القطيعة الإبستمولوجيّة عند غاستون باشلار التّحليل النّفسي للعلم

 

لقد اتّخذ باشلار (1884 – 1962) التّحليل النّفسي، والرّياضيات، أداة فعّالة لمنهجه القائم على أساس القطيعة الابستمولوجيّة بين النّماذج العلميّة.

وقد حاول في فلسفته، أن يتّخذ موقفاً وسطاً بين العقلانيّة والوضعيّة الّتي يرى فيها نموذجاً فلسفياً غير ميتافيزيقي، لكنّه انتقد الوضعيّة المنطقيّة، الّتي ترفض كلّ تمييز بين الظّاهرة والجوهر، وتؤكّد على فكرة أنّه لا وجود لموضوع آخر للمعرفة، غير الموضوعات العينيّة الجزئيّة، وأنّ المعيار التّجريبي هو محكّ الصّدق. في حين ذهب باشلار، إلى عدم جواز هذا الفصل التّعسفي مقترحاً فلسفة جديدة أسماها “الواقعيّة”، أخذ فيها من الوضعيّة ابتعادها عن الميتافيزيقى، كما أخذ من العقلانيّة تأكيدها على أهميّة التّفكير العقليّ الرياضيّ المجرّد في البحث العلميّ، إذ يقول:”مهما طالت فترات الاستقرار الّتي تنعم بها النّظرة الواقعيّة، فإنّ ما ينبغي أن يلفت انتباهنا حقاً، هو أنّ جميع الثّورات الّتي عرفها الفكر العلمي، هي عبارة عن أزمات تجعل إعادة النّظر بشكل جذري في النّظرة الواقعيّة أمراً ضرورياً، وأكثر من هذا، يجب أن نفترض أنّ الفكر الواقعي لا يستحدث من ذاته أزماته الفاصلة، بل إنّ الاستثارة الثوريّة تأتيه من الخارج دوماً، وبالضّبط من ميدان المجرّد، وهو الميدان الّذي فيه ينشأ ومنه ينطلق. إنّ منابع الفكر العلميّ المعاصر، تنتمي إلى ميدان الرّياضيات”.[1]

التّحليل النّفسي للمعرفة العلميّة:

إنّ العلم عند باشلار يحتاج لخلق الفلسفة، وعليه أن يُعلّم العقل، وعلى العقل أن يُطيع العلم، العلم الأكثر تطوراً الّذي يتطوّر بثبات. حيث يميز باشلار بين العالم والفيلسوف فيقول:” إنّ العالم يعتقد أنّه ينطلق في بحثه من فكر لا بنيّة له، فكر خالِ من أيّة أفكار قبليّة، أمّا الفيلسوف فهو ينطلق على الغالب من فكر تمّ بناؤه، فكر يتوفّر على المقولات الضّروريّة لفهم العالم”.[2] لذلك يرفض باشلار إدخال النّظريات العلميّة في الأنساق الفلسفيّة خوفاً من دخول الإيديولوجيّة إلى العلم، فهو يريد للخطاب الفلسفي أن يكون استيعاباً للنّتائج العلميّة الجديدة بإدراكها من حيث هي قيم للعقل والثّقافة والإنسانيّة بصفة عامّة فضلاً عن كونها قيماُ بالنّسبة لتطوّر العلوم وميدانها العلمي بصفة خاصّة.[1]وبالتّالي فإنّ مهمّة الفلسفة العلميّة، تنحصر في إيضاح قيمة العلم، وإبراز أهميّته الابستمولوجيّة.

أمّا المهمّة الثّانية لفلسفة العلم، فهي إتّباع التّحليل النّفسي على صعيد تطوّر الفكر العلميّ، فكما أنّ هناك لاشعورا على مستوى النّفس البشريّة، فإنّ هناك مكبوتات لاشعوريّة على مستوى الباحث العلميّ، وعلى فيلسوف العلم أن يبحث في أثرها من خلال عمل هذا الباحث، وكما أنّ المحلّل النّفسي يرى أنّه من الخطأ الاكتفاء بالبحث من خلال مظاهر السّلوك الإنسانيّ الشعوريّة الخارجيّة، فإنّ باشلار يرى أنّه من الخطأ عند البحث في موضوعيّة المعارف، أن نبحث في التّجربة أو في مجرّد تأكيد الواقع، فما ينبغي ملاحظته هو الملاحظ العلمي، من أجل أن نضع أمامنا تفسيراته العقليّة المكبوتة ودورها في اكتشافاته العلميّة. وعندها سنجد دون أدنى شكّ، أنّ بنية العقل قبل الثّورة العلميّة المعاصرة، وبعدها، ليستا متطابقتين، وعلى الابستمولوجيّ أن يبرز هذا التّغيّر الحاصل ويعكسه في موقفه الفلسفي. كما عليه أن يحلّل عمل الباحث العلميّ، ليبرز فيه الجانب الباطني وأهميّته للعمل العلمي، حيث يؤثّر هذا الجانب فيه دون وعي منه، وهو لهذا السّبب بالذّات، قد يعوق السّير الطّبيعي للفكر العلميّ في فهم الظّواهر الّتي يقوم بدراستها.[3]

إنّ باشلار يطلب من الإبستمولوجيّ أن يكون محلّلاً نفسياً، ومؤرّخاً للعلم، وهو يريد من وراء ذلك بيان الشّروط الخفيّة والديناميكيّة الّتي تتحقّق فيها معرفتنا الّتي يتمّ ضمنها بناء المعرفة الموضوعيّة، ومن خلال ذلك نتمكّن من فهم المعرفة الموضوعيّة في بعض مظاهرها.

إنّ طريقة باشلار في التّحليل النّفسي للمعرفة الموضوعيّة، تتلخّص بالعثور على تأثير القيم اللاّواعيّة الكامنة في أساس المعرفة الإمبيريقيّة العلميّة ذاتها، وبالتّالي يجب علينا، أن نكشف عن الضّوء الّذي ينعكس بالتّبادل وينتقل دون كلل من جانب المعارف الموضوعيّة والاجتماعيّة، إلى جانب المعارف الشّخصيّة والذاتيّة. وبالعكس، يجب إظهار آثار الخبرة والتّجربة الطفوليّة الكامنة في التّجربة العلميّة. بذلك نضع قاعدةً للحديث عن لاوعي التّفكير العلمي.[4] حيث لا يمكن الفصل بين الذّاتي والموضوعيّ فيما يتعلّق بالمسائل العلميّة الطبيعيّة، وهنا يغدو دور المحلّل النّفسي للفكر العلميّ، حيث نجد في النّظريات الّتي تمّ قبولها بشكل أو بآخر من قبل العلماء أو الفلاسفة، معتقدات هي غالباً ساذجة جدّاً، هذه المعتقدات الّتي لم تُناقش، بها كثير من البريق المتطفّل الّذي يسبّب الاضطراب في الوضوح الشّرعي الّذي من الواجب على العقل أن يراكمه في جهد استدلاليّ منطقيّ”.[5]

التّحليلي النّفسي والقطيعة الاإستمولوجيّة في العلم:

يرى باشلار أنّ الفكر التّجريدي، والعوامل السّيكولوجيّة الكامنة وراءه، هي الأساس المنهجي العلمي لفهم الظّواهر. ومن هذا المنطلق نفهم تأكيد باشلار المستمرّ في أغلب مؤلّفاته على أهميّة هذا الفكر في المعرفة العلميّة عامّة، والفيزيائيّة خاصّة، فيقول على سبيل المثال:” يتّضح بأنّ الاختزالات المجرّدة المستمدّة من منظومات الأوليات، ومن الزّمر المقابلة لها، تحدّد بنيّة أنواع الفيزياء الرياضيّة، ومن الواجب أن ترقى إلى الزّمر، حتّى نبصر العلاقات الدّقيقة بين أنواع الفيزياء المذكورة”. لذلك ينتقد باشلار رأي بوانكاريه حول صلاحيّة الهندسة الإقليديّة من المنظور الأداتي، مؤكّداً أنّ صلاحيّة المفاهيم الفيزيائيّة والرياضيّة ليس بمقدار ملائمتها، أو عدم ملائمتها للواقع، بل بدور المعرفة التّجريديّة فيها.[6] إذ يقول:” توجد عند الإنسان إرادة عقلانيّة فعليّة يُساء تقدير الحاجة إلى الفهم عندما نضعها كما فعلت المذاهب البراغماتيّة والأداتيّة والبروغسونيّة في حالة الاعتماد المطلق على مبدأ النّفعيّة”.[7]

وعليه لا يوجد عند باشلار طبيعة بسيطة وجوهر بسيط، بل إنّ الجوهر عنده ترابط صفات، كما لا توجد فكرة بسيطة، لأنّ الفكرة البسيطة لا بدّ أن تضمنها منظومة أفكار وتجارب لتغدو مفهومة، إذ يقول:”إنّ التّطبيق تعقيد، والأفكار البسيطة هي فرضيات عمل ينبغي أن يُعاد فيها النّظر لكي تفوز بعملها الإبستمولوجيّ الصّحيح”.[8] فالحدس الريّاضي المجرّد إذاً، يشكّل بنيّة المعارف الفيزيائيّة، وبينما كان العلم المستمدّ من وحي ديكارت، يصنع المعقد بالبسيط على نحو منطقي جدّاً، فإنّ الفكر العلمي المعاصر، يحاول أن يقراً المعقّد الدّاخلي تحت المظهر البسيط الصّادر عن ظاهرات استعيض عنها، إنّه يجتهد ليعثر على التّعدد خلف الهويّة، ويتخيّل فرصاً يكسر فيها الهويّة فيما وراء التّجربة المباشرة الّتي أسرف الباحثون في سرد إجمالها في مظهر كلّي. وبينما كان ديكارت يستطيع أن ينكر تنوّع المادّة الأولي، والتّفرع الأوّلي للحركات ليردها إلى جوهرين أوليين صرفين، صار في وسع الباحثين الحصول مباشرة على فرص التّنوع الأساسي بمجرّد ربط المادة الدّقيقة بالحركة السّريعة في صدمة.[9]

ووفق باشلار، فإنّ ما ينبغي أن يستحوذ على الانتباه، هو أنّ ثورات الفكر العلمي كلّها، عبارة عن أزمات تضطرّ الباحث إلى إعادة تصنيف المذهب الواقعيّ تصنيفاً عميقاً، وفوق ذلك ليس الفكر الواقعي أبداً هو الّذي يثير من تلقاء نفسه أزماته الخاصّة، وإنّما ينبجس الاندفاع الثّوري من ناحية أخرى، إنّه يولّد من مملكة المجرّد، ولذا فإنّه في المجال الرياضيّ، توجد ينابيع الفكر التّجريبي المعاصر. ومن هذا الفكر التّجريدي الرّياضي، وضع باشلار تصوّره لمفهوم” القطيعة الإبستمولوجيّة “. وهو مفهوم وضعه لكي يناقض فيه مفهوم التّراكم واتصاليّة التّقدم العلميّ. فبطرح مبدأ الانفصاليّة التاريخيّة بين ثورات العلم. ويرى أنّ المعرفة العلميّة تسير دائماً عبر عقبات تحاول قهرها، وحتّى يتحقّق الانتصار على تلك العقبات، تكون القطيعة المعرفيّة، ومن ثمّ الانتقال الكلي إلى عقبة أخرى جديدة، ثمّ انتصار جديد وتجاوز جديد …. وهكذا يتمّ الأمر وفق متواليّة التّقدم العلميّ الّتي لا تتوقّف أبداً.

إنّ وجود العائق أو العقبة في وجه العلم، يكتسب وفق باشلار دوراً محورياً في قّصة تطوّر الفكر العلمي، وذلك لاتّصالهما بمفهوم القطيعة الّتي تتضمّن إعادة النّظر كلياً في منظومة المعرفة، حيث أنّ وجود العقبة أو العائق، يؤذن دائماً بتحوّل جديد في المعرفة تؤسّس من خلالها قطيعة بالنّسبة للمعرفة السّابقة عليها، وبهذا الشّكل تحدّث التّحولات الأساسيّة الّتي تطرأ على التّطور العلميّ عندما يعيد النّظر في مفاهيمه الكبرى. وعليه تغدو الأهميّة الخاصّة لقوام البنيّة العلميّة ليس بالتّراكم، بل بالقطيعة. [10]

إنّ تاريخ التّفكير العلميّ عامّة، والفيزيائيّ خاصّة، ليس عبارة عن سلسلة من المشكلات الّتي تؤدّي بعضها إلى بعض، أو الّتي يكون تاليها بالضّرورة تطويراً لأولها. ففي التّاريخ العلمي هناك تعطيلات، واضطرابات، بل وركود، ونكوص أحياناً. كما فيه من جهة أخرى، ثورات، أو قفزات كيفيّة. فالأمر لا يتعلّق بانتقال ميكانيكي من مستوى إلى آخر أعلى منه في طرح وحل المشكلات، فقد يقع في مرحلة ما من هذا التّاريخ، توقّف أو تعطّل أو ركود، فيظلّ العالِم عند مستوى معين من فهم الظّواهر مدّة طويلة. وقد تبقى المشكلة العلميّة دون حلّ لأمد غير قصير، لكنّ العلم قد يخطو في فترة وجيزة خطوة تجعله يعيد النّظر في أسسه ومبادئه، فيحدث انفصال عن أسس ومبادئ النّظريات الّتي سبقته، محدثاً قطيعة ابستمولوجيّة معها.[11]

ويعلّل باشلار الرّكود الّذي يسبق القطيعة الإبستمولوجيّة، بتحليل نفسي للمعرفة العلميّة، فهو يرى وجود مفاهيم لاشعوريّة خلف البحث العلمي الواعي، تلعب دوراً أساسياً في كبح المسيرة العلميّة، كمشكلة التّجربة الأولى، والتّعميم السّريع. فإذا كان صحيحاً أنّ التجربة مثلاً، تلعب دوراً أساسياً وديناميكياً فعالاً في الفكر العلمي، إلّا أنّه يكمن خلفها عائق إبستمولوجي يتّخذ صورة تجربة أولى حسيّة، لا تأخذ بعقلنة الظّاهرة.

كذلك هناك مشكلة التّعميم الّذي وإن كان ضرورياً للفكر العلمي الّذي لا يمكن له أن يقف عند حدود الظّواهر، بل يحاول الوصول إلى معرفة أعمّ توحّد فهم هذه الظّواهر في صبغة قوانين، إلّا أنّ خلف هذا التّعميم الّذي لا غنى عنه، يختبئ عائق إبستمولوجي يتّخذ صورة التّعميم المتسرّع، القائم على مماثلة زائفة، أو على امتدادات غير موضوعيّة.

إنّ التّناقض الّذي هو قانون اللاّوعي، مترسّب في المعرفة الماقبل علميّة، وهذا ما يطلعنا به دراستنا لتاريخ العلم، إذ يتحدّث باشلار عن الفرق بين العقل قبل العلمي الّذي كان سائداً في القرن السّابع والثّامن عشر، وعصر ثورات الفيزياء الحديثة الّتي أرست أسس العقل العلمي وأحدثت القطيعة مع هذا الفكر القديم، فيقول:” حين نقرأ المؤلّفات العديدة المخصّصة للعلم الكهربائي مثلاً في القرن الثّامن عشر، فإنّ القارئ الحديث سيكتشف بنظرنا مدى الصّعوبة الّتي يعانيها المرء حتّى يتخلّص من جاذبيّة الملاحظة الأولى، وتحرير الاختبار من سماته الطفيليّة ومعالمه غير المنتظمة بدقّة، عندئذ سيظهر بوضوح تامّ أنّ التجربة الأولى، لا تقدّم الصّورة الصّحيحة للظّواهر، ولا حتّى وصف الظّواهر المنتظمة بدقّة، وبالتّالي فإنّ تلك العقائد البدائيّة الّتي تتعلق بظواهر معقّدة جدّاً، تفرض نفسها كعقائد سهلة كشرط أولي لازم لكي تكون مسليّة، وهي تفرض نفسها موسومة بسمة تجريبيّة واضحة وملموسة، وممّا يطيب للكسل الفكري هو حصره في نطاق التجريبيّة وتسميّة الواقعة واقعة، ومنع البحث عن القانون”.[12]

كما يرى باشلار أنّه بالنّسبة لمفكري القرن السّابع والثّامن عشر، أمثال العالمة الماركيزة دي شاتيليه (1706-1749) الّتي اشتهرت في أبحاثها وتعليقاتها على أعمال نيوتن، فقد كانوا يتحدّثون عن النّار على أنّها أساس التّمدد، وبواسطة التّمدد أصبح لدينا مقياس موضوعي. لكنّ ذلك لم يمنعهم من افتراض أنّ النّار هي القوّة الّتي تنكمش أو تحصر أو تخزن، وبفضل النّار فإنّ جميع الأجسام تحقق تجانس وتماسك أسسها، وبمجرّد دخول النّار في مركب، فإنّها تنحصر في فضاء أصغر بكثير جدّاً من ذلك الّذي تحتله من قبل، وعلى ذلك تصبح النّار أساس التّمدد ،كما أنّها أساس الانكماش”.[13]  وبنفس السّياق، يلفتنا قول الفيزيائي والكيميائي الشّهير في القرن الثامن عشر “بريستلي” ( 173 – 1804) أنّ أيّ شخص يتوصّل بأيّة وسيلة إلى توقع ظاهرة الكهرباء، هو شخص عبقري جدّاً، ولكنّ الاكتشافات الكهربائيّة – وفق تعبيره – هي وليدة المصادفة تماماً بحيث أنّ قوى الطّبيعة، وليس مفعول العبقريّة، هي الّتي تستحق الإعجاب”. وهذا يعني وفق باشلار، القول بتصوّر ثابت عند بريستلي، قائم على ردّ كلّ الاكتشافات العلميّة إلى المصادفة، بحيث يكون الفكر ليس سوى نتاج لتلك المصادفات الّتي سببتها التّجربة، وإذا ما راعينا بريستلي، فمعنى ذلك هو أنّ المصادفة هي من صنع كلّ شيء، والحظّ قبل العقل. لكنّ الأمر في أيّامنا ليس كذلك، حيث أنّ ظروف المختبر والمجرّب، وعبقريّة المنظّر تستثير الإعجاب. ولكي نظهر أنّ أصل الظّاهرة المستثارة هو أصل بشري، فإن ّاسم المجرّب هو الّذي يرتبط إلى الأبد دونما شكّ بالأمر الّذي أنشأه، كما هو الحال بالنّسبة لأثر زيمان، وأثر ستارك، وأثر رامان، وغيرها من الحالات الّتي يمكن اتّخاذها مثلاً لأثر اجتماعيّ بطريقة مّا ناتج عن تعاون العقول.[14]

والأمر نفسه يمكننا أن نراه على تصوّرات المادّة، فقد نظرت الفيزياء الكلاسيكيّة إلى المادّة على أنّها كيان حاوي لمفهوم جوهري هو الطّاقة، أي أنّ للمادّة جوهر هي الطّاقة، وبدونها لا توجد مادة، فالأمر هنا كما نلاحظ هو أمر تصوّر كيفي. أمّا في الحدوس المعاصرة، أصبح الأمر خلاف ذلك، حيث التّصوّر العامّ للمادّة تصوّراً أنطولوجياً، فالجوهر الفرد لم يعد يكفي ليضفي كيانه على جميع الظّاهرات الّتي ترتكز حوله وحسب، وإنّما أصبح يمنح بنيّة لكلّ طاقة تنبثق عنه، أي أنّ الجوهر الفرد نفسه، يتحوّل بصورة غير متّصلة من جراء امتصاص طاقة غير متّصلة وإرسالها، ولم يعد يكفي عندها أن نقول بأننّا نعرّف المادّة بالطّاقة كما نعرّف الجوهر بظاهراته، كما لم يعد من الجائز أن نقول بأنّ للمادّة طاقة، بل أصبح علينا على مستوى الموجود أن نقول بأنّ المادّة هي طاقة، والطّاقة بالمقابل هي مادة. وهذا يعود إلى الاستعاضة عن الوصف بالمعادلات، وعن الكيف بالكمّ. وقابليّة القلب الأنطولوجيّة الّتي تعني القلب المتبادل بين المادّة والطّاقة، هي ما تعبّر عن نفسها بشكل جليّ في معادلة أينشتاين المتّصلة بالمفعول الضّوئي الكيميائي، فقد كانت المادّة حسب تلك المعادلة تمتصّ طاقة الإشعاع تماماً، وترسل بدورها طاقة، وكان التّبادل بين الامتصاص والإرسال قابلاً للقلب كلّ القبول، كما كانت الإشارة بين كليهما تتمّ وفق معادلة واحدة، لذا فإنّ معادلة أينشتاين هي أكثر من مجرّد معادلة تحوّل، إنّها معادلة وجوديّة تقودنا إلى أن نمنح الكون للإشعاع والجسيم معاً، إلى المادّة والحركة على حدّ سواء.[15]

بتحليله لتلك العوائق، يقدّم باشلار تصوّره للقطيعة الابستمولوجيّة في تاريخ العلم، قطيعة تكون على صورة نظريات جديدة، تحقّق قفزة كبيرة في مسار العلم والفكر العلمي، وتبدو دون مثيل سابق لها، بحيث لا يمكن فهمها باعتبارها استمراريّة أو تطوير للعلم السّابق عليها.

وأوّل مظاهر القطيعة، تتجلّى في أنّ النّظريات العلميّة المعاصرة أكثر شمولاً، بحيث تحتوي الفكر القديم دون أن تنطلق منها، كالهندسات اللاإقليديّة الأكثر شمولاً من هندسة إقليدس، كونها تقوم على أساس من  المصادرات الجديدة. والأمر نفسه بالنّسبة للنظريّة النّسبيّة لأينشتاين، الّتي لا تعتبر، حسب باشلار، انفصالاً عن نظريّة نيوتن الكلاسيكيّة، وليست استمراراً لها ، فهي أشمل منها، كما أن نتائجها على الظّواهر لا تأتي نتيجة تطبيق مبادئ ميكانيكا نيوتن على الظّواهر.[16]

إنّ مبدأ القطيعة الإبستمولوجيّة عند باشلار يوحّد بين احتواء النّظريّة الجديدة للقديمة، وبين إحداث القطيعة معها، والمظهر الأوّل من مظاهر القطيعة لديه، يكمن في أنّ النّظريات الجديدة أشمل من القديمة، وتحتويها رغم انطلاقها من مبادئ تختلف عن مبادئها. أمّا المظهر الثّاني، فيتمثّل في أنّ نظريات الفكر العلمي المعاصر، تقوم على مراجعة مفاهيم العلم الكلاسيكي، بما فيها تلك الّتي تبدو ضمن هذا العلم بمثابة المبدأ الأوّلي، كمراجعة مفهوم المكان، والخطّ عند إقليدس، بالنّسبة للهندسات اللاإقليديّة. ومراجعة مفهوم الزمّان عند أينشتاين، بالنّسبة لزمان نيوتن. ومراجعة مفهوم الضّوء، والمادّة، والجسيم في نظريّة الكمّ بالنّسبة لما قبلها. وبالتّالي فإنّ القطيعة العلميّة عند باشلار، تشمل مراجعة المفاهيم العلميّة السّابقة، وهذه المراجعة تعني انتقالاً جدليّاً إلى مفاهيم أكثر شمولاً، حيث يتمّ مراجعة مفاهيم النّظريات القديمة، بالكيفيّة الّتي تعين حدود صدقها من جهة، وتحتويها من جهة أخرى.[17]

بالمحصّلة: تحدّث باشلار عن ثلاث مراحل أساسيّة للقطيعة الإبستمولوجيّة، أو بعبارة أخرى تحدّث عن ثلاث محطّات رئيسيّة مرّ بها تاريخ الفكر العلمي:

المرحلة الأولى: تمثّل الحالة ما قبل العلميّة، وهي مرحلة الأزمنة الكلاسيكيّة القديمة، وعصر النّهضة، إضافة للجهود المستمدّة من القرنين السّادس، والسّابع عشر، حتّى القرن الثّامن عشر. ويسمّيها باشلار بمرحلة الحالة الملموسة، حيث ينتهي العقل بالصّورة الأولى للظّاهرة، ويعتمد على أدبيات فلسفيّة تمجّد الطبيعة، وتغني بوحدة العالم وتنوّعه الغنيّ.

المرحلة الثّانية: هي المرحلة العلميّة، الّتي أحدثت قطيعة مع المرحلة السّابقة، وهي تبدأ من أواخر القرن الثّامن عشر، وتشمل القرن التّاسع عشر، ومطلع القرن العشرين. وهي عند باشلار تمثّل المرحلة الملموسة المجرّدة، وفيها يضيف العقل إلى التّجربة الفيزيائيّة الرّسوم الهندسيّة أو يستند لفلسفة البساطة.

المرحلة الثّالثة: هي مرحلة العقل العلمي الجديد، الّتي تبدأ منذ العام 1905، أي مع النّظريّة النّسبيّة الخاصّة، الّتي بدّلت مفاهيم أوليّة كان لا يشكّ بثباتها، لتكمل تلك القطيعة الثّانية فيما بعد، نظريات أخرى ضاعفت النّضج العقلي والرّوحي المدهش، خاصّة مع الميكانيك الكوانتي والتموجي عند دي برويل، وفيزياء المصفوفات عند هايزنيرغ، وميكانيك ديراك، فالميكانيكات المجرّدة والفيزياء المجرّدة الّتي ستتحكّم بكلّ إمكانات الاختبار. وهي مرحلة الحالة المجرّدة، وفيها يباشر العقل معالجة المعلومات المأخوذة طوعاً من حدس الميدان الواقعي، المنفصلة طوعاً عن التّجربة المباشرة.[18]

في الختام: نجد أنّ فلسفة باشلار حول تطوّر الفكر العمليّ ترى أنّ العقل ليس بنية ثابتة، بل هو بنية لها تاريخ، وتاريخها في تطوّر معارفها. إنّ بنيتنا العقليّة تنتج معارف، لكنّها تخضع بدورها لتأثير تطوّر هذه المعارف، فتعرف بذاتها تطوّراً، فالعلم بصفة عامّة، يعلّم العقل الّذي يخضع بدوره للعلم الأكثر تطوّراً، فتغدو بذلك الثورات العلميّة نتيجة لتلك العلاقة الجدليّة بين النّتاج العقليّ، والفعاليّة العلميّة المتطوّرة”.[19] وذلك يقوم على الخيال وحلم اليقظة، أكثر ممّا يقوم على التّجربة الّتي تتلخّص مهمّتها الفعليّة باستبعاد ضبابيّة وغشاوة هذا الحلم. إنّ نفس الفعل الّذي يتعامل مع نفس المادّة ليعطي نفس النّتيجة الموضوعيّة، ليس له نفس المعنى الذّاتي بالنّسبة لعقليات مختلفة، مثل عقليّة الإنسان البدائي، وعقليّة الإنسان المتعلّم.[20] والفكر الإنساني لم يبدأ كفصل لدراسة الفيزياء، فالثّمرة الّتي تسقط من فوق الشّجرة، والمجرى الّذي ينساب، لا يثيران أي تساؤل، أو لبس بالنّسبة للعقل السّاذج للإنسان، فالبدائي كان يتأمّل مجرى الماء دون أن يفكّر.[21]

يقول باشلار:” إنّ المبدأ الأوّل للتّربية العلميّة يبدو لي في الملكوت الفكريّ، إنّه هذا الزّهد الّذي هو التّفكير المجرّد الّذي وحده يستطيع أن يقودنا إلى سيادة المعرفة الاختباريّة، لذلك لا بدّ من التّأكيد على ضرورة إجراء تحليل نفساني للمعرفة الموضوعة، على اعتبار أنّه حتّى في ملكوت العلوم الصّحيحة لا سيّما الفيزياء، يعتبر خيالنّا إعلاءً وتسامياً وتصعيداً، وهذا الأمر مفيد، لكنّه يمكن أن يخدع طالما أنّنا لا نعرف ما نمجّد، وكيف نمجّده، وهذا لا يكون صالحاً إلاّ بقدر ما نحلّل مبدأه نفسياً، ونفسياً لا توجد حقيقة دون خطأ مصحّح، وإن سيكولوجيا الموقف الموضوعي هي تاريخ أخطائنا”.[22]

********

[1] محمد وقيدي: فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار،  دار الطليعة، بيروت، ط1، 1980، ص 67.

[1]محمد عابد الجابري : مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانيّة المعاصرة وتطوّر الفكر العلمي،  مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، ط3، 1994، ص 267-268.

[2]محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانيّة المعاصرة وتطوّر الفكر العلمي، مرجع سابق، ص 469.

 [3] محمد وقيدي: فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار،  دار الطليعة، بيروت، ط1، 1980، ص 76-77.

[4]جاستون باشلار: النّار (التّحليل النّفسي لأحلام اليقظة)، ترجمة: درويش الحلوجي، دار كنعان، دمشق، ط1، 2005، ص 30.

[5]جاستون باشلار: النّار (التّحليل النّفسي لأحلام اليقظة)، مرجع سابق، ص 24.

[6] جاستون باشلار: الفكر العلمي الجديد، ترجمة: عادل العوا ،  وزارة الثقافة، دمشق، 1969، ص36.

[7]جاستون باشلار : النّار (التّحليل النّفسي لأحلام اليقظة)، مرجع سابق، ص 33.

[8]جاستون باشلار : النّار (التّحليل النّفسي لأحلام اليقظة)، المرجع نفسه، ص 146.

[9]جاستون باشلار : النّار (التّحليل النّفسي لأحلام اليقظة)، المرجع نفسه، ص 138-139.

[10] يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم في القرن العشرين، مرجع سابق، ص 445.

[11] محمد وقيدي: فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار، مرجع سابق، ص 109-110.

[12] جاستون باشلار : تكوين العقل العلمي (التّحليل النّفساني للمعرفة الموضوعيّة)،  ترجمة: خليل أحمد خليل، المؤسّسة الجامعيّة للنشر ، بيروت، ط3، 1986، ص  16-26.

[13] جاستون باشلار : النّار (التّحليل النّفسي لأحلام اليقظة )، مرجع سابق، ص 116.

[14]جاستون باشلار : تكوين العقل العلمي (التّحليل النّفساني للمعرفة الموضوعيّة )،   مرجع سابق، ص 26-27.

[15]جاستون باشلار : الفكر العلمي الجديد، المرجع نفسه، ص 70-71.

[16]محمد وقيدي: فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار، مرجع سابق، ص 136-137.

[17]محمد وقيدي: فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار، المرجع نفسه، ص 141.

[18]جاستون باشلار : الفكر العلمي الجديد، مرجع سابق، ص  6-7.

[19]محمد وقيدي: فلسفة المعرفة عند غاستون باشلار، مرجع سابق، ص 164.

[20]جاستون باشلار : النّار (التّحليل النّفسي لأحلام اليقظة )، مرجع سابق ، ص 46.

[21]جاستون باشلار : النّار ( التّحليل النّفسي لأحلام اليقظة)، المرجع نفسه، ص 88.

[22]جاستون باشلار : النّار ( التحليل النّفسي لأحلام اليقظة)، المرجع نفسه، ص 189.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق