“مترو المدينة”… رئة بيروت لا تسدّها برتقالة! / رنا نجار

قضيت نهاري البارحة، بعد ليلة حالمة احتفلنا بها بالعيد الثامن لـ”مترو المدينة” أو ما تسميه صديقتي رنا الحسين “مترو الرقص والحب”، وأنا أفكر كيف لي كفرد يعطيه هذا المكان الدافئ كل هذا الدعم النفسي والمعنوي والاجتماعي والترفيهي، أن أكتب عن مساحة متحرّرة من عبء النظام المافيوي الثقافي وثقل الثقافة الرسمية، اختار مؤسّسوها طريق الثقافة الشعبية المضادة بذكاء وابداع؟

ماذا أكتب عن أجمل مكان شعبي في بيروت ثار على لغة الكراهية والحقد والقمع مستبدلاً إياها بلغة الكوميديا والضحك والفرح والرقص؟ ماذا أكتب عن بيت صغير صالحَ كثيرين مع أجسادهم ومواهبهم ومع الموروث الموسيقي وعلاقتهم بالمدينة؟ ماذا أكتب عن بقعة ضوء تحوّل زعلي الى رقص وتحاكي خاطري في مسرحياتها وحفلاتها وخطّها الفني التجريبي المفتوح على كل الابداعات؟ ماذا أكتب عن أكثر مكان أكون فيه على سجيتي ولا أكترث لشكلي ولا لمزاجي ولا لتصرفاتي، فقط أرنو للموسيقى واطلق العنان لشغفي؟ ماذا أكتب عن المكان الذي حين تضيق بي المدينة أذهب اليه وأقول لأصدقائي “منيح اللي فيه المترو ببيروت… هيدا المكان الوحيد اللي بيعطيني أمل”؟

منذ ثماني سنوات أي عمر المترو الذي أسّسه المسرحي هشام جابر ومجموعة من أصدقائه الفنانين، لا شيء في البلد كان يمدّنا نحن أبناء الطبقة الوسطى بأمل آتٍ أو يلوح بتحسين الظروف حتى الثقافية التي “تفش” لنا خلقنا. كانت الانتهاكات بحق حرية التعبير والرأي تتكاثر كالفطر في السنوات الثلاث الاخيرة، وذلك بشهادة مؤسستي “سكايز” ومهارات، كان أبرزها سجن الممثل زياد عيتاني أحد نجوم “مترو المدينة” بتهمة التعامل مع اسرائيل في قضية مدبرة تكاد تكون أقذر قضية يتعرض لها لبناني…

كانت المسارح والملاهي والمؤسسات الثقافية ومعها مؤسسات صحافية عريقة، تقفل الواحدة تلو الاخرى بسبب الوضع الاقتصادي وغياب الدعم. مستوى الحريات يتهاوى لدرجة بتنا نخاف ذكر اسم وزير او التعليق على أي أمر اجتماعي يخصّ أزلام السلطة الحاكمة وزمرتهم أصحاب السلطة الفائضة، في منشور فايسبوكي أو على تويتر.
كانت مساحات اللقاء والمقاهي التي تلمّنا بعد ساعات العمل المرهقة، هي أيضاً تتهالك وتضيق بأصحابها وبنا.

كان البلد مكموشاً كأنه في شبكة صيد، ليس مقموعاً على آخره بل تُترك له بعض الثقوب كي لا يفجر فتشتعل النار الآثمة مرّة واحدة. كنا نحن الذين لا حزب لنا ولا تيار ورفضنا ان نكون زبائن عند السياسيين والميليشيات وأصحاب المال، نذوب رويداً رويداً مثل قنديل البحر عندما تخرجه من المياه الى اليابسة، نتذوّق المرارة ونُقنع أنفسنا على أنها ملوحة “أوقات بتحلو”.

نجح بعضنا القليل في إيجاد عمل في الخليج او الهجرة او الفوز بمنحة الى بلد أوروبي يمكث فيه الى أجَل خصوصاً الفنانين والكتّاب الذين اكتشفتهم برلين التي باتت في الآونة الاخيرة مركزاً للفن وملجأ للمثقفين العرب.

لكن الغالبية بقيت هنا تشهد على أكبر وأطول مسرحية اقتصادية مرّ بها لبنان بعنوان “الليرة بألف خير” تتخلّلها مشاهد منفردة بعناوين “لبنان بلد الحريات” و”بلد الحضارة والديمقراطيات” و”بلد التكافل الاجتماعي” و”بلد الغاز” و”بلد الثقافة وفيرز والرحابنة”… لم نكن نأكل الفوشار على سبيل التسلية، بل غيّرنا هذه العادة الاميركية الشيطانية واستبدلناها بجرعات من النفايات المخدّرة التي كانت توزّع مجاناً في كل شارع وحي وزاروب مع ختم “فخر الصناعة اللبنانية”.

حتى المنصات الافتراضية التي من المفترض ان تستوعب تذمراتنا و”نقّنا” وانتقاداتنا ومعارضتنا واحتجاجاتنا، باتت مراقبة وخطرة وقد تُدخل واحدنا الى السجن!

هذا الضغط المجتمعي كان يؤثر ليس فقط على مزاجنا العام ونحن نفقد بالتوازي وظائفنا ومهننا وغالبيتنا باتت بلا ضمان صحيّ واجتماعي، بل على علاقتنا الشخصية والعائلية والعاطفية.
وحده “مترو المدينة” كان المتنفّس لنُفرغ كل هذا الغضب والثقل والحقد ضد الأوليغارشية وأصحاب رأس المال والزبائنية السياسية والفساد والقمع والظلم والتهميش. وعندما نقول “مترو المدينة” فهو ليس المكان بمساحته الجغرافية بل بإنتاجاته الفنية وفِرقه وأفكاره وخطابه الثقافي السياسي بامتياز، ولغته التي تحمل همّاً اجتماعياً، وبإدارته التي تفتح الباب للفقير والغني بأسعار تشجيعية على اعتبار ان “الفن والترفيه للجميع”.

كان “المترو” بمثابة محجّة أسبوعية لا بدّ منها، حيث نخلع ثوب اللبنان الثقيل وغير المحتمل وننزل تحت الارض لنتحوّل بفعل الموسيقى التي تُشبهنا والفن الشعبي الطالع من أرحامنا المختنقة الى كائنات لا تُحتمل خفّتها. نسلطن مع عبدالكريم الشعار، ونفرفش مع إيلي رزق الله، ونضحك على محننا ونسخر من واقعنا مع هشام جابر، نستعيد أرشيفنا الموسيقي العربي مع باسل قاسم وروي ديب وساندي شمعون، نتفرج على خيباتنا الجماعية في مسرحيات هاشم عدنان وعايدة صبرا، نرفع صوتنا ضد الظلم مع راب وتكنو الراس والطفار والدرويش…

نرقص حتى الفجر ونشرب ونلتقي بمن نحب من المسافرين والمقيمين، التائهين و”الزهقانين”، المنفيين عن أوطانهم من بطش أنطمة ديكتاتورية والمكتئبين، العاشقين والذين يفتّشون عن الحب، الشاردين والمقدرين، الأنيقين وغير المبالين بأشكالهم وألوانهم وأزيائهم، الكبار في السن والشباب، هاوين الرقص الخالص، الفنانين المحترفين والمبتدئين والذين وجدوا في “المترو” من يؤمن بهم بعيداً عن شركات الانتاج الضخمة ومافيات الفن الهابط.

الذكرى الثامنة التي نحتفل فيها اليوم بـ “مترو المدينة” هي ثماني سنوات من عمر ترفيهنا شبه المجاني ووعينا الفني الثوري، في مكان أعاد الاعتبار للأغنية الشعبية التي تحمل قضية وهمّاً وحباً. هنا شتمنا أبو بكر البغدادي وانتقدنا البنوك وأعدنا الاعتبار لزياد عيتاني وناضلنا من أجل حرياتنا الجندرية والجنسية، هنا صرخنا “كلن يعني كلن” وهتفنا الهيلا هيلا وغنيّنا أغاني السرفيسات. إنها مساحة لاستيعاب الكل يعني الكل، السوري والعراقي والفلسطيني والسوداني والاوروبي والاميركي والياباني والصيني والآسيوي والافريقي. في “المترو” لا رقابة على الكلام ولا تُحذف الشتائم ويوضع مكانها “توت”. هنا العمود ليس لنصب اعلام الأحزاب وألوانهم المزيّفة، بل للرقص والتفلّت من التقاليد البائدة.
هنا بدأ الراب اللبناني السياسي مع ناصر الطفار ومازن السيد “الراس” والدرويش، يكتسب شعبية وصلت الى مدينة طرابلس. هنا ولدت “الراحل الكبير” التي غنّت للثورة “لا لا الساحة ما نتركها” وانتقدت “حكم الازعر”. هنا ولد “الهشك بشّك” ليجوب العالم، واستعدنا بيروت المدينية وبيروت الستينات مع “بار فاروق”. هنا صوت القاهرة وبغداد ودمشق وأم درمان وأثيوبيا وتونس والجزائر.

هنا مكاننا نحن وعائلتنا نحن ومساحة حبنا نحن، التي لا نريد لأحد أن يخترقها ويفسد علينا السهرة. إنها مساحتنا العامة التي لن نتركها أبداً وسندافع لتبقى لنا من كل هذا الوطن المسروق. فحسناً فعل رئيس التيار الوطني الحر بدعوة أنصار حزبه لمقاطعة “مترو المدينة” لأنه مساحة للتجريبيين والثائرين وغير السلطويين والحالمين بوطن حر آمن، حرية الفرد والترفيه والفن فيه مقدسة.

عن المدن

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق