الرّاحلون العرب في 2019 من أهل الفكر والأدب (ج. 3/1)

ككلّ السّنوات، لم تشذّ هذه السّنة التي تودّعنا عن قاعدة يطبّقها الموت بصرامة متناهيّة : أخذ نصيبه منّا. لكنّ الموت ماهر في انتقاء ضحاياه. إنّه يتخيّرهم بعناية. حُبّا أو حسدا، لسنا نعلم ذلك بعد.

تركتنا هذه السنة ومضت في غياهب الزّمن دون أن تمنحنا الوقت الكافي لتوديع يليق بمقام من فقدناهم خلالها. أسماء عديدة قدّمت الكثير للفكر والفنّ والأدب رحلت عن هذه الحياة وقد خلّفت لنا تراثا قيّما من إبداعاتها لعلّه سيكون عصيّا على النّسيان قاهرا للموت. فذلك ما يبقى في النّهايّة حيّا في هذا العالم المحكوم بالفناء.

نحاول في هذا العرض الموجز أن نستعرض سيرا مختصرة جدّا لهؤلاء. وهي محاولة في غايّة التّواضع : فكيف يتسنّى لنا اختصار أعوام كثيرة من “النّحت من القلب” (على رأي الكندي) والفكر أيضا، في أسطر قليلة؟ لنعتذر بأن سيف الزّمن ذاته لم يمهلنا للإحاطة الدقيقة بالمسيرة الإبداعيّة لمن سنذكرهم وهي مهمّة، على صعوبتها، ستجد من الباحثين والمؤرّخين من يتجنّد لها إحياء لهذا التّراث القيّم.

1)

سلسلة الفقد بدأت مع الشّهر الأوّل من السّنة. وبالتّحديد في اليوم الأوّل من جانفي/يناير حين اختطف الموت الشّاعر المغربيّ عبد السّلام بوحجر، الملقّب بـ”شاعر الجماليّات العليا” القادم من مهنة التّدريس، والمتوغّل في الشعر العمودي وشعر التّفعيلة معالجا القضايا الإنسانيّة والوطنيّة ناقلا تفاصيل الحياة اليوميّة مترنّما بالعشق والطّبيعة في رومانسيّة رقيقة ميّزت قصائده.

لقد كان تأثير الشّعراء الكبار من أمثال محمود درويش و نزار قبّاني و أمل دنقل ظاهرا في شعر عبد السّلام بوحجر بغنائيّته ودراميّته ممّا أهّله للفوز بجائزة “مفدي زكرياء المغاربيّة”.

كان أوّل ديوان شعريّ نشره شاعرنا الرّاحل هو “أجراس الأمل” سنة 1985 ثم تتالت أعماله من “إيقاع عربيّ خارج الموت” سنة 1990 و “قمر الأطلس” سنة 1999 و”الصّخرة السّوداء” سنة 1993 وهي مسرحيّة شعريّة. أما آخر إصداراته فكانت “الفناء في مقام الهاء” سنة 2014.

يقول فرويد: “حيثما ذهبت، وجدت أن شاعرا سبقني” نعم..لقد سبق شاعر الجميع في هذه السنة على طريق..الرحيل !

2)

ولم يمهلنا الموت كثيرا حتى نكفكف أحزاننا، ففي الثّالث من الشّهر ذاته سدّد ضربته الثّانيّة. وكانت هذه المرّة على أرض مصر. لقد أراد أن تتوقّف مسيرة الرّوائي الأديب عبد الوهّاب الأسواني ذلك الرّجل العصاميّ الموسوعيّ الذي اعتبره النّقاد أحد التّلاميذ النّجباء للمدرسة العقّاديّة (نسبة إلى عبّاس محمود العقّاد).

ابن أسوان المغرم بالتّاريخ، كتب عن الأوضاع الاجتماعيّة المصريّة في الستّينيّات كما اهتم بالشخصيّات التّاريخيّة الإسلاميّة (خالد بن الوليد، أبوعبيدة ابن الجرّاح، عمرو بن العاص…) فكتب “مواقف دراميّة من التّاريخ العربيّ” وهو مؤلّف في القصص التّاريخيّ. لذلك اُعتبر مرجعا لدراسة التّاريخ الإسلاميّ في مصر والوطن العربيّ.

وفي سنة 1970 أصدر روايته الأولى “سلمى الأسوانيّة” لتليها روايات أخرى أكّدت مكانته الأدبيّة المستحقّة في الساحة الثّقافيّة المصريّة والعربيّة ومنها “وهبّت العاصفة” و “اللّسان المرّ”  و “أخبار الدّراويش” و “النّمل الأبيض” وغيرها.

كما كتب الأسوانيّ القصّة القصيرة وله من المجموعات القصصيّة المعروفة “مملكة المطارحات العائليّة” و “للقمر وجهان” و “شال من القطيفة الصّفراء”.

من سيكتب الآن تاريخ كاتب التاريخ؟ لعلّ من سيتصدّون لذلك سيحتاجون لكثير من الوقت والجهد.

3)

أصعب أنواع الرحيل هو رحيل الروّاد. معبّدي الطرق الوعرة للآخرين. فإذا كانت الراحلة امرأة من طينة الدكتورة بهيجة خليل، أول مديرة للمتحف العراقي العريق، كان الفراق أصعب والضريبة مضاعفة.

أستاذة الآثار العراقيّة التي ودّعت هذا العالم يوم الثّالث عشر من جانفي/يناير، كانت أول باحثة في الأركيولوجيا وأول قارئة للمسماريّات في العراق. وكما ذكرنا، فقد تقلّدت منصبا لم تسبقها امرأة عراقيّة إليه من قبل وهي إدارة المتحف العراقيّ الزّاخر بكنوز التّاريخ.

بهيجة خليل لم تنل شرف إدارة ذلك المعلم الحضاريّ من فراغ. فمؤلّفاتها وأبحاثها التّاريخيّة في حضارات ما بين النهرين وتخصّصها في الكتابات المسماريّة، تشهد بالقيمة العلميّة والأدبيّة للرّاحلة. فمن المعاجم التي شاركت في وضعها “المعجم الأكدي – العربي” الصّادر سنة 1999 و “موسوعة الموصل الحضاريّة” الصّادرة سنة 1992  و “موسوعة حضارة العراق” إلى كتاباتها المرجعيّة في التاريخ وعلم الآثار: “مسلّة حمورابي” 1980 و “دور المستعمرات الآشوريّة في الأناضول” 1981  و”الطبّ ودوره ومكانته في حضارة العراق” 1989 و”حكام سوخو وماري” 1990 و “كتابات من نينوى” 1992…

ومن مجال تخصّصها تؤكد الدكتورة بهيجة الخليل على أن اختراع الكتابة هو أهمّ مقوّم من مقوّمات الحضارة العراقيّة القديمة. ولعلّنا نضيف هنا، أنّ الحضارة التي اخترعت الكتابة ثم أنجبت من كانت قادرة على فكّ رموزها بعد آلاف السّنين، هي حضارة لا تموت.

4)

لم يشأ قطار الموت أن يتحرّك من العراق قبل أن يحمل معه الدكتورة لمياء الكيلاني بعد خمسة أيام فقط من رحيل بهيجة الخليل. ولمياء الكيلاني هي الأخرى عالمة آثار عراقيّة رائدة في مجال البحث والتنقيب عن آثار الأمم السّابقة التي استوطنت أرض “العراق” وهي أوّل امرأة تشارك في هذه الأعمال التي كانت حكرا على الرّجال.

عالمة الآثار والمنقّبة الرّائدة لمياء الكيلاني تنحدر من عائلة يعود انتسابها إلى القطب الصّوفي عبد القادر الكيلاني أو عبد القادر الجيلاني بنطق أهل المغرب، وربما كان ذلك سببا في إحساسها العالي بالتّاريخ كما عُرف عنها.

التحقت الرّاحلة بالمتحف العراقيّ منذ سنة 1961 وواجهت عمليّات النّهب التي تعرّض لها إثر حرب الخليج الثّانيّة وسقوط بغداد. كما واجهت قبل ذلك جميع عمليّات السّطو على آثار العراق في مختلف محافظاته وحذّرت من أنّ جرائم المتعصّبين دينيّا في حقّ المعالم الأثريّة هي الأشدّ خطورة لأنّ ما يُهدم أو يُحطّم لا يمكن تعويضه.

لقد كانت الدكتورة لمياء الكيلاني حارسة لتاريخ العراق مؤتمنة على آثاره الظّاهرة منها والباطنة وهو الدّور الذي جعل قلبها ينفطر أمام مشاهد المجازر الحضاريّة التي قامت بها “داعش” في حق تراث إنسانيّ لا نظير له.

من مُؤلّفات الرّاحلة كتاب فريد في اختصاصه: “أختام من العصر البابليّ القديم” وهو يتحدّث عن الأختام الاسطوانيّة التي كان يستعملها البابليّون في النّحت والكتابة، وقد ساهمت الفقيدة في العثور على كثير منها خلال عمليات التنقيب التي شاركت فيها ونقلت للحفظ في المتحف العراقي..ثم جاءت الحرب وجاء معها اللّصوص والقتلة.

5)

جانفي/أيار من سنة 2019 لا يريد أن ينتهي. في التّاسع عشر منه تأكّدنا أنّه شهر “دامٍ” بالفعل! لقد أخذ من لبنان ومن السّاحة الأدبيّة والإعلاميّة العربيّة “فراشة” النّهار والأدب والثّقافة والصّحافة..رحلت ميّ منسي إلى الأبد !

توفيت صاحبة الوجه الصّبوح ميّ منسي عن سنّ تناهز الثّمانين سنة. ابنة بيروت المختصّة في الأدب الفرنسيّ التحقت بالصّحافة منذ سنة 1959 وذلك في مؤسّسة التلفزة اللّبنانيّة. ثم بجريدة “النهار” كناقدة في شؤون الأدب والمسرح.

أكثر من نصف قرن قضته الفقيدة الكبيرة في الحقل الثّقافّي مُسهمة فيه بنقدها ورواياتها وترجماتها عن الأدب الفرنسيّ، وكذلك بدفاعها المستميت عن حقوق المرأة في المجتمع اللّبنانيّ والعالم العربيّ.

روايتها “أنتعل الغبار وأمشي” دخلت سنة 2008 في القائمة النّهائيّة لجائزة “البوكر” العالميّة للرّوايّة العربيّة. لكنّ الرحلة بدأت قبل ذلك بكثير بداية من “حكاية ناصر” 1972 و “أوراق من دفاتر شجرة رمّان” سنة 1998، والتي تُرجمت إلى اللّغة الفرنسيّة و”المشهد الأخير” الّتي تحوّلت إلى مسرحيّة، إلى روايتها الأخيرة “قتلت أمي لأحيا” مرورا بـ”السّاعة الرّمليّة” و “ماكنة الخياطة” وغيرها من الرّوايات.

يُقال أن ميّ منسي رحلت وهي بصدد كتابة رواية جديدة، لم يترك لها الموت فرصة إكمالها، وكانت بعنوان “الغربة”..نعم. ربّما هي هذه “الغربة” التي سيشعر بها كل من عرف ميّ في الحياة أو من خلال رواياتها بعد رحيلها القاسي.

6)

في الثّاني من شهر فيفري/شباط غيّر الموت أسلوبه في الحضور. كان هذه المرّة أشدّ قسوة وعنفا. لقد امتدت يد الإجرام لتغتال الكاتب والرّوائيّ العراقيّ علاء مشذوب برصاصات كثيفة اخترقت جسده في كربلاء…كربلاء دائما!

الدكتور الجريء القادم من مدرسة الفنون الجميلة المعروف بنشاطه صلب نقابة الفنّانين ونقابة الصّحفيّين واتحاد الأدباء والكتاب والعراقيّين والمطالب أبدا بإنهاء معاناة المواطنين وتحسين الظّروف المعيشيّة للسكّان، كان من المناهضين الأشدّاء للطّائفيّة والفساد ومن قادة الحراك المجتمعيّ في المحافظة.

بعد سنوات الاعتكاف أثناء الحصار على العراق، عاد علاء مشذوب للكتابة في الصّحافة وأصدر أول كتاب له “الوطن والوطنيّة” سنة 2008. ليعود بعدها في سنة 2014 بروايتيه “مدن الهلاك – الشاهدان” و “فوضى الوطن” و “ينهمر” إنتاجه بعد ذلك ليصبح سنويّا. ففي سنة 2015 أصدر روايتين أخريين “جريمة في الفيسبوك” و “أدم سامي – مور” وفي سنة 2016 “انتهازيون…ولكن” أما في سنة 2017 فكتب “حمام اليهوديّ” و “شيخوخة بغداد”.

وعلينا أن نعود لسنة 2010 لنجده في تجربة قصصيّة من خلال مجموعته “ربما أعود إليك” التي تلتها مجموعته الأخرى “زقاق الأرامل” في 2012.

ولـمشذوب انتاجات أخرى في مجال تخصّصه منها “بحوث ودراسات في السّينما والتلفزيون الصّادر سنة 2012 و “تأويل التاريخ الإسلاميّ في الخطاب الدراميّ التلفزيونيّ” الصّادر سنة 2016.

كان اغتيال علاء مشذوب عبود صادما لكل من عرفه. لقد كان قريبا من الناس يتجوّل بينهم بدرّاجته “الهوائيّة” حتى صدمه الموت القادم على درّاجة القتلة “النّاريّة” ملتحفا بالغموض.

ظلّ علاء مؤمنا بأن بناء الدّولة المدنيّة وإحياء الرّوح الوطنيّة يمرّان عبر نبذ كل التّقسيمات و”التخندقات” الطّائفيّة والمذهبيّة. يقول:

“…ولكنّني أعتقد اليوم أنّه (الوطن) مجموعة من الحقوق والواجبات”.

7)

في أوائل شهر مارس/آذار قرّر أحد أبرز المؤرّخين المغاربة الدكتور زكي مبارك أن يترجّل ملقيا نظرته الأخيرة على نهر أبي الرّقراق جار مدينة سلا المغربيّة التي لم يكد يغادرها فقيدنا طوال حياته.

ومنذ أطروحة الدكتوراه الفريدة التي قدمها سنة 1973 حول “حركات المعارضة في المغرب من المقاومة وجيش التحرير” والتي أثارت سخط أصحاب “المشروعيّة التاريخيّة”، تشبّث زكي مبارك بمنهج الموضوعيّة والتجرّد في دراسة التّاريخ مصرّا في مختلف كتبه التي أصدرها بعد ذلك، على كشف أسرار التّاريخ المغربيّ الحديث متسلّحا بوثائقه النّادرة التي يفخر بامتلاكها مؤكدا في تصريحاته أنّ “روح المقاومة مازالت حيّة في ذاكرة ومشاعر مجموعة من المقاومين (المغاربة) الذين تم تهميشهم وإقصاؤهم”.

وداعا أيها “السلاوي” العظيم.

8)

شهر مارس/آذار لم يمض دون أن يفجعنا في قامة فنيّة تونسيّة لا تُضاهى. الرّسام الكبير الهادي التركي أو كما يدعوه المقرّبون منه “عمّ الهادي” ذلك الرّجل الطيّب المفرط في إنسانيّته، المحبوب من الجميع والذي عاش زهاء القرن في خدمة الفنّ مؤسّسا رائدا من المؤسّسين الرّوّاد لـ”مدرسة تونس للرّسم” بعد دراسته في أكاديميّة روما في الخمسينيّات. جال العالم بمعارضه مبدعا أكثر من ألف لوحة، مدافعا فيها عن الخصوصيّة الثّقافيّة لبلدان جنوب المتوسط.

“عمّ الهادي” أحد روّاد الرّسم التّجريديّ في العالم العربيّ، اهتمّ بالمرأة في رسوماته مُتتبّعا إيّاها في مختلف مراحلها العمريّة وصورها الاجتماعيّة باحثا من خلالها عن ذلك الخيط السّحريّ الرّابط بين الأصالة والحداثة.

فقدت تونس أحد آباء الرّسم فيها، لكنّ أبناءه، من الرسّامين الشّبّان، الذين تحفل بهم كليّات الفنون الجميلة، مازالوا يستلهمون من شمس هذه البلاد وألوانها مشاريع لوحاتهم القادمة.

9)

في الثّالث من أفريل/نيسان فقدت مدينة أسيوط المصريّة أحد أبنائها الكبار. إنّه المفكّر الإسلاميّ والفقيه القانونيّ الدكتور أحمد كمال أبو المجد الذي سخّر حياته لدفع الشّباب إلى المشاركة في الحياة العامة في مصر والتّقدم إلى مواقع القرار من خلال قيادته لـ”منظّمة الشّباب النّاصريّة” ومساهمته في تشكيل “التّنظيم الطّليعي النّاصريّ”.

تقلّد المفكّر الكبير عديد المناصب السّياسيّة منها وزارة الشّباب ووزارة الإعلام فضلا عن كونه نائبا لرئيس “المجلس القوميّ لحقوق الإنسان” وعضو “مجمع البحوث الإسلاميّة بالأزهر”.

والفقيد أيضا عضو بـ”المجلس القوميّ للمرأة” في مصر وعضو بـ”المنظّمة العربيّة لحقوق الإنسان”.

ومن مؤلّفات الدكتور أبو المجد الشّهيرة كتابه “حوار لا مواجهة” و “رؤيّة إسلاميّة معاصرة – إعلان مبادئ” الصّادر سنة 1992 والذي يعتبر وثيقة جامعة للأفكار الكبرى للعصرانييّن.

كما كتب “المسلمون والعصر” و “دراسات في المجتمع العربيّ” و “قضايا إسلاميّة: مقاصد الشّريعة الإسلاميّة وقضايا العصر” و “ماذا بعد حرب أكتوبر؟”.

وبين الفكر والسياسة والقانون، كان الدكتور أبو المجد غزير الإنتاج، واسع الأفق، متسامحا وداعية إلى التّجديد والتنوير.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This