الكتابة خارج المكان والإقامة في بيت اللغة / إيمان حميدان

من أكثر الأسئلة التي تردني إلى فعل الكتابة نفسها سؤال يدور حول الكتابة والمكان، وفيما إذا تأثرت كتابتي الإبداعية وغير الإبداعية بتغيّر المكان. سؤال لا بدّ أيضًا من أن يعيدني إلى ذاكرة الأشياء والصور والأشياء الصغيرة التي رحلت معي في أماكني المتعددة ولم تتركني. في عام ٢٠١٥م أنهيت رواية «خمسون غرامًا من الجنة»، وكانت المرة الأولى التي أنجز فيها رواية خارج لبنان. كنت قبل ذلك أعتقد أن الكتابة في أمكنة بعيدة من المكان المألوف شبه مستحيلة؛ إذ إنها ستزيد من جروحات الروح ومن الشعور باللّامكان، أو تبقينا «خارج المكان». الآن بعد ٤ سنوات وأثناء كتابة روايتي الجديدة صار بمقدوري القول: إن العلاقة بين المكان والكتابة تأخذ كلّ مرّة شكلًا جديدًا. الآن أستطيع القول: إن الكتابة تصبح هي البيت، مهما تغيرت ملامح البيت الظاهرة. تحتل الكتابة مكان البيت الأول، أو لنقل تحتل مكانه، وتصادق الأرق المتنقل حين الانتقال بين مكان وآخر بين قطار وآخر، بين طائرة وأخرى.

لكن لا بد أيضًا أن نأخذ مسافة من الكتابة، لنراها من بعيد ولو قليلًا. ستبدو كأنها تقيم في مساحة تشبه مساحة أحلام ضامرة، في شوارع لا تشبهنا، رغم ذلك تحضننا وتجعلنا نحفر علاماتنا على حجارتها. لا ضير أن نجد أنفسنا أحيانًا نرسم في الهواء أو نكتب على سطح مياه النهر الذي يعبر مدينتنا الجديدة. حينها نقول: إنها قد تكون أمكنة عصيّة. لكنها عصية وجاذبة في آنٍ، أمكنة تتسع. ولا ندري حينها إن كنا نريد البقاء خارجها أو الدخول إلى قلبها. وإن دخلنا هل سيروي هذا الدخول عطش اشتياقنا إلى البيت الأول. بيت أول لم يبقَ على الأرجح منه إلا ما بقي في ذاكرتنا عنه. نشتاق إليه في الذاكرة ونعود إليه في الذاكرة أيضًا.

لكن الذاكرة باتت افتراضية تقيم على صفحات المواقع الاجتماعية، وتتجول بين أروقة جدرانها. ذاكرة عابرة تشبه حياة المقيم في عالم ليس بعالمه الأول. عابر هو أيضًا بين عالمين، مكانين، ذاكرتين، ثقافتين. بل بين عوالم وأمكنة. إنه في مكان الـ«ما بين».

مكان لا جهات له ولا زوايا، ومفتوح على كل الاحتمالات.

الهجرة، الإحساس بحضورك في بلد ليس لك، الكتابة في مجتمع يتقن ويكتب لغة غير لغتك، حتى لو كنتِ تُتقِنينَ لغة البلد الذي هاجرتِ إليه وصرتِ مقيمةً فيه. أن تكتبي بلغتك في مكان لا يفهم لغتك. أن تكوني دائمًا في مكانين اثنين أو بينهما وأنتِ تتحدثين مع كاتب لا يقرأ لغتك. تتساءلين من أين لك هذه القدرة على رؤية أين يقف الآخر وتتوقعين أن هذا الآخر يحتاج إلى خيالك ويفتقده. هذا المكان بين عالَمَين هو مكانك، بل بين عوالم عدة… هذا صحيح لكنه تميُّزُكِ. هذه الهشاشة هي تمامًا وطن قوّتك. تقولين: إن عليكِ أن تتمسكي بقوة بِنَصِّكِ. ثم تلك الشخصيات الموجودة في عالمك الأول ذلك الذي تفصله الجغرافيا عن مكان إقامتك الجديدة، ماذا تفعلين بتلك الجغرافيا وكيف تقرّبين المسافات؟

في هجراتنا القسريّة لأوقات ليست بطويلة وبانتظار انتهاء حرب، تغدو مسألة تعلّم أولادنا اللغة العربية مُلِحّة لنا. حينها يصبح التمسك باللغة كمن يتمسك بقشة نجاة أخيرة. في تنقلاتنا المتعدّدة نتعلم السفر بأقل ثقل ممكن. لكن التخفّف من الحقائب لن يمنع حملًا لا مرئيًّا يرافقنا أينما نرحل. المكان الجديد يحتاج إلى تعلّم. نُسافر خفيفاتٍ ونُبقي على لغتنا ملتصقة بنا وفينا كفعل وجود.

اللغة تسافر هي الأخرى. نحملها في حقائبنا وأوراقنا وذاكرتنا والكتب التي لا تفارقنا والأغنية التي تبقى في الرأس ونجد أنفسنا ندندن أولى كلماتها كلما عنّ لنا الغناء.

لكن هل تسافر متخفّفة هي الأخرى؟ أم نفقد بعضها أثناء رحلتنا نحو النهاية؟

بعد وقت من إقامتنا هنا في الغربة، نعلم أننا ما زلنا نحتفظ بسلاح منيع يحمينا من إحساس بالاقتلاع. إنها اللغة، لغتنا التي نحلم ونفكر بها، نحكي، نتذكر، ونكتب…!

لكن ماذا يبقى من لغتنا حين نكتب في هجراتنا؟ أو ماذا يضاف إليها؟ هل تبقى على حالها أم تعيش تجربة هجرة خاصة بها؟

عن مجلة الفيصل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق