تلّ الورد: منطق القراءة في شكل آلام الكتابة (ج2)

ثالثا : ربيع بين أبي المثنّى وحيّان

1 – التّغيير يأتي من الدّاخل أو لا يأتي

جميع أفراد أسرة المعراوي ترفض الواقع الجديد الّذي تعيشه بلدتهم “تلّ الورد”، وهو واقع القتل والمجازر والتّدمير الجنوني لمختلف أشكال الحياة، الطبيعيّة والبشريّة، فقد اكتسحت المقبرة الحقول والبساتين، وصارت السّيادة للموت وزبانيته، سواء من طرف عصابات الجيش المتعدّد الجنسيات الإقليميّة والدوليّة، أو من طرف فرق الموت الّتي أتى بها التّوحش الديني. ” صارت تلّ الورد مسرحا للصّراع بين الطّرفين. معارك ضاريّة خاضها الطّرفان، وصار القتلى بالمئات، تناثرت الجثث في الطّرقات، ونفقت البهائم، وشبعت الكلاب من الأحشاء المتعفنة، وانهارت جدران المنازل، وطاف المسلحون من كلّ قوم في أرجاء تلّ الورد.”1 وهذا العنف الدّموي والتّدمير الهمجي الّذي عاشته تلّ الورد كواقع  سوري لم تكن فيه تلّ الورد بريئة كلّ البراءة، بحيث إنّها تتحمّل قسطا من المسؤوليّة في  كلّ ما حدث. فالقاتل السّفاح والمتخصّص في جزّ رؤوس الأبرياء من النّاس العزل، فهو إمّا من جيش النّظام والطّوائف المذهبيّة التّابعة له، بمعنى هو باختصار من أبناء البلد قاتلا مباشرا، أو كان ابن البلد مجرّد مطيّة للأجانب في القتل والاغتصاب كما حدث مع كافي والشّيء نفسه حدث مع باهرة بشكل مقرف باعث على الغثيان والحقد والرّغبة في الانتقام…، ودفع الإنسان نحو الجنون أو الانتحار.” دخلت غرفتي، وقبل أن أغلق الباب كان الإيراني خلفي، ومن ورائه ابن تلّ الورد، نظرت إليه بتضرّع، وقلت له:

– هل ستتركه يغتصبني ألم تكن ترغب بالزّواج منّي؟ كيف تتخلّى عنّي للغريب؟

– وفري على نفسك الكلام يا باهرة.”2

ولا ننسى أنّ أغلب الّذين تملكهم الاحتجاج ضدّ الظّلم والطّغيان، كما تملكهم عنفوان ربيع ربيع الّذي سرعان ما تمكّنت منهم الهلاوس الدينيّة، وتلبسهم الوحش الدّيني مشخّصا في  أبي المثنّى وأمثاله، هم من تلّ الورد بالولادة، أي من التّربة الدينيّة الاجتماعيّة، والثقافيّة التّاريخيّة لبلدة تلّ الورد، كصورة شاملة للواقع الحيّ السّوري، الّتي كانت تبدو لساكنتها وللآخرين بمثابة جنّة ورد، مفعمة بالهناء والحياة الرّغيدة، وهي تخفي في أعماقها الكثير من الفواجع والتّناقضات المجتمعيّة سواء الّتي تنال من إنسانيّة الأطفال والنّساء، أو من قيم التّغيير الثقافيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة. بمعنى أنّ الوحش الّذي تلبس ربيع وحوله إلى مجرم حرب ضدّ شعبه والإنسانيّة لم يكن ليتأتى له ذلك إلا بسبب التّنشئة الاجتماعيّة الثّقافيّة الهشّة الّتي لم تستطع أن تسهم بشكل فعّال في بناء شخصيته على المستوى النّفسيّ والوجدانيّ، والذّهنيّ الفكري الثّقافي، الشّيء الّذي جعله قابلا للانشطار الوجدانيّ العصبيّ العدوانيّ وفق ثنائيّة معنا أو ضدّنا، مؤمن، كافر، حسب ما تمليه لغة الاقصاء والكراهيّة وأسطرة الآخر المستقلّ المختلف إلى درجة شرعنة قتله كواجب دينيّ قرباني في التّضحيّة به حتّى ولو كان أخا، أمّا، أو أبا…،هكذا كان يُكره أبو المثنّى أباه على الانضمام إلى جماعته الإرهابيّة، كما ضغط على أمّه  للبصم على ورقة الاستتابة  ” حقيقة أنّك علويّة ووجب عليك التّوبة، وهذه ورقة الاستتابة، عليك أن تبصمي عليها معلنة فيها خروجك من تلك الفرقة الضّالة، والالتحاق بالفرقة النّاجية، أولئك فرقة هالكة، وينبغي قتلها وسبي نسائها، وأنا يا أمّي، أريد أن أحميك من القتل والسّبي”3

إنّ ربيع تلّ الورد، أو جنّة الورد يحمل في جوفه إمكانات كثيرة من ضمنها وحشا قاتلا مدمّرا لنفسه وللآخرين لأنّه استبطن الجبن والتّبخيس والدونيّة والعجز والتّمترس وراء العادات والتّقاليد، وكلّ ما يعنيه الجهل المقدّس، وفقدان الثّقة والأهليّة في الذّات. وانحصر وجوده بفعل التّصحر الاجتماعيّ السّياسي الّذي فرضه النّظام بتمدّده في كلّ مظاهر الحياة اليوميّة، وجميع المرافق الاجتماعيّة المدرسيّة والدينيّة والمجتمعيّة، بحيث ضيّق الخناق على الوجود الانساني لشعبه وحاصره في عالم ضيّق محدود لا يتجاوز أسرته قبيلته، طائفته ومذهبه…، وهذا ما عبّر عنه عمران بشكل واضح كشابّ يجهل الكثير من الأشياء عن طبيعة المجتمع الّذي يعيش فيه، في ذاكرته التّاريخيّة، وفي تنوّعه الإثني والطّائفي والدينيّ والمذهبيّ…،” قبل خروجي من تلّ الورد للعمل في المدينة الكبيرة لم أكن أعرف شيئا عن الطّوائف والمذاهب والأديان والقوميات، كنت أعتقد أنّ الجميع مثلنا في تلّ الورد.”4  ولهذا كان ربيع  مجرّد وسيلة لتأبيد وتكريس الوضع في نوع من التّواطؤ الذّاتي مع قوى القمع السّياسيّ والتّحريم الدينيّ في إعادة إنتاج القهر والخراب، ولجم حركة التّغيير. ففي غياب ذات مؤهلة قادرة على التّحكم في زمام مصيرها، خاصّة عند الأزمات الّتي تدفع بالانسان، إلى الهروب أو الانكفاء على الذّات، أو إلى أن يتحوّل إلى وقود للعنف والدّمار، كان من الطّبيعي أن يتلبس أبو المثنّى ربيع فيسكن روحه وجسده في صورة أقرب إلى المسخ الوحشيّ. هكذا كانت تراه عائلته” آل شقيقي إلى وحش”5. ” أصحو من وهمي على وجهه الممسوخ، وهو يكشّر عن أنيابه”6.

وكأنّ رواية تلّ الورد تخبرنا بمسؤوليتنا أيضا في شرّ المأساة وهي تنبهنا إلى الأسئلة الصّعبة الّتي نتحاشا التّفكير فيها وطرحها بجرأة فيما يتعلّق بدورنا في إعاقة التّغيير. واستراتيجيّة الكتابة في الرّواية تحفّزنا وتدفع بنا إلى اختيار فرضيات تأويليّة خاصّة خلال قراءة المعاني العميقة لشخصيّة ربيع، حيث يتأسّس نوع من النّقد الذّاتي الّذي تقترحه علينا تلّ الورد،  فالرّواية تبيّن لنا المعركة الخاطئة الّتي خاضتها شخصيّة ربيع، الذّات ضدّ الذّات ليس بهدف التّنوير الدّاخلي لتعريّة أسس وآليات الهدر الذّاتي الّذي رسّخه نظام الأبد عبر عقود من التّصحر السّياسي، والتّخلص من الشّفرة الوراثيّة للاّشعور النّفسي الثّقافي الاجتماعيّ التّاريخيّ الحافر في الأعماق، بل تكريسا للعبوديّة المختارة في التّدمير الذّاتي للمجتمع والبلد من خلال أشكال المسخ الهمجيّ الّتي انتشرت من كلّ المذاهب الدينيّة السّياسيّة. هكذا تفضح الرّواية مناطق ظلّنا، وهي تكشف لنا عن الصّورة المرعبة الّتي تجعل الواحد منّا، كشخصيّة ربيع، يتحوّل عند الشّدة والأزمة من كائن وديع إلى ديناصور مرعب، وومسخ مؤذي وسط أسرته، وإلى وحش قاتل وسط شعبه. وهنا تكبر الأسئلة حول الأشياء الخطيرة الّتي تسلّلت على غفلة منّا وعششت داخل عقول أبنائنا وهي تتسرّب عبر حليب الطّفولة للأمّ المقهورة، ومن خلال المعتقدات والتّصورات الدينيّة للمتخيّل التّاريخيّ للفرقة النّاجية الّذي أسّسته  الفرق والطّوائف والعصبيات الدينيّة السّياسيّة عبر تاريخ الحكّام الّذي هو تاريخ البلاطات، و العائلات والحروب،  منذ فجر تاريخ المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، بعيدا عن التّاريخ المغيّب والمسكوت عنه للمهمّشين و”الأوباش” المحكومين. لا يمكن أن يسكنك وحش قاتل كأبي المثنّى الّذي سكن ربيع فألغى كيانه ووجوده إلاّ عندما تعجز الذّات عن تشكيل مركز ضبط داخلي، ممّا يجعل مرجعيّة خارجيّة تتحكّم في البنيّة النّفسيّة حارمة الإنسان من تواصله النّقدي الذّاتي بما ينمي ويطوّر تكوينه الذّهني وشخصيته، وفكره النّقدي، وعقلانيّة حياته كمشروع وجودي. من خلال اكتساب آليات إيقاف التّفكير الهوامي المرضي، الّذي يخرج الذّات من الواقع إلى اللاّواقع في نوع من الهروب من مشكلات وتحديات الحياة .وتحرمه أيضا من اكتساب الشّجاعة على الفضح الذّاتي الفردي والمجتمعي للمشكلات النّفسيّة والاجتماعيّة. والتّخلّص من أسر المظاهر الّتي تكلف الإنسان غاليا في حياته. وترهقه نفسيا وماديا وهي تجرّده من قيمته وقيمه وكرامته، في مقابل قناع يستر خواءه الوجودي والإنساني.” عد إلى ربيع الّذي نعرفه، واخلع عنك هذا الوجه القبيح”7 وهو يسبح في عالم كلّه هوامات مرضيّة لا يتّسع فيها العقل لأكثر من فكرة قابعة في المثلث الجنسي لخيالات الوسواس القهريّ للحور العين والفحولة المجروحة في كبريائها الذّكوري.” أبو المثنّى الآن يسبح في الجنّة مع الحور العين”.8هكذا يتجاوز عقل الأتباع أو القطيع واقعهم بالخيال المرضي المدمّر للذّات والآخر والمجتمع والوطن.

وكانت نهاية أبي المثنّى مروعة لمشروع ذكوري بائد مشدود إلى كوابيس وهلوسات الماضي المجيد للمتخيّل الديني التّاريخي الّذي صنعته الخيبات والهزائم والعجز المتعلّم لقرون من الانحطاط التّاريخي العفن الّذي يكرّس التّوارث الآسن بتعبير مصطفى صفوان. فكانت نهاية سيرورة عنفوان حياة ربيع مروّعة وكارثيّة، وهي تجهض الأمل في التّغيير وتخرّب البلد الإنسان، ووالد وما ولد، وتدمّر حلم  تغيير البيئة المجتمعيّة الّتي كان من الممكن أن تحتضن حلم الدكتور حيّان.

في الرّواية رفض لما آلت إليه سيرورة ربيع، فكلّ الشّخصيات تحتجّ ضدّ أبي المثنّى الّذي تلبس ربيع وسرق أحلامهم وثورتهم، لذلك كلّهم يطالبون بعودة ربيع كما عرفوه، ربيع الّذي رفض أن تلوّث يديه بدماء أهله” أين ابني ربيع الّذي رفض أوامر رئيس المخفر بإطلاق النّار على المتظاهرين، وترك المخفر وعمله، كي لا يتورّط في قتل أبناء قريته، وتلوّث يداه بالدّماء”9. ورغم هذا المنعطف السّلبي الّذي صار ربيع عبدا له بشكل أعمى، وقد تحوّل في هذا الجوّ الفاسد الموبوء الّذي عمّ فيه التّشدد إلى شتاء قاتل” وربيع لم يعد ربيعا، صار شتاء قارسا لا يعود إلينا إلّا ليلسعنا بزمهريره”10 فإنّ أفراد أسرته رفضوا الاعتراف بقناع أبي المثنّى الّذي تلبس ربيع، وبسبب كراهيتهم لأبي المثنّى أنكروا معرفتهم بربيع إلى درجة إلغاء وجوده، ممّا جعل الأمّ تنكر إنجابها لإبن اسمه ربيع. ” أنا ما عندي ابن اسمه ربيع يا باهرة، أنا لم أنجب سواك وعمران… فعن أي ربيع تتحدّثين”11 لأنّ الحبّ هو الّذي يجعله الإنسان حاضرا كائنا موجودا.” هذه ليست رائحة أخي، هذا ليس أريج ربيع، هذا عطر فاسد.”12 ورغم كلّ المعاناة والخيبات والكارثة المأساويّة الّتي حلّت بتلّ الورد، فقد ظلّت باهرة وعمران يشكّان في موت ربيع وهما يحلمان يوما بعودة ربيع القديم” كنت أحلم بأن يعود إلينا ربيع القديم، ربيع الصّغير الّذي كنت أهدهده بين ذراعي، ربيع الوسيم قبل أن يلبس القناع، ربيع الّذي سيكون سندا لي في هذا الزّمن الموحش، ويثأر من كلّ الّذين اغتصبوني وعبثوا بي، وبتلّ الورد”13

2 – كافي وعمران: يموت الديّك وعينه على المزبلة

تلك الشّفرة النّفسيّة للاّشعور النّفسي الثّقافي الاجتماعي في تصوّراتها ومعتقداتها الضّيقة المنهج والرّؤية، والمحدودة الدلّالة والمعنى، والمتصلّبة الذّهن والمعقّدة البناء الشّخصي هي الّتي ورّطت ربيع في فخّ قناع الوحش أبي المثنّى، وفي الوقت نفسه حالت في ثنائياتها النّمطيّة دون اندماج كافي وعمران بالواقع الإنساني الجديد في هولندا، حيث وقفت الصّمائم الأوليّة النّفسيّة الثّقافيّة ضدّ الانفتاح وتقبّل الآخر في تنوّعه واختلافه. وهذا ما جعلهما حسب ميشيل ينظران بعين إرث أجدادهما إلى هذا الواقع الّذي احتضن حياّن ووفّر له حياة كريمة ومعترفا بقيمته الانسانيّة. الشّيء الّذي جعلهما يشعران بالغربة، ” شعور الإنسان بأنّه في غير مكانه.”14 إنّه شعور قاتل بالنّسبة لهما، فهو  أكثر من الموت الهمجي الّذي كان وراء نزوحهما القسري من تلّ الورد. فإرث الأجداد المسيج إلهيا كمقدّس منزّل في المعتقدات والتّصورات، والعادات والتّقاليد، وفي نمط الوجود ورؤية العالم المالكة لحقيقتها المقدّسة بالتّوارث الآسن أبا عن جدّ صدّت رؤية الحياة الّتي احتضنت حيّان والّتي رأى فيها ما لم يستطع الوالدان رؤيته ” لكنّ الغمامة الّتي غطّت عيون أهلي، جعلتهم لا يبصرون شيئا، ممزّق بين خوفي على أهلي إذا اتّخذت قراري، ونفذت ما عزمت عليه، وبين خوفي على نفسي إذا طاوعتهم، وعدت معهم. عودتي تعني الموت في كلّ الأحوال، سواء أمت أم لم أمت، فالعيش هناك موت بطيء، وأنا سئمت الموت، بعد أن شاهدته مرّات بأمّ عيني، لكنّ القدر كان يتدخّل، وينقذني في كلّ مرة، الآن أريد الحياة، وعليّ أن أنقذ نفسي.”15 وإزاء هذا الواقع المؤلم لهما كصدمة نفسيّة ثقافيّة واجتماعيّة، الصّدمة الّتي تجاوزت في رعبها الدّاخلي كلّ الآلام والمعاناة ومخالب الموت الّتي كادت أن تنهي حياتهما في تلّ الورد، قررا العودة إلى البلدة حيث يتقاتل الإخوة المسلمون. “دعنا نرجع إلى تلّ الورد، ونموت هناك، على الأقل نموت على دين الإسلام والمسلمين، وليس هنا بين الكفّار، يا لطيف بصراحة أقول لك: ما الفائدة من أن نكسب كلّ شيء ونخسر ديننا؟”16

هكذا نجد أنفسنا أمام الأسئلة الصّعبة، كيف يمكن للتّصورات والمعتقدات والقناعات الثقافيّة الدينيّة الّتي تشرّبها الإنسان من طفولته أن تتحكّم في تحديد مصيره بهذا الشّكل المرعب الأعمى فتنتصر نزوة الموت على نزوة الحياة؟ وما دور البنيات التّحتيّة النّفسيّة الثقافيّة الاجتماعيّة العميقة الّتي تشكّل الإنسان وتحدد رؤيته للعالم، وتفرض دلالات وجوده، لأنّ القارئ يستغرب قوّة الجهل المقدّس في صناعة حياة الإنسان الانغلاقيّة والقطعيّة الّتي لا تقبل الحوار والتّواصل العقلاني النّقدي مع الذّات والآخر والعالم، قصد تنمية الذّات وتقوية حضورها في العالم بدل الانكماش والخوف والانسحاب في نوع من استبطان قوقعة الهروب والخنوع والعبوديّة الّتي سيّدها التّسلط والاضطهاد السّياسي بخلفيات دينيّة إيديولوجيّة تحن إلى الماضي، أو بالأحرى إلى مخلّفات الماضي الأقرب إلى المزبلة، حيث يعود الموتى  بمخالبهم  المضرجة بدماء الجهل والقهر والتّوحش للتّحكم في حياة الأحياء، إذ يمسك الميّت بيد الحيّ. فإزاء هذا الرّفض المشحون بالكراهيّة للواقع الجديد في هولندا من طرف كافي وعمران نتذكّر ما أشرت إليه حول الاستعداد النّفسي الثّقافي الاجتماعي الّذي جعل ربيع سهلا في متناول التّوحش الديني. ولعلّ الأمر يبدو مفهوما للقارئ الّذي له اطلاع بالدّراسات والأبحاث المتعلّقة بسيكولوجيّة المقهور ونشير هنا بشكل خاصّ إلى الكتب الهامّة لمصطفى حجازي سواء في: التّخلف الاجتماعي سيكولوجيّة الانسان المقهور، أو في كتاب الإنسان المهدور. حيث البنى النّفسيّة الاجتماعيّة له دور خطير في تشكيل الذّات الإنسانيّة.

3 – حيّان: جحيم الدّلالات

بعد أن تحقّق حلم حيّان بلم شمل أسرته، وجد نفسه غارقا في حرب جهنميّة بين ما يعيشه كعلاقات اجتماعيّة وتفاعلات ودلالات، أي كواقع إنساني احتضن طفولته ونظم حياته بشكل حضاري مناسب في التّنظيم والتّفكير والتّفاعل… ، وفي الأخذ والعطاء والانفتاح على الذّات والتّخلص من المغالطات الّتي تشبع بها في بلدته حول الذّات والآخر والعالم، خاصّة على مستوى المسكوت عنه إلى درجة التّحريم في كلّ ما يتعلّق بالتّربية الجنسيّة والعلاقة مع الجسد…، وبين العين الثقافيّة الاجتماعيّة الّتي تشتغل كموجّه إرشادي لنظرة والديه للواقع الغربيّ، باعتباره دار كفر، يستحيل التّواصل معه، والتّكيف مع تنوّعه واختلافه في العيش والتّفاعل بما يمكن أن ينمي الذّات، ويعمّق نظرتها ويوسّع آفاقها، بما يسمح بالسّؤال والنّقد والاستعمال الحرّ للعقل والفكر. لكنّ إرث الأجداد كعبء ثقيل حرمهما من اغتنام فرصة النّماء وعيش الصّيرورة في تكذيب الكثير من الحقائق الّتي تبدو لهما ناجزة ونهائيّة.” أهلي مايزالون عالقين هناك، في تلك الفيافي، ويرفضون أي تغيير، بل زادتهما الغربة تعلّقا، فصاروا يرون حتّى المساوئ في بلادنا حسنات، ويشيحون بوجههم عن هذا البلد الّذي أغدق علينا بخيراته، وقدّم لنا كلّ ما يقدّمه لمواطنيه، ولم يروا فيه سوى العيوب، بل وضعوا عليها عدسة مكبرة، وراحوا يضخمونها أكثر ممّا ينبغي”.17

لكنّ الإبن حيّان عندما أصرّ الوالدين على الرّحيل إلى تلّ الورد رغم ما تعرفه من تدمير وخراب وتهديد مستمرّ بمختلف أشكال العنف والموت، بدعوى الحفاظ على التّقاليد والدين والموت في بيئة الإسلام، اتّخذ قرارا مستقلّا بناء على مراجعة نقديّة للتّجربة الحياتيّة لما عاشه من محن ومعاناة من تلّ الورد إلى هولندا مرورا بمختلف عذابات الهجرة السّريّة عبر قوارب الموت وهو يحاكم انشطار شخصيّة المسلم والمسلمة وهما كوالدين يضحّيان بابنهما في ظروف وشروط لا إنسانيّة كطفل كان مطالبا أن يكون رجلا رغما عنه.” تهاجمني تفاصيل رحلة الموت، تتداخل مع هواجس عن الكفّار والمسلمين، أنا لا أعرف من هو الكافر ومن هو المسلم، صوت أبي الّذي يقول  نريد أن لا نخسرك، وصورته يوم ضحّى بي، وأودعني بين يدي المهرّبين، وتجّار الدّم، ألم يفكّر أنذاك أنّه سيخسرني؟ وكان من الممكن أن أصبح طعاما للقروش، كعشرات الّذين غرقت بهم قوارب الموت.”18 هكذا وجد حيّان نفسه في جحيم الدّلالات بين إرث أجداده الّذي يشبه ” عملة قديمة، نعتزّ بها، لكنّك لا تستطيع أن تدفع بها ثمن القهوة”19. وبين الحضن الدّافئ للبيئة المجتمعيّة الغربيّة الّتي اعترفت به كذات مستقلّة حرّة وفاعلة، وتملك حقّ قرارها واختياراتها بعيدا عن أيّة وصاية. إلى جانب انفتاح فرص الحياة والمستقبل بشكل أفضل. ونتيجة هذه الحرب الجهنميّة الّتي كانت تخاض في داخله قرّر أن يركب موجة أخرى لعلّها تصل به إلى برّ الأمان لأنّ “حلمي بلم الشّمل تحوّل إلى كابوس أرعبني.”20

*****

الهوامش:

  1. تلّ الورد،163.
  2. تلّ الورد، 161.
  3. تلّ الورد، 145.
  4. تلّ الورد، 45.
  5. تلّ الورد، 145.
  6. تلّ الورد، 138.
  7. تلّ الورد، 146.
  8. تلّ الورد، 163.
  9. تلّ الورد، 137.
  10. تلّ الورد، 137.
  11. تلّ الورد، 155.
  12. تلّ الورد، 145.
  13. تلّ الورد، 165.
  14. تلّ الورد، 264.
  15. تلّ الورد،278.
  16. تلّ الورد، 277
  17. تلّ الورد، 275.
  18. تلّ الورد، 273.
  19. تلّ الورد، 264.
  20. تلّ الورد، 274.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق