تحوّلات مفهوم “الإسلام” في تونس المعاصرة

 

لا يكاد يهدأ الجدال المستعر حول “الإسلام” وعلاقته بالسّياسة والمجتمع إلاّ ليحتدم من جديد. يحصل ذلك في تونس منذ ثمانينات القرن العشرين، في خضمّ الصّراع بين قوى الإسلام السّياسي وخصومهم. غير أنّ الدراسة المتأنّية لمفهوم الإسلام في تونس المعاصرة، تُبيّن لنا أنّ الأمر، في جانب منه على الأقلّ، قد لا يعدو أن يكون التباسا تاريخيّا لا بدّ من رفعه قبل استنتاج النّتائج الضروريّة من النّواحي السياسيّة والثقافيّة. فربّما كان ذلك الجدال أقرب إلى العقم وهو لا يخلو أحيانا من خطورة على الحياة السياسيّة. ولذا فنحن بحاجة إلى تصوّر جديد يخترق غبار السّجال الدّائر كي يغوص في جذور المسألة بمختلف أبعادها، ويعالجها في سياقها التّاريخي والثّقافي.

الإسلام وتشكّل الهويّة الوطنيّة التّونسيّة

لننطلق من دستور 14 جانفي 2014 وتحديدا من الفصل الأوّل الشهير الّذي ينصّ على أنّ ّ “تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة، الإسلام دينها..” وكذلك الفصل 74 الّذي يشترط في رئيس الجمهوريّة أن يكون “دينه الإسلام”، وكلا الفصلين يعودان، في حقيقة الأمر، إلى دستور 1 جوان 1959. فلو تأمّلنا مفهوم “الإسلام” في السّياق التّاريخي المرتبط بصياغة دستور دولة الاستقلال، لرأينا أنّ جذوره تمتدّ إلى فترة ما بين الحربين العالميّتين، فترة التشكّل “النهائي” للوعي الوطني التونسي. وقد جسّدت ذلك أحداث شهيرة مثل المؤتمر الأفخارستي (1) وحوادث التجنيس (2)، وبدرجة أقلّ، ما أثير من جدل حول ارتداء الحجاب. فمن المعروف أنّ تلك الأحداث قد كرّست تعريف الإسلام باعتباره مكوّنا أساسيّا للهويّة التونسيّة في مواجهة قوّة استعماريّة تستغلّ كلّ الوسائل، بما في ذلك الدين المسيحي، من أجل بسط هيمنتها. فـ”المسلم”، مثلما تجلّى في حوادث التجنيس، كان له بالأساس معنى ثقافي دافع عنه الحزب الحرّ الدستوري، ولا سيما قياداته الشابّة، يتمثّل في أنّ التونسي المتجنّس بالجنسيّة الفرنسيّة، خارج عن الإسلام وبالتالي لا يجوز دفنه في مقابر المسلمين، وهو التصوّر الّذي فرض نفسه في مواجهة المعنى “العقائدي” الّذي يبيح تجنّس التونسي المسلم بالجنسيّة الفرنسيّة ولا يعتبره خارجا عن الملّة، مثلما جاء في الفتوى الّتي أصدرتها السلطات الدينيّة الرسميّة دون أن تجد لها صدى يذكر لدى عامّة الشعب.(3) والمقصود من الخروج عن الإسلام هنا ليس الردّة بمعناها العقائدي ولا يمكن اعتبار القائلين به أصحاب نزعة تكفيريّة، بل هو استعمال لقدرة الدين التعبويّة في خدمة القضيّة الوطنيّة. وقد تجلّى ذلك المفهوم الثقافي أيضا في الجدل حول ارتداء الحجاب، حيث نجد الزّعيم بورقيبة من المدافعين عنه بحجّة أنّه تعبير عن الهويّة الوطنيّة المقاومة للاستعمار(4). وذلك يعني أنّ “الإسلام”، في مفهوم السياق التاريخي المذكور، مرادف للوطنيّة التونسيّة (5) وهو ما يفسّر، إلى حدّ بعيد، المنزلة الّتي حظي بها في دستور دولة الاستقلال.

ومعلوم، من جانب آخر، أنّ صفة “مسلم” كانت أقرب إلى الصفة “الإثنيّة” لا العقائديّة، المميّزة لهويّة السكّان المحلّيين زمن الاستعمار في المغرب العربي، مثلما تجلّى في أسماء بعض الجمعيات القائمة آنذاك كـ”جمعيّة طلبة شمال إفريقيا المسلمين” الّتي تأسسّت خلال أواخر العشرينات من القرن الماضي بفرنسا وكانت حاضنة لعدد لا بأس به من الزّعماء الوطنيين بالبلدان المغاربيّة، من مختلف الّتيارات الفكريّة والسياسيّة. وهو ما يعني أنّ تلك الصّفة لم تكن محمّلة ضرورة بشحنة دينيّة أو مقتصرة عليها، بل هي عنوان الشخصيّة الوطنيّة. ويظهر من ذلك تباين جليّ بين المستويين العقائدي والثقافي للإسلام.

وقد بقي التّصوّر الثّقافي “الدستوري” حاضرا في الذّاكرة الشعبيّة. ولعلّ صفة “الملّي” الّتي كانت مستعملة لدى الحزب الدستوري، لوصف إحدى مؤسّساته وهي “المجلس الملّي” (بمعنى الوطني)، لم تكن اختيارا لفظيا اعتباطيّا، فهي تتطابق مع التصوّر الّذي كان سائدا زمن الحماية، بجمعها بين الدين (الملّة) والوطن. بل إنّ التحليل يمكن أن يمتدّ إلى ألفاظ وتعابير سائدة آنذاك مثل “الجهاد” الّذي كان يعني مقاومة الاستعمار الفرنسي (في حين أنّه صار يحمل إيحاءات مختلفة اليوم)، أو “الشهيد” وهو الوصف الّذي كان يطلق على من مات في سبيل الوطن، أو اعتبار “حبّ الوطن من الإيمان” استنادا إلى حديث نبوي قد يكون موضوعا ولكنّه متداول في تلك الفترة وكان له تأثير على نطاق واسع.  بل لعلّ لقب “المجاهد الأكبر”، الّذي اتّخذه الزّعيم بورقيبة، يصعب فهمه خارج محاولة إظهار التفوّق على رموز المقاومة المسلّحة الّذين كانوا يسمّون أيضا “مجاهدين”، ولكن من داخل منظومة المصطلحات الدينيّة المستعملة زمن الاستعمار، وضمن مفهوم “الإسلام” الثقافي الهويّاتي الّذي كان سائدا. (6)

ويمكن فهم التّصوّر الثّقافي للإسلام بالمقارنة مع بعض الدول الإسلاميّة الّتي عاشت أوضاعا مشابهة مثل الجزائر والمغرب وكذلك، وإن بشكل مختلف، البوسنة أو باكستان حيث سادت تيّارات ما يعرف بالقوميّة الإسلاميّة الّتي تنطلق من أنّ المسلمين يمثّلون شعبا أو قوميّة متميّزة بصرف النظر عن الالتزام بتعاليم الإسلام في الحياة الشخصيّة. وقد جسّدت ذلك أحسن تجسيد شخصيّة مؤسّس دولة باكستان الإسلاميّة محمّد علي جناح الّذي تؤكد بعض المصادر أنّه كان ملحدا! (7) وهو الأمر نفسه تقريبا الّذي لوحظ في بعض الدول المنتمية إلى العالم المسيحي حيث يشكّل الدين ركنا من أركان الهويّة الوطنيّة، وليس مجرّد عقيدة شخصيّة، مثل اليونان أو روسيا، بفعل عوامل تاريخيّة. (8) كما يمكن الإشارة، من جهة أخرى، إلى أنّ الحركات الوطنيّة في بعض بلدان المشرق العربي، مثل مصر، لم تكن مستندة إلى الإسلام، خلافا للحركة الوطنيّة التونسيّة، بل إلى الوحدة الوطنيّة الجامعة لكلّ الطوائف والأديان، حيث كان حزب الوفد يرفع شعار وحدة الهلال والصليب.

من إسلام الهويّة الوطنيّة إلى إسلام الإيديولوجيا

من الواضح أنّ ذلك المفهوم الثّقافي الّذي يعتبر الإسلام أساس الهويّة الوطنيّة، قد استمرّ لسنوات بعد الاستقلال، ولو بشكل خافت، إلى حدود الثّمانينات من القرن العشرين، عندما تشكّلت ملامح الإسلام السياسي في تونس، وظهر جدل حادّ حول “أسلمة” المجتمع في مواجهة النّزعات العلمانيّة. وقد حمل الإسلاميّون معهم تصوّرا جديدا للإسلام (9) سنطوي على خلط بين المستوى العقائدي والمستوى الثقافي وسعوا إلى إشاعة الفهم القائل بأنّ الدستور التونسي ينصّ على أنّ الدولة ترتكز على “الإسلام”، بعد أن غاب عنهم أنّ ذلك المفهوم المجرّد، متى أُخذ على إطلاقه، يبقى “حمّال أوجه” شأنه شأن الكتاب الكريم. ولعلّ ذلك ما يجعلنا نفهم كيف أنّ الإسلام السياسي ذي البعد العقائدي الإيديولوجي بالأساس، لم يستطع تجذير ايديولوجيّته في التاريخ التونسي المعاصر بشكل مقنع ولم يتمكّن من إيجاد صلة الوصل مع فكر الحركة الوطنيّة، وكانت مراجعه، في الغالب، إمّا تراثيّة أو منتسبة إلى إيديولوجيا الإسلام السياسي في أماكن مختلفة مثل المشرق العربي أو حتّى الهند. ولذلك فإنّهم يسيئون فهم السّياق الّذي وقعت فيه صياغة دستور1 جوان 1959. فإسلام الهويّة الوطنيّة ليس إسلام الإيديولوجيا بأيّ حال, ولذا فإنّ اعتبار الدين الإسلامي دينا للدولة واشتراط الانتماء الإسلامي في رئيس الجمهوريّة، لا يمكن فهمهما إلاّ استنادا إلى التّصوّر الثّقافي للإسلام سيّما وأنّ أعضاء المجلس القومي التّأسيسي (1956-1959) الّذين صاغوا الدستور لم يكن من بينهم منتمون إلى الإسلام السّياسي، غير الموجود في تونس حينها، هذا إذا لم نفترض، استنادا إلى أسباب وجيهة، أنّ الزّعيم بورقيبة كان المشرف المباشر على كتابة دستور 1 جوان 1959 بكلّ فصوله. (10) وجدير بالملاحظة أنّ التّصوّر الثقافي للإسلام الّذي دافع عنه الحزب الدستوري لاقى في زمنه ما يشبه الإجماع لدى الشعب التونسي، مقارنة بتصوّر الإسلام الّذي جاء به التّيار الإسلامي، ذي المسحة الإيديولوجيّة، فهو وإن حصل على شعبيّة واسعة في وقت من الأوقات، فإنّه لم يبلغ ما بلغه سلفه خلال فترة مقاومة الاستعمار ولم ينل الإجماع المنشود.

كان من تبعات الخلط الّذي وقع فيه البعض بطرحهم للإسلام كمفهوم شامل للعقيدة وللانتماء وكذلك للحياة الشخصيّة والعامّة، حصول انقسام غير مسبوق في تونس حول مفهوم الإسلام وظهور مخاوف مشروعة من الهيمنة، فاشتدّ الجدال حول العلاقة بين الدين والدولة وضرورة الفصل بينهما وهو نقاش لم تشهده البلاد من قبل. غير أنّ طروحات “العلمانيين”، بالمقابل، غالبا ما كانت نظريّة مجرّدة تستلهم مكتسبات الحداثة، وفي فرنسا على وجه الخصوص، دون مراعاة للسياق التونسي وخصوصيّاته. ومن التبعات الأخرى المهمّة أيضا، تهميش النقاش الّذي استأنفته الدولة الوطنيّة الفتيّة بعد الاستقلال، كاستمرار للحركة الإصلاحيّة في القرن التاسع عشر، حول ضرورة “اللحاق بركب الأمم المتقدّمة”. وبدا السّجال مع الإسلاميّين في حدّ ذاته تعبيرا عن الأزمة الّتي دخلت فيها الدولة الوطنيّة. أمّا أخطر التبعات فهي الانحراف الدكتاتوري للنظام منذ بداية التسعينات وما انجرّ عن ذلك من موجة قمع رهيبة، ويبقى للتاريخ أن يجيبنا إن كان ذلك ردّا على رغبة الإسلاميّين “البريئة” في التعبير عن أراءهم أم على سعيهم إلى محاولة قلب نظام الحكم ولو باستعمال العنف عند الاقتضاء.

مستقبل “الإسلام” في تونس

تمخّضت “الثورة” التونسيّة عن ديناميكيّة جديدة من التعايش أو الاندماج الّذي لا يخلو من الصراع، بين مفاهيم الإسلام المختلفة، ضمن التجربة الديموقراطيّة، بعد مخاض طويل انطلق منذ بناء الدولة المستقلّة. والملاحظ أنّ الجانب الأكبر من الإسلاميّين (وحركة النهضة تحديدا) قد انتقل من رفض الديموقراطيّة إلى تبنّيها (11) وبطريقة لا تدعو بالضرورة إلى الشكّ في النوايا، وذلك لأسباب من بينها:

  1. أنّ قوّة وتجذّر القيم الحديثة (ولا سيما الحريّة الفردية وحريّة المرأة) في المجتمع التونسي فضلا عن قوّة المجتمع المدني وحيويّته، من شأنه أن يكبح جماح أيّة نزعات استبداديّة أو شموليّة.
  2. أنّ الإسلاميّين قد عانوا، شأنهم شأن غيرهم من المعارضين، من ويلات الاستبداد ومن حرمانهم من المشاركة السياسيّة، ولكنّ انتفاضة الشعب على النظام القائم أعادت تمكينهم من حقوقهم، وهو ما جعلهم يدركون بالضرورة أنّ حكم الاستبداد لا يمكن أن يدوم، لا للإسلاميّين ولا لغيرهم.
  3. أنّ جانبا منهم قد عاش في “الغرب” الديموقراطي واستفاد من مزايا الأنظمة الديموقراطيّة الّتي فتحت لهم الأبواب ولم تجد حرجا في استيعابهم.
  4. أنّهم شهود على استماتة “العلمانيّين” في الدّفاع عنهم زمن الديكتاتوريّة وهو ما يعكس تفوّقا أخلاقيّا لخصومهم وأدركوا أيضا أنّهم لا يمكنهم الاستمرار ببساطة في رفض التعايش مع أولئك “العلمانيّين” الّذين لم يتردّدوا حتّى في التحالف معهم ضدّ النظام عندما اقتضى الأمر، مثلما حصل في 18 أكتوبر 2005.
  5. أنّ السّياق الإقليمي والدولي عموما ليس مناسبا لحكم الإسلاميّين، في زمن العولمة الّذي ازداد فيه التأثير الخارجي.

غير أنّ التّعايش أو الاندماج بين إسلام الهويّة الوطنيّة (الّذي يبقى قائما في كلّ الأحوال) وإسلام الإيديولوجيا، ضمن الدولة الحديثة، يتوقّف إلى حدّ كبير على بناء مجتمع يقوم على المؤسّسات وعلى العدالة الشاملة (القانونيّة والاجتماعيّة). فمن المؤكد أنّ المجتمع العادل القائم على مؤسّسات تكفل حقوق الجميع من شأنه أن ينزع كلّ ذرائع الالتجاء إلى الدين للمقاومة أو للاحتجاج. ومن الواضح أنّ إسلام الهويّة الّذي ظهر في مواجهة الاستعمار وإسلام الإيديولوجيا الّذي ازدهر زمن الاستبداد محكومان بظرفيّة استثنائيّة معيّنة وبالتالي فإنّ قيام المجتمع العادل المرتكز على القيم الحديثة المتمثّلة في المساواة أمام القانون والعدالة الاجتماعيّة، سيكون مؤذنا بزوال “الإسلام” بمختلف مفاهيمه الاحتجاجيّة. لن يبقى بعد ذلك سوى أقليّات لا يعتدّ بها مثل المجموعات المجهريّة المتطرّفة الّتي تعارض الأنظمة السياسيّة في سويسرا أو ألمانيا أو البلدان الإسكندنافيّة.

ونلاحظ، من جهة أخرى، أنّ الدّعوات العلمانيّة في تونس، وإن كانت ناتجة عن تخوّفات مفهومة وعن انخراط واع في المشروع الحداثي الكوني، فهي في جانب منها، على الأقلّ، كانت ردّ فعل على التباس تاريخي في مفهوم الإسلام. ثمّ إنّنا ربما ينبغي أن ندرك أنّ اللائكيّة بمعناها القانوني الشكلاني على الطريقة الفرنسيّة (قانون 1905 للفصل بين الكنيسة والدولة) قد لا تستقيم في السياق التونسي، وهي في كلّ الأحوال تجربة فرنسيّة أصيلة لا يكاد يوجد ما يشبهها في أيّ بلد آخر. فتونس لم تعرف مؤسّسة دينيّة قمعيّة يمكن مقارنتها بالكنيسة الكاثوليكيّة في فرنسا قبل الثورة الفرنسيّة، بل إنّ الإسلام كان حافزا على مقاومة الاستعمار وعلى إبراز ملامح الهويّة الوطنيّة، مع أنّه قد تمّ استعماله من قبل مجموعات الإسلام السياسي كعامل ضغط وكسلاح معاد للحريّات. وبالتالي فإنّه إذا كان مضمون العلمانيّة، المتمثّل في ضرورة الفصل بين الدين والسياسة، هو أقرب إلى البداهة، وسيفرض نفسه طال الزّمان أو قصر، فإنّ الشكل الّذي يتحقّق من خلاله ذلك الفصل، يبقى خاضعا لظروف البلد وخصوصيّاته. فكون الدولة في ألمانيا مثلا، لا تزال إلى اليوم تقتطع “الضريبة الكنسيّة” من مواطنيها لفائدة الكنيسة وأنّ الإذاعات العموميّة هناك تبثّ مواعظ لرجال الدين المسيحي بانتظام، فهو ما لا يمسّ في الواقع من “علمانيّة” الدولة الألمانيّة، (12) مثلما أنّ جمع ملكة بريطانيا بين رئاسة الدولة ورئاسة الكنيسة الأنجليكانيّة لم يجعل من بريطانيا دولة دينيّة. (13)

وأعتقد أنّنا في تونس يمكننا الوصول إلى اتّفاق واسع حول هذه المسألة من خلال استلهام روح الّتيار الإصلاحيّ التحديثيّ في القرن التاسع عشر وأفكار الحركة الوطنيّة في فترة ما بين الحربين. فهو الاتّجاه المتوازن الّذي لا ينكر مرجعيّة الإسلام في معناه الثقافي أساسا ولكن دون انغلاق أو انكفاء على الذات. غير أنّ مثل ذلك الاتّجاه لن ينجح ما لم نخرج من منطق ردّ الفعل عند بناء النظام السياسي، مثلما يتجلّى بوضوح في دستور 14 جانفي 2014 الّذي يبدو مسكونا بهاجس مقاومة التركيز المفرط للسلطة وضمان الحريّات الفرديّة وتحت تأثير التجربة الدكتاتوريّة، من ناحية، وكذلك خوفا من “تغوّل” بعض الأحزاب ولا سيما قوى الإسلام السياسي، من ناحية ثانية، دون مراعاة حاجة الدولة، وبخاصة في مجتمعات ضعيفة التنظيم، إلى قدر من تركيز السلطة وإلى عدم التقييد المفرط لها بشكل يتجاهل طبيعة الفعل السياسي باعتباره معالجة للحالة الاستثنائيّة. (14) وكذلك فإنّ الاتّجاه الّذي تحدّثنا عنه بحاجة إلى أساس اجتماعي، وهو ما قد يمثّل أحد ثوابت تونس الحديثة. فقد تأكّد مع دستور 1861 الّذي سرعان ما انهار بسبب ثورة علي بن غذاهم (1864)، المطالبة بالعدالة “الجبائيّة” و”الاجتماعيّة”، وكذلك في الحركة الوطنيّة الّتي ارتبطت منذ بداياتها بالحركة النقابيّة ذات الأفق الاجتماعي الوطني، ثمّ في الدولة الوطنيّة المستقلّة الّتي اقترن نجاحها بتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى، وأخيرا وليس آخرا في انتخابات 2019. ولا حاجة بنا إلى التأكيد على أنّ ذلك الأساس الاجتماعي معرّض للاهتزاز بفعل تراجع العدالة الاجتماعيّة، ممّا يهدّد بنسف كلّ تطوّر في الحريّات الفرديّة والعامّة وبإفراغه من محتواه. ولن يكون من السهل عندها الخروج من الحلقة المفرغة المكوّنة من القمع والاحتجاج، سواء باسم الإسلام أم بغيره.

******

هوامش

  • انعقد المؤتمر الأفخارستي المسيحي بقرطاج في شهر ماي من سنة 1930، “بحضور ممثّل البابا احتفاء برجوع أفريكا إلى المسيحيّة. وهو ما يعني أنّ فرنسا اللائكيّة لم تخجل من التذرّع بالدين لإكساب الحماية بعدا روحيّا !

أنظر: بولعراس، الحبيب: تاريخ تونس، أهمّ التواريخ والأحداث من عصور ما قبل التاريخ حتّى الثورة، ترجمة الصادق بن مهني، الطبعة الثانية، دار سراس للنشر، تونس، 2015 (ص 564).

  • ظهرت تلك الأحداث بالخصوص خلال سنتي 1932 و1933، وقد كان لجماعة جريدة “العمل التونسي” (لاكسيون تونزيان)، وعلى رأسهم الحبيب بورقيبة، الدور الأكبر في إذكاء جذوة المشاعر الوطنيّة :” إذ شنّت الجريدة حملة شعواء على قانون التجنيس، لما يمثّله من خطر يهدّد الهويّة التونسيّة العربيّة الإسلاميّة، فكثرت المصادمات بين الجماهير الشعبيّة وقوات الأمن في عدد من المدن مثل تونس وبنزرت والمنستير، بمناسبة وفاة بعض المتجنّسين، واضطّرت السلطة الفرنسيّة في آخر الأمر إلى تخصيص أماكن لدفن المتجنّسين خارج مقابر المسلمين، فكان ذلك أكبر انتصار تحرزه الحركة الوطنيّة منذ انبعاثها.

أنظر: عبد الوهاب، حسن حسني: خلاصة تاريخ تونس، طبعة جديدة مزيدة ومنقّحة، تقديم وتحقيق حمّادي الساحلي، دار الجنوب للنشر، تونس، 2001 (ص 167).

  • أنظر: د.نور الدين صمود : بعد الجدل حول وطنيّته: وثيقة فرنسيّة تردّ الاعتبار للشيخ محمّد الطاهر بن عاشور، جريدة الصباح الأسبوعي، 16 نوفمبر 2015، assbah.tn وحسب تلك الوثيقة فإنّ إباحة التجنّس قد أقرّها علماء المذهب الحنفي التونسيّون، أمّا أعضاء المجلس المنتمون إلى المذهب المالكي فقد اشترطوا تخلّي المتجنّس عن جنسيّته كي يحقّ له أن يُدفن في مقابر المسلمين.
  • يقول بورقيبة ” … وفي بعض الأحيان يذكرونني أنني سنة 1929 في محاضرة عارضت رفع الحجاب لكن كانت الأمور مغايرة وكانت العملية برعاية جمعية فرنسية وتحت نوع من الاحتقار وتذمر وتشك وكيف يعامل المسلمون نساءهم وأناسا يضحكون.على كل هناك دستوريون قاوموا لكن بلغة لا أستسيغها ولا يفهمها الفرنسيون فأخذت الكلمة ووقعت رجة في جماعتي وقلت لهم إن الحجاب سيزول ويجب أن يزول وسنة التطور والعدل والإنصاف تقول هذا لكن ليس بهذه الطريقة فالظروف الّتي نعيشها تجعله جزءا من شخصيتنا وإذا دفعنا نساءنا إلى رفعه نجعلها تفرنست وتصبح تستهزئ بأمها وبالتالي صلة القطع في هذا الوقت نحن مهددون بالمحق والابتلاع والفرنسة في الوقت الّذي يجب ان نتمسك فيه بشخصيتنا” .أنظر : “مقتطف من خطاب بورقيبة يوم 13 أوت 1960 : كنت أعلم أنّهم سيكفّرونني ، جريدة الشروق التونسيّة، 13/08/2019، نقلا عن : alchourouk.com
  • يقول الأستاذ المؤرّخ محمّد الهادي الشريف: “وكان الكفاح السياسي يصطبغ في كثير من الأحيان بصبغة الجهاد الديني وهكذا تعايش أو اختلط في صلب الحركة الوطنيّة التونسيّة مجالان أو طبقتان من طبقات الوعي هما مفهوم الأمّة التونسيّة بالمعنى الضيّق ومفهوم أوسع هو مفهوم “الأمّة الإسلاميّة” “. الشريف، محمّد الهادي: تاريخ تونس، سلسلة “ماذا يجب أن تعرف عن”، تعريب محمّد الشاوش ومحمّد عجينة، دار سراس للنشر، تونس، 1980 (ص، 121). ولعلّ الأمر لا يتعلّق بطبقتين من طبقات الوعي بقدر ما هو التقاء بين عناصر مختلفة من الوعي انصهرت في بوتقة الشعور الوطني المضطرم أو هي أبعاد للهويّة الوطنيّة وجدت ترجمتها عند صياغة دستور دولة الاستقلال.
  • يمكن للمرء أن يلاحظ أنّ تشديد الإسلاميّين على “الهويّة” العربيّة الإسلاميّة عند مناقشة الفصل الأوّل من دستور 14 جانفي 2014، لم يلاق إجماعا وذلك ربما بسبب التوظيف السياسي ضدّ الخصوم، وهو بالتالي لا يخلو من الافتعال. وبالتالي فإنّ خطابهم لم يكن هويّاتيا في حقيقة الأمر بل إيديولوجيا، فهو من حيث منطلقاته المعروفة رافض لإسلام الانتماء الجغرافي أو الثقافي. والإسلام السياسي في حقيقة الأمر يتناقض بشكل واضح مع مفهوم الهويّة الثابتة المرتبطة بحيّز وطني أو قومي، فهو مشروع موجّه للإنسانيّة جمعاء، أي إنّه كوني بالضرورة وعابر للحدود.
  • أنظر: Sen, Ronojoy : Atheist fundamentalists, timesofindia.com, June 5, 2010. ينطلق صاحب المقال من ملاحظة أنّ أبوي الدولة القوميّة في كلّ من الهند والباكستان كانا ملحدين رغم استغلالهما للدّين (الهندوسيّة في الهند والإسلام في باكستان), ويمكننا المقارنة مع الزّعيم بورقيبة الّذي رغم كونه لم يُعرف عنه الإلحاد فإنّه كان أبعد ما يكون عن الاتّجاهات الدينيّة، ولعلّه أقرب إلى الاتّجاهات الفلسفيّة العلميّة الحديثة، فقد كان من المعجبين أشدّ الإعجاب بأوغست كومت، مثلما أكّد ذلك بعض من عرفه عن كثب.
  • يمكن العودة إلى:

Sugy, Paul : « En Russie, le religieux est indissociable de l’identité nationale », Entretien avec Florent Parmentier, Maître de conférences à Sciences Po. Paris, www.lefigaro.fr, 20/03/2018

  • كان الإسلاميّون في بداية ظهورهم على الأقلّ يسخرون من “مسلمي الجغرافيا” ويتداولون كتبا مثل “ماذا يعني انتمائي للإسلام؟” لفتحي يكن، الّذي يعطي معنى للإسلام يختلف عن السائد. وكانوا واعين بما يسمّونه “الغربة” أي غربة الإسلام في مجتمع “جاهلي”,
  • أنظر: الخضراوي، منجي: الفصل الأوّل من الدستور: تاريخه وتجاذباته,,, وكيف حقّق الإجماع؟ جريدة الشروق التونسيّة، 29/03/2019.

ويمكن العودة كذلك إلى مقال لعادل كعنيش بمجلة ليدرز في نسختها الالكترونيّة باللغة الفرنسيّة، بتاريخ 18 ديسمبر 2019، حيث يبيّن أنّ الفصل الأوّل من الدستور حصل على أغلبيّة في التصويت رغم بعض الاعتراضات، وأنّ من بين المدافعين عنه زعيم في حجم علي البلهوان. أنظر:

https://www.leaders.com.tn/article/28659-adel-kaaniche-la-constitution-du-1er-juin-1959-une-naissance-difficile

  • ينبغي القول هنا أنّ الرفض لم يكن خاصّا بالإسلاميّين، فاليساريون والقوميون والدستوريون كان لهم نفس الموقف تقريبا. غير أنّ تسليط الأضواء عليهم أكثر من غيرهم يعود ربما إلى أهميّة حجمهم السياسي.
  • أنظر:

Höhne, Valerie, Wie Säkular ist Deutschland ? Trennung von Staat und Kirsche-wer’s glaubt, Spiegel online (www.spiegel.de), 22.04.2019

ترى كاتبة المقال أنّه رغم أنّ “القانون الأساسي” (الدستور) الألماني في فصله الأربعين بعد المائة لا يقرّ وجود كنيسة رسميّة للدولة الألمانيّة، فإنّ هناك ترابطا في الواقع بين الكنيسة والدولة مثلما يتجلّى في الحضور البارز للدين المسيحي وأساسا للكنيستين الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة في المجتمع والسياسة بألمانيا (الجباية، التعليم العمومي، الإذاعات العموميّة، الجيش الألماني، فضلا عمّا تدفعه المقاطعات الألمانيّة من تمويلات للكنائس المسيحيّة يناهز 500 مليون أورو سنويا في شكل مساهمات تعود إلى أسباب تاريخيّة) في مقابل التجاهل النسبي لبقيّة الأديان ولا سيما الإسلام واليهوديّة. وتعتبر صاحبة المقال أنّ الدولة الألمانيّة علمانيّة (Säkular) ولكنّها ليست لائكيّة (Laizistisch).

  • أنظر:

Popham, Peter: No secularism please, we’re British, www.independent.co.uk, Wednesday, 15 February 2012.

يعتبر الكثير من اللّبراليين البريطانيّين أنّ هناك حضورا مفرطا للدين (المسيحي) في النظام السياسي البريطاني وأنّ هناك اتّجاها متزايدا في الوقت الحالي لتدعيم ذلك الحضور بحجّة مواجهة التشدّد الإسلامي وكذلك النزعات اللادينيّة.

  • لعلّنا بحاجة إلى مناقشة مفهوم “السياسي” ومفهوم الحالة الاستثنائيّة مثلما طوّره كارل شميدت، دون حرج ممّا عرف من علاقته بالنازيّة، فقد كان له تأثير في مفكرين يساريين أيضا. أنظر :

Schmitt, Carl: Der Begriff des Politischen, 8.Auflage, Duncker & Humbolt, Berlin, 2009.

فالدّولة ليست جهازا خاضعا لقوانين خارجة عن إرادة الحكّام أو إرادة الشعب. لأنّنا حتّى إن قبلنا ذلك فعلينا أن نتوقّع الحالة الاستثنائيّة المتمثّلة في تعطّل أو انهيار الدولة، وهو خطر محدق قد ينطبق بشكل أكثر وضوحا على دولة تمرّ بمرحلة انتقاليّة. ثمّ إنّ الدستور ليس عملا قيميا جماليّا تقوده المثل العليا فقط، بل هناك أيضا مقتضيات النجاعة في خدمة المجتمع بأقلّ التّكاليف الممكنة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق