أيّ «مرجعية» للإسلام السياسي الشيعي: النجف العراقية أم قم الإيرانية؟ / حمود الحمود

نقل مرة «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» مقتطفات من حديث للرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد في أكتوبر 2010 جاء فيها: «هناك عدة تفسيرات للإسلام، إلا أنّ أسس تجربتنا هي التفسير الإيراني. التجربة التاريخية تثبت أنّ التفسير الإيراني للحقيقة هو الأقرب للحقيقة([1])». بالطبع، لم يكن نجاد ينطق بهذه القومية الفارسية أو الإيرانية وربطها عنوة بالإسلام من فراغ، بل كان، وما زال، يقف خلفه خطاب، وتحديداً بنية أصولية لها باعٌ طويل في «قومنة» الدين الإسلامي و«تديين» القومية الفارسية (حالٌ أشبه بما قام به بعض قوميي العرب في «تسنين» القومية العربية). وهذه البنية الأصولية الشيعية هي نفسها التي وجدنا ونجد لها ترجمات حيّة دموية عبرت عنها إيران في معظم مناطق المشرق في دعمها وخلقها للعشرات من تنظيمات إسلاموية تعيث دماً وخراباً في كل بقعة مشرقية يدخلونها أو يُخلقون بها؛ وهي البنية نفسها التي تجهد لجعل إيران لا مصدراً للإسلام السياسي الشيعي بكل أشكاله فحسب، بل أيضاً الكنيسة الشيعية الوحيدة، أو قل المرجعية الثيوقراطية لها (وهو سؤال العجالة هذه)، أو «القبلة» التي يتوجب على «كلية» الشيعة الإسلامية وإسلامييها السياسيين التوجه والحج إليها وجعل خامنئي بمثابة البابا الأول وظل طهران الأوحد في التلفظ بـ«التفسير الإيراني للحقيقة» كما عبر نجاد؛ وهذا يقتضيه قتل أي مرجعية أخرى للإسلام السياسي، حتى ولو كانت المرجعية شيعية الطابع، كما سيأتي.

ربما من المهم بداية الإشارة إلى نقطة أجدها مهمة هنا: ثمة عائقة تاريخية في مسار الإسلام السياسي الشيعي الإيراني، ولا نقول الشيعية الإيرانية، ما زالت إلى الآن تستبطن ذاته الأصولية في بنيته الداخلية، بل وتشكل أحد أهم الإشكالات العميقة غير المفصح عنها، وتحديداً في تجبّره الأصولي في المشرق واستطالاته الأخطبوطية بها: وهي أنّ الظاهرة الشيعية بالأصل ليست فارسية، بل ظاهرة «عربية-عراقية» تاريخياً، ولم تأخذ ثقلاً فارسياً إلا على غفلة من التاريخ حينما أعلنها صفويّ إيران، إسماعيل الصفوي (1487-1524)، سنة 1501 أنّ «الشيعيّة» لا مذهباً للدولة، من بين مذاهب أخرى، بل «دين الدولة» بألف ولام السياسة (طبعاً في مقابل «سُنيّة» آل عثمان حينها). وهذا الإعلان شكّل في الواقع الرافعة التاريخية الأولى لعمليّة «تسييس» جديدة كل الجدة على اللاهوت الشيعي التاريخي، وحاضنته العراقية، رغم أنه تسييسٌ لم يشكل حينها هيكلاً ثيوقراطياً بالمعنى السياسي للكلمة. القرار الشيعي الأهم، والذي شكل الرافعة التاريخية الثانية ووضع الشيعيّة على مسار سياسي جديد، قد أتى من قبل الخميني، الشخصية الأصولية الأبرز في التاريخ الأصولي الإسلامي، سنياً وشيعياً.

وبصرف النظر الآن عن التعقيدات والتحديات الكبرى التي استطاع الخميني تجاوزها وإحياء إكليريك شيعي سياسوي هتك به حتى الشيعيّة التاريخية التي نقرأه من بطون كتب التراث، أو قل حتى أنه خلق شيعية جديدة بما يتلاءم ومقاسه الأصولي (وهذه نقطة نتناولها لاحقاً في سياق مستقل)، بيد أنه قد فشل بهذه الشيعيّة السياسوية في توحيد شيعة العالم ضمن مؤسسته الأصولية الطهرانية. الفشل هذا لم يقف عند حدود الشيعة الباكستانيين أو الأفغان أو حتى شيعة الجنوب اللبناني، واللذين لم يشئ كلهم تقديم ولاء الطاعة لكنيسة طهران (طبعاً على عكس ما تصدره محاولات حزب الله في مصادرة شيعة لبنان)، ولا حتى عند زيدية اليمن الذين يختلفون في كثير من القضايا اللاهوتية والفقهية والسياسية مع شيعة إيران (بصرف النظر عن التحالفات السياسية الآنية مع الحوثيين)، ولا حتى عند علويي سورية وتركيا (والذين يُعتبرون بالأصل وفق الأصولية الشيعية الإيرانية، ومعها السنية، على أنهم غير مسلمين)…الخ، بل طال الفشل الإيراني حتى في محاولة طهران اختطاف النجف، أو بمعنى آخر القضاء على المرجعية الشيعية العربية لصالح مرجعية قم.

هذا بالطبع يمثل أحد الأسباب التي تفسر لنا المواقف التاريخية لمرجعية النجف (التي يقودها المرجع الديني علي السيستاني) في موقفها من الوجود الإيراني في العراق وموقفها المعتدل من تظاهرات العراق الأخيرة وقبل هذه التظاهرات الكثير من الأحداث الداخلية التي لطالما طبعها طابع مهم: لا أنْ تبقى مرجعية النجف هي الأولى شيعياً على مستوى العالم الشيعي (على الإطلاق لا)، بل مستقلةً عن إرادة طهران السياسية؛ وفضلاً عن كل ذلك أنْ تبقى مستقلة عن اللوثات السياسوية الأصولية التي أدخلها الخميني على الشيعة، ليس أقلها ولاية العلماء أو الفقهاء لشؤون الدولة والسياسة. وهذه قضايا، كما نعلم، تُشكّل محطات خلاف رئيسة في مسار الإسلام الشيعي الحديث بين المرجعية الشيعية النجفية وبين مرجعية قم الطهرانية الأصولية (بصرف النظر الآن عن المواقف الشيعية العراقية العامة، بما فيها السيستاني، المستنكرة لطريقة مقتل سليماني).

من هنا يمكن أنْ نفهم في هذا السياق وجهاً من أوجه الإسلامات السياسية الشيعية التي خلقتها إيران في البلاد العربية، وتحديداً في العراق ولبنان، بغية أهداف كثيرة، لا يمكن الإتيان عليها هنا. من بين هذه الأهداف هو ضرب «الشيعيّة العربية» ذاتها في معقلها، أو الفضاء التاريخي-العراقي المرجعي للشيعة، بهدف أنْ تكون طهران وقم «فاتيكان الشيعة» وفاتيكان الإسلاميين عموماً. يجب في هذا السياق أنْ نتذكر أنّ من بين ما يميز الإسلام السياسي الشيعي عن شقيقه السني هو في هذه النقطة: أنّ الإسلاموية الشيعية قائمة بنيوياً على مسار مؤسساتي كنسي تفتقد له الإسلاموية السنية المتشرذمة هنا وهناك. وحتى اصطلاح «مرجعية» له ثقل كنسي بابوي كبير عند الشيعة، لا يمتلكه السنة. هكذا، فإنّ وجود مرجعيتان للإسلام السياسي الشيعي يهدد هذه المأسسة التي تسعى الإسلاموية الإيرانية لها. وهذا بالفعل يفسر لماذا تصر إيران على ضرب شرعية السيستاني، طبعاً الدينية أساساً، من خلال ميليشيات الحشد الشعبي العراقي. كما أنّ ضرب هذه المرجعية النجفية لا يكون فحسب بتغيير القناعات الدينية النجفية على مقاس طهران، بل أيضاً بضرب البنية الفقهية من الداخل والتي لا تتوافق مع قناعات ما أرساه الخميني في كتابه «الحكومة الإسلامية»، والذي ضرب به عرض الحائط تفاصيل جوهرية عهدناها من التراث الشيعي.

سؤال البنية الإسلاموية الإيرانية هذه سؤال يصعب بالفعل الإجابة على كل تفاصيله في عجالتنا هذه، وتحديداً ماذا يعنيه رجل مجرم بقامة سليماني ضمن تفاصيل أسس الإسلامويات الإيرانية الحاملة له (وخليفته الآن إسماعيل قاآني) في المنطقة. التصدير الإيراني (وأتباعه عندنا) لصورة سليماني على أنه «الشهيد»، بألف ولام الشهادة، هو أيضاً أحد أشكال ترجمة نجاد للإسلام، أي التفسير «الإيراني» للشهادة، والذي يجب على كل إسلاميي المنطقة اتباعه. لكن، هل نجانب الصواب إذا قلنا أنّ أهمية قاسم سليماني تكمن أيضاً في أننا كنا نعجز عن إدراك جغرافية سليماني ضمن خارطة الإسلام السياسي الشيعي وماذا تعنيه الشيعية النجفية في هذه الخارطة؟ أين يبدأ سليماني وأين ينتهي؟ متى وفي أيّ بقعة مشرقية، وغير مشرقية، سيظهر شبح استطالاته الدموية؟ وعموماً، بصرف النظر عما قيل وسيقال عن أهميته السياسية والعسكرية بالنسبة لإيران، وبالتالي اغتيال هذه الأهمية، وإمكانية ما سيعنيه ذلك في فتح جبهات جديدة…الخ، فإنه يصعب القبض على أهمية هذا الرجل الدموي، من غير إدراك ماذا يعنيه هو في بنية الاستطالة الأصولية الإيرانية وما تعنيه هذه داخل منظومة الإسلام السياسي الشيعي الحديث في المشرق الإيراني والعربي.

إننا نفهم أنّ إيران لم تتخلص إلى الآن من العقلية الإمبراطورية الفارسية وطموحاتها السياسية في المشرق؛ بيد أن هذا بنفس الوقت لا يمكن لها تحقيقه من غير تشريع ذلك على المستوى الأيديولوجي وضرب أي منافس أيديولوجي شيعي آخر يشكك بشرعية خميني وخلفاءه أو الأدلوجة الأصولية كلها التي قام عليها هؤلاء الأصوليون الطهرانيون. من المهم أنْ لا نقلل من أهمية المرجعيات الشيعية المناوئة دينياً وسياسياً لإيران في ادعاءها لا تمثل الإسلام السياسي الشيعي فحسب (أقلها على مستوى رفض ولاية الفقيه، أي الفقيه الذي يجب أنْ يكون إيرانياً ويدين بالولاء لـ قم لا النجف)، بل أيضاً في تمثيل أصوليات سنية أخرى كحماس أو حتى في تمثيل حركات يسارية تتنفس الهواء الأصولي نفسه.

(*) كاتب وباحث سوري في الفكر الإسلامي

([1]) Khalaji, Mehdi, A Marriage of Convenience, Op-Eds & Articles (2010), http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/a-marriage-of-convenience.

عن بروكار

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق