني وفق سياقاتها الكلاميّة التي أرادها علي زيعور، وارتباطها بمنظومة توافق الوقوع أو ما يسمّى بالرصف الذي يحصر اهتمامه بالسياق اللغوي واللفظي.

إنّ الغوص في كتب المعلّم علي زيعور ليس كقراءة أي كتب أخرى؛ هي لغة لا يفهمها عامّة الناس، على ما أرى طبعًا. لغة متينة احتاجت الصفحة الأولى من أول كتاب قرأتُه مرات ثلاث، وربّما أكثر. سطور فيها من الصعوبة كما فيها من العمق. فقرات رقّمها علي زيعور متعمّدًا تسلسل أفكاره هو، قد لا تجد فيها في بعض الأحيان أدوات ربط، أراد ذلك بالطبع، فمكانته العلميّة تمنعه من الكتابة العشوائيّة، وكمّ المفردات اللغوية التي يضخّها في الفقرة نفسها تؤكّد أنّ زيعور لا يكتب إلّا للمتخصّصين.

كيف أنشأ علي زيعور مفرداته اللغوية؟ ما الذي دفعه لذلك؟ هل خالف فيها أهل اللغة وقاعدة إنشاء المصطلح؟ هل يحقّ له ولغيره من المفكّرين أن ينشئوا مصطلحًا متى ما أرادو؟ هل تعمّد اجتراحًا غريبًا عن لغة اللغويين؟ أم أنّ اللغة عجزت عن إيجاد مفردة تؤدّي المعنى الذي في نفسه فلجأ إلى توليدها؟ هل أراد أن ينشئ منظومة لغويّة خاصّة يدخلها القاموس اللغوي لغاية في نفسه أم أنّه أراد أن يعين اللغويين للاستفادة منها في سياق اجتماعيّ وعلميّ؟

يحتاج البحث بين ثنايا لغة المعلّم لكثير من الفطانة لكي يستطيع الباحث أن يلتقط ما أراده من معانٍ. ويحتاج أيضًا إلى عمليّة رصد دقيقة لمصطلحاته وإلى تأمّل وتحليل لجمع هذه المصطلحات وفهم المعاني التي أرادها. وقد اخترتُ إلى جانب المنهج الوصفي التحليلي المنهج السياقي في البحث الذي يبحث عن دلالة المعنى بدلالة اللفظ، عن علاقة السياق اللغوي والمقامي؛ فلكلّ مقامٍ مقال، ولكلّ مقتضىً حال.

هذا المنهج الذي عانيتُ بعض الشيء حتّى وجدته يناسب مشروعي ولغة المعلّم، وهو متفرّع، إن صحّ التعبير، من علم الدلالة، يكشف عن مراد الكلام. وفي هذا الصدد، أذكر بعض مقولات العلماء لإغناء الفكرة، ولإفادة الطلاب أمثالي أو الباحثين الذين يبحثون عن شيء مشابه.

من هؤلاء العلماء القدماء، الفيلسوف أرسطو الذي يورد في كتابه الخطابة، وهو جزء من كتاب الأورغانون، عنوانًا في المقالة الثانية منه بعنوان “في تناسب الأسلوب، في الأسلوب الموافق لمقتضى الحال”، فيفصّل فيه كيف يكون اللفظ تابعًا لما عليه الكلام والحال الذي يكون عليه المتكلّم، وكيف يختلف المعنى باختلاف الأحوال، وهو ما يعرف بالسياق ومناسبة الحال، فيقول: “تناسب الأسلوب يتحصّل بالتعبير عن الانفعال والخلق، وبالتناسب مع الموضوع”[1].

وكان لعلماء البلاغة العرب عناية خاصّة بالسياق، كونه جزءًا من دلالة الألفاظ على المعاني، ونذكر منهم الجاحظ الذي قال: “ينبغي للمتكلّم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكلّ طبقة من ذلك كلامًا، ولكلّ حالة من ذلك مقامًا، حتّى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات”[2].

كما ركّز عبد القاهر الجرجاني على السياق اللغوي من حيث بناء الكلمات وترابطها لإنشاء معنىً ما وقد أطلق عليه النَظم، فيقول: إنّ “اللفظ تبع للمعنى في النَظم، وأنّ الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس”، ويردّ معنى اللفظ المستعمل لأسلوب الكلام وطريقة نظمه، وأنّ المعنى لا يمكن أن يفهم إلّا بفهم أسرار ودقائق نظمه[3]. فـ”الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، […]. وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلّلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثمّ تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض”[4].

وبيّن السكّاكي العلاقة بين السياق المقالي والسياق المقامي، وشرح معنى لكلّ مقام مقال، فقال: “لا يخفى عليك أنّ مقامات الكلام متفاوتة، فمقام الشكر يباين مقام الشكاية، ومقام التهئنة يباين مقام التعزية، ومقام المدح يباين مقام الذمّ، ومقام الترغيب يباين مقام الترهيب، ومقام الجدّ في جميع ذلك يباين مقام الهزل، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار؛ جميع ذلك معلوم لكلّ لبيب، وكذا مقام الكلام مع الذكيّ يغاير مقام الكلام مع الغبيّ، ولكلّ من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر.

ثمّ إذا شرعت في الكلام، فلكلّ كلمة مع صاحبتها مقام، ولكل حدّ ينتهي إليه الكلام مقام، وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول وانحطاطه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق به، وهو الذي نسمّيه مقتضى الحال، فإن كان مقتضى الحال إطلاق الحكم، فحسن الكلام تجريده عن مؤكّدات الحكم، وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك، فحسن الكلام تحلّيه بشيء من ذلك بحسب المقتضى ضعفًا وقوّة، وإن كان مقتضى الحال طيّ ذكر المسند إليه، فحسن الكلام تركه، وإن كان المقتضى إثباته على وجه من الوجوه المذكورة، فحسن الكلام وروده على الاعتبار المناسب، وكذا إن كان المقتضى ترك المسند، فحسن الكلام وردوده عاريًا عن ذكره، وإن كان المقتضى إثباته مخصّصًا بشيء من التخصيصات، فحسن الكلام نظمه على الوجوه المناسبة من الاعتبارات المقدم ذكرها…”[5].

أمّا اللسانيّات المعاصرة، فقد عدّت اللغة جزءًا من السيمياء أو علم العلامات العامّ. وعُرفت مدرسة لندن بما سمّي بالمنهج السياقي contextual Approach أو المنهج العملي Operational Approach. وكان زعيم هذا الاتجاه فيرث Firth الذي وضع تأكيدًا كبيرًا على الوظيفة الاجتماعيّة للغة. وعدّ ليونز Lyons أحد التطوّرين الهامّين المرتبطين بفيرث “نظريته السياقيّة للمعنى”.

ومعنى الكلمة عند أصحاب هذه النظريّة هو “استعمالها في اللغة، أو “الطريقة التي تستعمل بها”، أو “الدور الذي تؤدّيه”. ولذا، يصرّح فيرث بأنّ المعنى لا ينكشف إلّا من خلال تسييق الوحدة اللغويّة، أي وضعها في سياقات مختلفة.

ويقول أصحاب هذه النظريّة في شرح وجهة نظرهم: “معظم الوحدات الدلاليّة تقع في مجاورة وحدات أخرى. وإنّ معاني هذه الوحدات لا يمكن وصفها أو تحيدها إلّا بملاحظة الوحدات الأخرى التي تقع مجاورة لها”[6].

كما يستعمل جرايس Grace مصطلح المعنى الضمني للحديث عمّا يمكن أن يضمّنه أو يوحي به أو يعنيه متكلم ما، فوق ما يصرّح به ظاهر كلامه، فالمعاني الضمنيّة هي جوانب مقاصديّة من المعنى، ولها خاصيّات واضحة الملامح. وهي مستقاة جزئيًّا من المعنى المتواضع عليه، أو المعنى المباشر للقول حسب استعماله معنى محدّد مشترك بين المتكلّم والمخاطب، وتعتمد على إلزام المتكلّم والمخاطب بالمبدأ التعاوني وضوابطه[7].

ويؤكّد هايمز Hymes على دور السياق في الفهم بأنّه يحصر من جهة عدد المعاني الممكنة، وأنّه يساعد من جهة أخرى على تبنّي المقصود[8].

ويرى صلاح فضل “يتوقّف مفهوم البنية على السياق بشكل واضح، حتّى أنّ الفكر البنائي يعدّ من هذه الناحية فكرًا لامركزيًّا؛ إذ إنّ محور العلاقات لا يتحدّد مسبقًا وإنّما يختلف موقفه باستمرار داخل نظام يضمه مع غيره من العناصر[9].

كلّ تلك الاستفاضة التي أذكرها في المنهج لأقول شيئًا واحدًا، وهو أنّي أبحث بين ثنايا لغة علي زيعور عن مقصده هو، وظروف اختياره لألفاظه تلك دون سواها، ولا أبغي تأويلًا خاصًّا بي أو بغيري.

وبعد، قرأتُ للدكتور علي زيعور حتّى الآن ثلاثة كتب، في كلّ صفحة كلمة جديدة أتعلّمها وأضيفها إلى قاموسي اللغوي. صحيح أنّني لم أستسغ كلّ الكلمات التي قرأتها، مثلًا في كتاب “ميادين المدرسة العربية الراهنة في الفكر والفلسفة” أفعال أدخل عليها أل التعريف مع لام النفي (اللاينفصلان في الصفحة 25 وصفحات أخرى، اللاتُستلب في الصفحة 24)، وهذا ما لم نلحظه في اللغة العربيّة التي حدّدت للفعل هويّته، من ذلك عدم دخول أل التعريف عليه، لكنّ لذلك دلالته عند المعلّم، وكلمات أخرى لم تكن مألوفة على مسمعي كالنحناويّة والتكييفانيّة والرشدانيّة، والجنسنة والكملنة وغيرها في كتاب “حقول التحليل النفسي والصحّة العقليّة كما الروحيّة والحضاريّة”.

كما أنّي لا زلت في بداية رحلة البحث عن المصطلح بين دفّات كتبه ومقالاته، معاني تلك المفردات، دلالتها، سياقها الثقافي لوضعها، وما إلى ذلك. فمائدة كتب المعلّم أمامي، ربّما لن أرتوي ولن أشبع من ألفاظه، سأعرضها على بساط البحث والتمحيص نحويًّا وصرفيًّا ودلاليًّا، وسأحاكمها من معيار القاعدة اللغويّة ومن منظور دلالي.

**********

[1]  أرسطو، الخطابة، تح. عبد الرحمن بدوي، بيروت: دار القلم، 1979، ص 209.

[2]  الجاحظ، البيان والتبيين، تح. عبد السلام هارون، دار الجيل، 1900، الجزء 1، ص 138 و139.

[3]  للمزيد، انظر، الجرجاني، دلائل الإعجاز، تح. محمّد المنعم خفاجي، القاهرة: مكتبة القاهرة، 1969، صص 55 -100.

[4]  م. ن، ص 262.

[5]  السكاكي، مفتاح العلوم، تع. نعيم زرزور، بيروت: دار الكتب العلميّة، ط 1، 1983، ص 168 و169.

[6]  أحمد مختار عمر، علم الدلالة، القاهرة: عالم الكتب، ط 5، 1998. ص 69.

[7]  فاطمة الشيدي، المعنى خارج النص، أثر السياق في تحديد دلالات الخطاب، دمشق: دار نينوى، 2011، ص 69.

[8]  المعنى خارج النص، أثر السياق في تحديد دلالات الخطاب ، م. س، ص 69.

[9]  صلاح فضل، نظرية البنائيّة في النقد الأدبي، القاهرة: دار الشروق، ط 1، 1998، ص 122.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق