موريس بلانشو في مسلخ التّرجمة العربيّة

ملاحظات على ترجمة عزّ الدّين الشّنتوف لكتاب «كتابة الفاجعة»

 

سئل المفكّر العربي الكبير عبد الله العروي، ذات مرّة، عن التّرجمة، فأجاب جوابا له دلالة عميقة، قائلا: التّرجمة هي آفة الثّقافة العربيّة. وكنّا قد تطرّقنا، في مناسبات سابقة، إلى بعض أوجه هذه الآفة، كان آخرها مقال بعنوان «وتستمرّ آفة الثّقافة العربيّة: شناعات في التّرجمة العربيّة لكتاب “الفلسفة الأمريكيّة” لجيرار دولودال»، وقفنا فيه على مجموعة من الشّناعات الّتي ارتكبها مترجما الكتاب: جورج كتورة وإلهام الشّعراني. وها نحن نعود، مرّة أخرى، إلى مسلسل آفة الثقافة العربيّة، ولكن هذه المرّة مع التّرجمة العربيّة لكتاب موريس بلانشو «كتابة الفاجعة»[1]  (L’Écriture du désastre) الّذي أصدرته دار توبقال للنّشر خلال السّنة الماضيّة 2018، والصّادر في الأصل عن دار النّشر الفرنسيّة غاليمار عام 1980. وهي التّرجمة الّتي نال بها السّيد عزّ الدّين الشّنتوف جائزة الأطلس الكبير للتّرجمة في دورتها الخامسة والعشرين (2019) الّتي ضمّت في لجنة تحكيمها باربرا كاسان، فريدريك لاغرانج، عبد السّلام بنعبد العالي وآخرين… لكنّ السّؤال الّذي يطرح نفسه هو: هل اطّلع هؤلاء بالفعل على التّرجمة؟ ولهذا السّؤال مشروعيته كما سنبين لاحقا. فبقدر ما نحيي دار النشر المغربيّة، ومعها السيد عز الدين الشّنتوف، على جرأة التّفكير في ترجمة أحد أصعب نصوص موريس بلانشو وأشدّها استغلاقا (حتّى على فهم المثقّفين الفرنسيين!)، نأسف لكون هذه التّرجمة لم تحقّق المبتغى منها، بل نرى أنّها شكّلت إهانة ما بعدها إهانة لذكرى الكاتب الفرنسي الكبير، واستخفافا سافرا بأبجديات التّرجمة وقواعدها وأخلاقياتها.

كيف ذلك؟

لن نطيل الكلام في مسألة مدى صحّة ترجمة كلمة «désastre» بالمقابل العربيّ «فاجعة». فلن نحتاج إلى التّذكير بمراهنة بلانشو على الاشتقاق اللاّتيني لكلمة «désastre» (من البادئة اللاتينيّة «dis» الدّالة على الانفصال، والكلمة اللاتينيّة astrum»» المنحدرة بدورها من الكلمة الإغريقيّة  «ἄστρον» الّتي تعني النّجم) من أجل ما يؤمه من معاني التّيه والانبتار والحيرة والضّياع والفقدان…إلخ، الأمر الّذي لا تتيحه كلمة «فاجعة» العربيّة الّتي لا يمكن أن تقابل كلمة«désastre»  إلاّ في سياقات محدّدة. فليست قواميس اللّغة مجرّد صناديق قطع غيار يقوم بعضها مقام بعض من دون قيد ولا شرط. وقد تكون كلمتا «نكبة» و«انتحاس» أوفى، إلى حدّ مّا، بالمعنى الاشتقاقي اللاّتيني الّذي ذكرنا بالمقارنة مع كلمة «فاجعة»؛ ذلك أنّ من معاني مشتقات «نكب» في أمّهات المعاجم العربيّة: العدول، التّباعد، التّنحي،…إلخ؛ ومن معاني مشتقات «نحس» في هذه المعاجم أيضا: الجفاء، أي المجانبة والتّباعد؛ وكلّها تداني معنى الانفصال بدرجة مّا. وأيّا كان الأمر، فلا ندري سبب تشبّث المترجم بكلمة «فاجعة»، حتّى أنّه وجد نفسه في موقف لا يحسد عليه حين استهل ترجمة إحدى فقرات النّص على هذا النحو: «إذا كانت الفاجعة تعني الانفصال عن النّجم…»[2]! فأي اشتقاق عربي يا ترى يفيد بأنّ «الفاجعة» هي «الانفصال عن النّجم»؟ ألم يكن حريا بالمترجم، في هذه الحالة، أن يدع الكلمة الفرنسيّة«désastre»  بحروفها اللاتينيّة كما هي، أو أن يلجأ، عند الضّرورة القصوى، إلى نسخ الكلمة مثلما فعل كتابنا المعاصرون مع كلمات من قبيل «لوغوس»، «إيبوخي»، «دازاين»، «إبستمي»، «بردايم»…إلخ، فيقول «دِزَسْتَر»، مع إسعاف القارئ في الهامش بما يلزم من الشّروح اللّغويّة والتّاريخيّة والمفهوميّة؟

إنّ أوّل ما يصدم القارئ في ترجمة السيّد الشّنتوف هو نزعتها الحرفيّة المتطرّفة الّتي أوقعتها في مطبّ الرّكاكة؛ لكنّ «الفاجعة» الحقيقيّة تكمن في الأخطاء اللّغويّة والمعرفيّة الفادحة الّتي ارتكبها المترجم. أمّا الأخطاء اللغويّة، فنذكر منها، على سبيل المثال، ما يأتي:

  1.  قوله في ترجمة كلمة«exclu» : «مَقْصِيّ»[3]، والصّواب كما يعلم الكثيرون: مُقْصى، اسم المفعول من أَقْصى؛ أمّا مَقْصِيّ، فهو اسم المفعول من قَصيَ بفتح القاف وكسر الصّاد.
  2. قوله في ترجمة «tâche»: «مَهَمَّةَ»[4]، بفتح الميم والهاء. والصّواب كما نعلم: مُهِمّة، بضمّ الميم وكسر الهاء؛ أمّا المَهَمَّةَ، فمن الهم. وأيضا: من هم بالشّيء، أي نواه وقصد فعله.

وأمّا الأخطاء المعرفيّة، فنعني بها، أوّلا، أخطاء التّرجمة الرّاجعة إلى سوء فهم معاني العبارات الفرنسيّة. وهذه طائفة منها:

  1.  يترجم السيّد الشّنتوف العبارة الآتيّة:

«Hors d’atteinte est celui qu’il menace.»

على هذا النّحو: « ومن لا يطوله التّهْدِيدُ هو من يهدِّدُ»[5].

والحال أنّ العبارة الفرنسيّة تقول إنّ المتعرض للتّهديد يبقى بعيدا عن الخطر أو في مأمن منه. أمّا المترجم، فقد حرف المعنى، وجعل المفعول هو الفاعل، متجاهلا ضمير الغائب «il»؛ ذلك أنّ بلانشو يقول: «qu’il menace»، ولا يقول: «qui menace»!

  1.  يترجم السّيد الشّنتوف القول الآتي:

«Mourir nous donne parfois (à tort, sans doute) le sentiment que, si nous mourrions, nous échapperions au désastre, et non pas de nous y abandonner.»

على هذا النّحو: «وأحيانا يشعرنا الممات (على سبيل الخطأ دون شك) بأنّنا قد ننفلت من قبضة الفاجعة إن متنا، ولكن لا يعني ذلك أنّها أخلت سبيلنا»[6].

ونلاحظ أنّ المترجم فهم عبارة: «nous y abandonner» بمعنى «أخلت سبيلنا»، بينما المراد هو: «أن نستسلم لها»، أي لـ «الفاجعة»! أمّا عبارة: «ولكن لا يعني ذلك»، فهي محض تزيد من المترجم ناجم، فيما يبدو، عن عدم فهم صيغة النّفي الواردة في النّص!

  1.  يترجم السّيد الشّنتوف العبارة الآتيّة:

Si la créature est «celui qui doit sa situation à la faveur de l’autre.»

على هذا النّحو:

«إذا كان الإنسان “هو من يسخر وضعه لخدمة الآخر”»[7]!

بينما الصّواب هو: «إذا كان المخلوق هو “من يدين بما هو عليه للآخر”»، أو: «إذا كان المخلوق هو “من وجد على الحال الّتي هو عليها بفضل الآخر”»…إلخ. فكيف تغيب عن المترجم الجرئ مثل هذه البسائط؟

  1.  يترجم السّيد الشّنتوف العبارة الآتيّة:

«Passivité n’est pas simple réception, pas plus qu’elle ne serait l’informe et l’inerte matière prête à toute forme.»

على هذا النحو:

«ليست الاستكانة مجرّد تلّق، وقد لا تكون سوى المادة الجامدة القابلة لأيّ شكل»[8].

وهنا نرى أنّ السّيد الشّنتوف قد ترجم عبارة «pas plus qu’elle ne serait…» بالقول: «وقد لا تكون سوى…»؛ بينما الصّواب هو: «ولا هي…»؛ فتكون التّرجمة الأقرب إلى الصّواب هي: «ليست الاستكانة مجرّد تلق، ولا هي المادّة الغفل والخاملة المستعدة لقبول أي صورة»!

  1.  وترجم السيد الشّنتوف العبارة الآتيّة:

«Suspens de l’être : syncope comme coupure du temps…»

على هذا النّحو:

«تشويق الوجود: نوبة كأنّها انقطاع الزّمن…»[9]! بينما المراد بكلمة «suspens» عند بلانشو هو «التّعليق» وليس «التّشويق». أمّا كلمة «syncope»، فلها معنيان: أحدهما طبي، والآخر موسيقي؛ وهو المراد في هذا السّياق. إنّه «السنكوب» الإيقاعي المعروف في حقل الموسيقي، وليس «نوبة» الغشي المرضيّة. وقد عرّب المصطلح الموسيقي على هذا النّحو، أي «سنكوب»، منذ زمن. فتكون التّرجمة الأقرب إلى الصّواب هي: «تعليق الوجود: سنكوب من حيث هو انقطاع للزّمن». ولا بأس بعد ذلك من تنوير القارئ في الهامش بمعاني المصطلح في حقل الموسيقى، وبالغاية من استخدامه من قبل بلانشو.

ونعني بالأخطاء المعرفيّة، ثانيا، ما تحتويه تعاليق المترجم، في الهامش، من معلومات مغلوطة ومضللة لملايين القرّاء العرب. ولعلّها أمّ المصائب في ترجمة السّيد الشّنتوف للكتاب. ومن هذه الأخطاء الّتي وقفنا عليها، نذكر الآتي:

  1.  يعلّق المترجم على ذكر اسم «بونافينتورا»(Bonaventura) في الكتاب، قائلا: «كافالييري بونافينتورا (1598-1647)، عالم رياضيات إيطالي، درس اللاّهوت والهندسة، وارتبط بغاليلي في جامعة بولون [كذا؛ والصّواب: بولونيا]، فأنشأ هندسة جديدة تتعلّق بما لا ينقسم، واهتمّ بعلم الفلك أيضا»[10]. والحال أنّ «بونافينتورا» الّذي يذكره بلانشو في كتابه لا علاقة له بالعالم الإيطالي، بل هو الشّاعر الرومانسي الألماني الّذي لا تعلم هويته الحقيقيّة، ولا يعرف بغير اسم «بونافينتورا»؛ وهو مؤلّف كتاب «الأسمار» Nachtwachen)) الصّادر عام 1804. وهذا أمر ما كان يجب أن يغيب عن السّيد المترجم الّذي تكرّم بتقديم الكتاب والتّعليق عليه!
  2.  يورد المترجم اسم «فيشتر»[11]، الوارد في الكتاب هكذا، من غير أن يخبرنا عنه بشئ في الهامش. والحال أنّ الأمر يتعلّق بالفيلسوف الألماني فيشته(Fichte) ! ويبدو أنّ الخطأ من الطّبعة الفرنسيّة الّتي اعتمد عليها المترجم، وفيها نجد بالفعل («Fichtre»)، بزيادة حرف «r». لكنّ هذا لا يشفع للمترجم الّذي كان عليه التّحقق من سلامة المقروء. ويشار إلى أنّ القولة المترجمة وردت في كتاب فيشته «مصير الإنسان» (Die Bestimmung des Menschen) الذي صدر عام 1800، وترجم إلى الفرنسيّة أكثر من مرّة.
  3.  يعلّق المترجم على ذكر اسم «كلافل» (Clavel) في الكتاب، قائلا: «برنار كلافل (1923-2010)، روائي وصحفي فرنسي، مناهض للعنف والحرب، نال جوائز عديدة منها جائزة غونكور عن روايته “ثمار الخريف” سنة 1968». والحال أنّ بلانشو يقصد موريس كلافل، وليس برنار كلافل. وحتّى اسم رواية هذا الأخير لم يسلم من «الفاجعة». فقد ذكر الشّتنوف “ثمار الخريف”، والصّواب: “ثمار الشّتاء”!
  4.  يعلّق المترجم على ذكر اسم «لايبنتس» (Leibniz) (الّذي يكتبه تارة ليبنتز وتارة ليبنز، وكلاهما خطأ) في الكتاب، قائلا: «صاحب المونادولوجيا الّتي شكّلت مرحلة جديدة في فكره بدل مفهوم الجوهر الفردي [كذا]»[12]. وهذا الكلام مهوش ومتهافت لأنّ المونادولوجيا هي نفسها فلسفة الجوهر الفرد (ولا نقول: «الجوهر الفردي» بأي حال من الأحوال!).
  5.  يعلّق المترجم على ذكر اسم «ليفنتال» (Levental) في الكتاب، قائلا: «باري ليفنتال، كاتب ومؤرّخ أمريكي من أصل يهودي، يعمل مبشرا للتّعاليم التّوراتيّة، وله نفوذ كبير في الأوساط اليهوديّة بأمريكا. من أهمّ أعماله الرّائجة “وجهات نظر دينيّة عن المحرقة”. ويشغل منصب مدير الدّراسات العليا في برنامج الوزارة [كذا]»[13]. والحال أنّ بلانشو لا يقصد باري ليفنتال، بل يقصد السّجين اليهودي زالمن ليفتنال(Zalmen Levental) ، أحد شهود محرقة أوشفتس. وهو غني عن التّعريف.ولم يسلم باري ليفنتال (أو ليفنثال)(Barry Leventhal) نفسه من تعسف المترجم، لأنّه ليس عالم دين يهودي، بل هو لاهوتي مسيحي إنجيلي شغل عدّة مناصب أكاديميّة، منها أستاذ ومدير بالمدرسة العليا للكهنوت والبعثات التّبشيريّة (Graduate School of Ministry and Missions)؛ ويظهر جليا أنّ المترجم لم يفطن للمعنى الكنسي لكلمة «Ministry»، فجعلها »وزارة«!

هذا غيض من فيض التّرجمة التّعسفيّة الّتي أنجزها السّيد عزّ الدّين الشّنتوف. وأيّا كان الأمر، فمن واجب المترجم أن يمحو عار المسلخة، وأن يصحّح أخطاءه الفادحة في طبعة ثانية منقّحة تحترم أصول التّرجمة وأعرافها. كما أنّه من واجب النّاشر أن يعتذر إلى القارئ العربيّ المغبون فيما اقتنى وقرأ وأوعى…

********

هوامش:

[1]- موريس بلانشو (1980): كتابة الفاجعة، ترجمة: عزّ الدّين الشّنتوف، الطبّعة الأولى، الدّار البيضاء-المغرب، دار توبقال للنّشر، 2018، 175 صفحة.

[2]– نفسه، ص. 52.

[3]– نفسه، ص. 56، 70.

[4]– نفسه، ص. 74.

[5]– نفسه، ص. 51.

[6]– نفسه، ص. 52.

[7]– نفسه، ص. 70.

[8]– نفسه، ص. 75.

[9]– تفسه، ص. ن.

[10]– نفسه، ص. 78.

[11]– نفسه، ص. ن.

[12]– نفسه، ص. 107.

[13]– نفسه، ص. 122.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق