ما بعد النّقد – في ماهيّة النّقد والفضاء العام الجديد

لا يعني النّقد بالضّرورة وجهة نظر سلبيّة، بل هو في التّقليد الفلسفيّ والجماليّ والسّياسيّ يوفّر الأرضيّة للتّفكير ومخض الادّعاءات من أجل فهم ماهيتها وظروفها وحدودها كما ظروفنا وحدودنا نحن النّاطقين بها. النّقد في هذا المعنى له وظيفة مركزيّة للفرد والمجتمع، وظيفة كانت أساسيّة لفهم المجتمع الحديث لذاته. يصف الشّاعر والمترجم ماغنوس ويليام أولسون النّقد بأنّه الهيكل العظمي الّذي حوى كلاً من جسد الفرد والمجتمع.

رأى فيلسوف القرن الثّامن عشر إيمانويل كانط النّقد باعتباره شرطا مُسبَقا للتّنوير ساهم بنقل المجتمع من الاستبداد والسلطويّة إلى مزيد من الديمقراطيّة وكان عاملا أساسيا لحمل النّاس على الخروج ممّا يسمّيه “القصور الذّاتي”. لذلك، بالنّسبة لكانط، فالنّقد يعني أنّ على الجميع أن يفكّروا سويّة وكلّ على حِدا ومن المهمّ أن يقوم هذا النّشاط الحرّ والمشترك في مكان عامّ. قديما كانت السّاحات متوفّرة لهذا الغرض وفي عصر التّنوير نمت الأكاديميات والصّالونات والكتابات، أمّا القرن التّاسع عشر فشهد ظهور الصّحف والمجلاّت الّتي كانت في متناول العامّة أو الطّبقة الوسطى على الأقلّ وقد منحها المفكّر الألماني هابرماس في القرن العشرين مسمّاة “الجمهور البرجوازي”.

في المجتمع المثالي الّذي يتخيّله هابرماس يتميّز “الجمهور البرجوازي” بسِمَة “العقلانيّة التّواصليّة” في محادثاته الّتي تقضي بأن يستخدم الفرقاء حواسهم المشتركة بفاعليّة وأن يضعوا إستراتيجيات متلازمة لمثابرة المحادثة والمقاربة النّقديّة. يقوم المحرّرون بدورهم صحبة النّقاد والمشرفين بصياغة أشكال جديدة للمحادثات.

قد سبق وعبّر هابرماس على اندثار “الجمهور البرجوازي” وكان هذا في بداية الستينات من القرن الفائت. كما أشار كثيرون إلى أنّ الجمهور قد تغيّر، ليس أقلّها فيما يخصّ الفئات الاجتماعيّة المغايرة للطّبقة الوسطى المثقّفة الّتي كانت تدور في خلد هابرماس والّتي برعت في إسماع صوتها، وقد لعبت في هذا الإطار تكنولوجيا الاتّصالات الجديدة دورًا محوريًا ممّا مهّد الطّريق في نهاية المطاف إلى الثّورة المعلوماتيّة.

لم يتمّ استخدام الأنترنيت في الصّالونات بدءًا من التّسعينات فحسب، بل أصبح مرادفا لها بشكل متزايد. بداية كان يُنظر إلى الأنترنيت على أنّها فضاء مثالي للجمهور حيث يمكن لمجموعة متنوّعة من الأصوات والآراء أن تملأه باسم الديمقراطيّة. ففي الوقت الحاضر يتسنّى لأي شخص من حيث المبدأ التّعبير عن نفسه والتّواصل مع الآخر. هذه كانت فكرة الشّبكة العنكبوتيّة أصلاً، لكنّ الفضاء العام الجديد شهد تدفّقًا غير معهود لأشكال المحادثة.

يقف وراء القسم المتزايد من المحادثات في الفضاء العامّ منصّات تجاريّة تشكّل أنماطها وهي مالكة لها مثل الفايسبوك والتويتر إضافة إلى الجهات الرّاعية.  في الوقت نفسه أصبحت الحدود بين العامّ والخاصّ وبين الأيديولوجي والتّجاري وبين الوجدانيّ والفكريّ وبين التّحادث والتّراجم العلنيّ أقلّ وضوحًا. ويبدو أنّنا دخلنا في نفق مظلم – لا شيء خارج هذا الخبيص من التّفاعل العشوائيّ والاعتباطيّ كما لاحظت مارسيا سا كافالكانت شوباك في مختارات ويليام أولسون:”أنّ النّقد موجود بالفعل في الفضاء العامّ الجديد، أي أنّ جميع محاولات تطوير نقد هذا الفضاء قد تمّ استيعابها بالفعل من قِبل الفضاء نفسه”.

فهل الهيكل العظمي الّذي أشار إليه وليام أولسون في صدد الاهتراء؟ هل نحن على حافة التّفسّخ والتّحوّل إلى أكوام صغيرة من الجلد واللّحم والدّماغ؟ أحيانًا يبدو الوضع بالكاد واعدّا. تُظهر دراسة تلو الأخرى كيف يتعامل الجمهور مع “الشّعور الغرائزي” عندما يختار الوقائع والحقائق الّتي يريد أن يصدّقها. صحيح أنّ الأنترنيت ووسائل التّواصل الاجتماعيّ أتاحت مساحة للتّواصل المثمر والمحادثات المجزيّة، لكن غالبا ما يبدو أنّ “العقلانيّة التّواصليّة” تغرق في تفكير وشعور غير متناسقين إلى حدّ مّا. غالبا ما تغصّ وسائل التّواصل الاجتماعيّ بسلسلة من الاشتباكات الجنينيّة الغاضبة والخاليّة من الحجج. بتعبير آخر: عندما يتمكّن الأكثر زعيقا من التّحكّم بالمحادثة، تكون العقلانيّة في أزمة. فالصّراخ كما استجلاب ردود الفعل القويّة يغيّب العقل.

قد يبدو الأمر أحيانا خاليا من النّقد والعقلانيّة، لكن في نفس الوقت: ألا نعيش بالمقابل في وقت يزدهر فيه النّقد؟ في الواقع، لم يتمّ تحدّ مصداقيّة السّلطات بنفس الشّدة كما الآن. يتّسم الفضاء العام الجديد، عدا فائض الإعجاب والكره، بما يسمّيه العالم الأدبي كريستوفر كستيليا “النّقديّة” (كريتيكنٍس) وهي عبارة تصعُب ترجمتها بمعنى “النّقد المرتاب”. تبدو النّقديّة من أوّل برهة ذات علاقة بعمليّة النّقد ولكنّها تفتقر إلى البُعد الأخلاقي، فهي نوع من التّرويج لحالة ذهنيّة مؤلّفة من السّخط وعدم الثّقة وانعدام الانفتاح – فالنّاقد، على ما يبدو، قد سبق وأقرّ برأيه قبل مواجهة النّصّ.

يربط كاستغليا النّقديّة بما يسمّيه الكوميدي ستيفن كولبير “الصّدقيّة” (تروثينيس) الّتي تصعُب ترجمتها أيضا ويُقصد بها إنتاج شيء يبدو صحيحًا وفقًا لأولئك الذّين يؤمنون بالفعل بما يُقال وبالتّالي لا يحتاجون إلى إثبات أو حتّى إعمال المنطق. ترتبط الصّدقيّة بمفهوم “ما بعد الحقيقة” المتداول في الوسط الأكاديميّ والثّقافيّ. وفي هذا السّياق يتساءل المرء عن مكانة النّقد اليوم. كثيرون ممّن يعملون في حقل النّقد في الغرب، سواء كانوا من الفلاسفة أو الأكاديميين أو النّقّاد، ينظرون الآن بشكل انتقادي إلى النّقد نفسه.

يخشى البعض أن يكون دور النّقد ولّى وقد تمّ استبداله بالنّقديّة، أي انعدام الثّقة والانفتاح. هناك شعور بالقلق من أنّ النّقد، في سعيه الدّؤوب من أجل تقصّي المعرفة، قد تمّت مُصادرته، لا بل اتّهم مؤخّرًا بإسقاط صفة النّسبيّة على الحقيقة وفساد الوقائع. بالمقابل هناك فئة أخرى ترى أنّ أزمة النّقد هي بمثابة انفتاح على نظرة جديدة إلى الحياة والأدب. فقد تمّ في مجال “ما بعد النّقد” إنتاج عدد من النّماذج التّفسيريّة المغايرة لدافع النّقد العتيد الجاهد دائما في سبر أغوار معاني النّصّ وتفكيك هيمنته المعرفيّة. بدلا من ذلك يسعى المرء الآن إلى تصميم إستراتيجيات للقراءة تسترعي انتباه ما تقوم عليه القوى الشّافيّة والإنتاجيّة للأدب والثّقافة مثل الأمل والتّفاهم والثّقة والانتماء. ومن المجدي ربّما، توازيًا مع هذا التّحوّل، الإشارة إلى أنّ علم الأعصاب وعلم النّفس يقترحان بدورهما فيما يخصّ العلاقة بين سعادة المرء والنّجاح في المهنة، استبدال الجديّة والتّميّز والقدرة التّنافسيّة والتّضحيّة بالبهجة والتّعاون والانتماء والمعنى. فالعالم لم يعد بحاجة إلى مدمني العمل، إنّه يحتاج إلى حالمين، إلى أشخاص متضامنين وقادرين على إعادة البناء والعناية والأمل.

لذلك ربمّا لم يندثر دور النّقد بعد. فجوهر النّقد هو أن يكون في أزمة – حتّى أنّ هناك صلة اشتقاقيّة للتّعريف اللاّتيني لكلمة أزمة ونقد. في الواقع، إحدى خصائص النّقد هي نقد الذّات ومعاينة الواقع المعاصر. ومن هذا المنظور ربّما ينبغي اعتبار “ما بعد النّقد” مجرّد ضرب من ضروب النّقد المعاصر.

نظرًا إلى الشّكوك المتزايدة الّتي تميّز النّقاش الاجتماعي فإنّ ممارسة “ما بعد النّقد” هي ممارسة صائبة، متاخمة للعولمة ومشكّكة بها، كونها متيقظة ضدّ النّاقد – ضدّ السخط وعدم الثقة. فالحاجة ملحّة الى قوى شافيّة وخلاّقة ومنتجة. وفي نفس الوقت علينا أن نكون يقظين ضدّ فكرة أنّ النّقد انتهت صلاحيته. بالضّبط كيف يتحقّق هذا التّوازن بين التّمحيص النّقدي والقوى المنتجة، من الصّعب التّكهّن به طالما أنّه من المتعذّر على ممتهني “ما بعد النّقد” الإجابة عليه بشكل كامل. لكن طالما ما زالت المسألة تحتلّ حيّزًا من الفضاء العامّ، فمن الواضح أنّ النّشاط النّقدي باقٍ على قيد الحياة. وهكذا من اليسير علينا أن نبقي على الهيكل العظميّ ولو لفترة وجيزة بعد …

*******

المراجع:

Correa, Pedro (2019) “Lors d’une remise de diplômes, discours brilliant sur le bonheur”, Positivr, 20 décembre 2019, URL: https://positivr.fr/pedro-correa-discours-universite-louvain/

Habermas, Jürgen (1991) The Structural Transformation of the Public Sphere: An Inquiry into a Category of Bourgeois Society, trans. Thomas Burger with the assistance of Frederich Lawrence, Cambridge MA: The MIT Press ,1962

Kant, Immanuel (2009). An answer to the question: “what is enlightenment?”. London: Penguin

Sá Cavalcante Schuback, Marcia (2018) ”Kants kritiska revolution,” Kritiken i den nya offentligheten: Kritiken som konst och kunskapsform, red. Magnus William-Olsson, Ariel litterär kritik 11

William-Olsson, Magnus (Eds.) (2018) Kritiken i den nya offentligheten: Kritiken som konst och kunskapsform, Ariel litterär kritik 11

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق