كُوسْطا الرّواية الصّرخةُ: أو في انكشاف عورة الثّقافة الذّكوريّة

 تكشف رواية محمد الصّالح البوعمراني الجديدة”[1] أن بنى الذكوريّة عقيمة، لأنّها تنتج الاستبداد بنوعيه السّياسي والدّيني وعندما يتواجهان وحدهما على مسرح الأحداث تكون النتيجة مفزعة ومروّعة فبتصوير عودة الإسلام السياسي  إلى الواجهة بعد الثورة التونسيّة  ليتصارع مع بنى الاستبداد  السياسي المتهاويّة تعرت عورة الحيّة الّتي تغذيهما بالحقد والشّرّ وتلك الحيّة ليست سوى البنيّة الذكوريّة الّتي تنتج التّمييز والحقرة والتّطرف، وقد كان قضيبُ الشّخصيّة الأساسيّة في الروايّة رمزا لها، واسم هذه الشّخصيّة سالم عبد الحقّ لكنّه لم يسلم فقد افتتحت الروايّة بمشهد الاعتداء والفُحش عليه واختتمت بمشهد تعذيبه وخصائه، وبين البدايّة والنّهاية يتكالب سالم على المتع الحسيّة الرّخيصة والعليلة والفشل في الحبّ  والزّواج ويسقط في التحرّش والانتهاك والقهر والظّلم.

ولعل “كوسطا لا تسرد قصّة بقدر ما تطلق صرخة ألم في وجه مرآة الذّات تماما كما رسم ادفارد مورش ألمه صرخة مدويّة في مرآة لوحته الفنيّة، وكلّ ناظر إلى المرآة يرى عمقه صارخا، ألمه متجسّدا في رعب وفي ذهول، تلك هي الرّواية وهي تنسجُ الألم فيرى فيها النّاظر ما يخاف أن يراه ويهربُ من مواجهته وجها لوجه: خسارته الفادحة على تحقيق ذاته والتّواصل مع الآخر الّذي فيه والغريب عنه.

وكوسطا تحملنا إلى عالم روائي مليء بالشّبق والشّهوة والخيبات وفي حانة رخيصة تدور خبايا مدينة تهاوت وتداعت وأكل بعض الأحياء فيها لحوم إخوانهم أكلا فإذا هي أشبهُ بمصبّ للآلام والفظاعات وإن تنادم فيها الشّاربون وقصوا على مسامع بعضهم ضاحكين أقذع قصصهم وأبشعها، فهذه قصص الهوامات الجنسيّة المكبوتة وتلك قصص بطولات فحولة الإذلال والسّاديّة، وفي ظلمة الزّوايا الخلفيّة للمدينة تنفلت الغرائز من عقالها فإذا حانة كوسطا مصبّ رغبات لم تُشبع وآمال لم تحقّق وصدى لأوجاع ضحايا الكبت والمذلّة انعكست في الرّواية فكأنّ كلّ المدينة أمست حانة قصيّة خلفيّة واختفى من النصّ وجهُ الحياة اليوميّة واتّضح القفا: نساءُ ورجال لا قيمة لهم لأنّهم محطّ ساديّة الأسياد ومصبّ الأحقاد والغضب وريش في مهبّ الرّياح ومتنفّس العجز المرّ عن تحقيق الذّوات.

فانبثق كلّ ذلك سردا صرخة الإنسان شقّت صدرا ضاق بهذا الوجود الشّقيّ والحقيقة المأساويّة للعبث والشّرّ والموت فاخترقت حدود الذّات الكاتبة إلى القارئ صدى للعدميّة الّتي تخيّم كابوسا على الأمكنة الّتي تحتوي الإنسان المعاصر وظلالها ولحرقته المشتركة واختلال الثّوابت، صرخة مدويّة وبشعة تعري ما وراء الأقنعة الّتي دكّها السّرد وفضحها.

يُعير الكاتب الأنا لشخصيّة تقصّ قصص مجتمع حزين وذوات حائرة ويصرخُ من خلالها مجتمعة بوجيعة التونسيّ اليومَ بل وجيعة كلّ إنسان. يهبهم الأنا المتكلّمة فتنصهر قاذوراتهم فيها وقد نبّه في عتبة من عتباته أنّ القارئ مقبل على صنف من قصص القوّادين الّذين لم يُبن عنهم في كتب السّابقين كتاب. فإذا كلّ قارئ يتماهى مع هذه الأنا الّتي تبوحُ بما في مكنوناتها من خير ومن شرّ فكأنّها على كرسي الاعتراف وكأنّها تبوحُ بما انغرز في رحم بيئة تونسيّة تتقلّب أحوالها قبيلَ سقوط النّظام الاستبدادي وبعدهُ، وقد عادت القوى الّتي كانت أمس في المنافي والسّجون تصارعُ لأجل السّلطة وقد لبست أقنعة كثيرة فاختلط الدّين بالسّياسة والأهواء والمصالح واختلط الأمرُ على النّاس البسطاء وزاد ثقل الواقع الجديد وبؤسه. وجعل تقلّب الأيّامُ من أفراد هذا المجتمع ذوات هشّة حائرة في مهبّ تحوّلات عاصفة.

وها هي صرخةُ تنبثق من صوت يلوحُ مغمّسا في عالم الشّرّ وبين مجموعة مسوخ بشريّة فقدت ملامحها الإنسانيّة من أجل السّلطة والجنس والنّفوذ وأحيانا من أجل البقاء في صراع غير عادل يفرضه قانون الغاب ينهش فيه القويّ لحم أخيه نيّئا، أصوات متعدّدة تصهرها الأنا ويصهرها جسد النصّ الرّوائي وتصهرها قماءتها فتنبثق من هذه الغابة الموحشة والرّقع الباليّة المتعفّنة المخلوقةُ “كوسطا” تستبد حتّى بخالقها، إذ تمزج أناه بأنوات “الأشرار” الّذين كانوا لها لحما ودما وصوتا يتعالى ليقذف كلّ الوجيعة الانسانيّة مرّة واحدة كالقيء على بياضِ.

يلفظها الكاتب كما تلفظ أم وليدها تحيطه بحنّوها ولو كان مسخا، وكما يلفظ ربّ في أوّل الأزمان عالمه المخلوق منه من روحه أو أنفاسه أو رأسه، يلفظها من رحم الرّوائيّ ويلوذ بصمت ثقيل فلا تتبيّن له موقفا ويترك الشّرّ سادرا. يعيدها القارئ إلى جوفه ثانية يلفظها مرّة أخرى كالقُرء..ودائرة تدور.

أزمة قيم المجتمع التّونسيّ قبل الثّورة وبعدها

يمكن اعتبار “كوسطا” رواية مجتمع ذكوريّ يواجه تحوّلا عنيفا قلقا، فكلّ ما فيها يتمحور حول عضو الذّكورة وزهوه أو أزماته، وكشفت الرّواية عن انهيار بُنى الفحولة الّتي امتدّت قرونا  تفجّرت مع ثورة حملت وعودا ووعيدا، رواية مُسوخِ ما قبل سقوط النّظام الاستبداديّ وما بعده انتصرت فيهم الأنانيّة والطّمع والجشع وانهزمت قيم أخرى ففسّرت الرّواية وجها من وجوه الأزمة الّتي تردّى فيها المجتمع التّونسي في سياقه الجديد، فإذا هي أزمة قيم فتعالى صوت فحولة ملطّخة بالعار والجريمة والانتهاك والاحتقار وتهاوت قيم الفتوّة والمروءة والإنسانيّة. وأمسى النّكاح صنوا للاعتداء فكان جزاء ذلك الخصاء. وابحثوا يا سادتي في الرّواية بين تلك الوجوه الرّوائيّة لهذا المجتمع الحزين وهو يستقبل طورا جديدا من التّاريخ قبل الثّورة وبعدها..ابحثوا عن وجه فيه نور وفيه أمل وله بينه وبين نفسه انسجام وتحاور أصيل فلن تجدوا في كوسطا سوى النّفوس العليلة والمدمّرة والقلوب اليائسة من كلّ حبّ وتواصل عميق وطمأنينة. لن تجدوا في كوسطا فاعلا في وجهه الضّوء والقمر، لن تجدوا رجالا فتيانا ولا نساء حرائر، لن تجدوا مسؤولين ثقات ولا مؤسّسات خالية من الفساد. فليس فيها فاعلون غير الحاملين لفحولة عقيمة بالية فانتهت بالخصاء.

حينئذ لعلّ كوسطا الّتي تغيب فيها قوى المجتمع المريدة والحيّة وقوى اليسار والاتّحادات النّقابيّة والحركات الشّبابيّة والجمعيات المدافعة عن الحريّات ويحضر فيها الحراك النّسوي حضورا سلبيا من وجهة نظر ذكوريّة تنبأت بمآل تونس ومأزق الانتقال فيها من البنى التّقليديّة إلى البنى الديمقراطيّة العادلة القائمة على المساواة. فكما تعيش البلاد اليوم على وقع رأسي التّنين الّذين يمثلان قوى الثّورة المضادة الّتي تهدّد ثورتها البديعة فإنّ الصّراع في الرّواية كان بين البنيّة المتخلّفة والوافدين بعد الثّورة فانتهت إلى الهلاك. ولكنّ إمكانات الواقع التّونسي أوسعُ من بوتقة السّرد الرّوائي وإن كانت الرّواية صادقة في التّعبير عن عمق الأزمة الّتي نمرّ بها. فكأنّها تفسّر إلى حدّ للنّاظر فيها لماذا خسرت القوى الحداثيّة واليساريّة هزيمة شنعاء، فهي تعكس مجتمعا مريضا لا يرى النّور الّذي فيه، بل وكما تصوّر كوسطا أفراده مقسومون بين معتد وضحيّة فلا المعتدي يرأف بحال ضحيته وحال نفسه ولا الضحيّة تعي وضعها المأساوي وتنتفض ضدّ المعتدي، يدفعها إلى ذلك الجهل والبحث عن الكسب السّهل، ويدفعها إلى ذلك الخوف وإفلات المعتدين من العقاب فهي إذن بنيّة تضعف فيها القوانين الّتي تلعب دور الوسيط بين الضّحيّة والجاني. وبذلك فإنّ الخاسرين أخيرا في الانتخابات التّونسيّة من القوى الخارجة عن هذا المنظور هم الّذين لم يدركوا طبيعة العُقد الّتي يحملونها ثقافيا في ذواتهم الفرديّة وجمعياتهم وأحزابهم ولم يدركوا عُقد هذا المجتمع المريض.

فكأنّها صرخة من قلب جحيم يعاني فيه الأفراد الكبت والخوف والقهر فيعيدون إنتاج نفس المنوال ويمسي بعضهم ضحايا بعض، فيتحرّشون ويغتصبون ويمارسون استغلال السّلطة بلا رادع ولا ضمير، حتّى ذلك التّدين الّذي يعود في شكل الصّحوة الدينيّة فإنّه لا يمنع هؤلاء من التّمادي في استغلال نفوذهم وقبول العبوديّة والاستغلال بل يزيد ذلك التّدين الكبت الّذي هم عليه أقنعة دينيّة فيتحوّل العربيد إلى صاحب لحيّة لكنّ جوهره واحد يتصيد الفرصة لينال متعة حيوانيّة لا حبّ فيها ولا كرامة للذّات. فلا الجنس يشبعه ولا يشفي أوجاع جسده وروحه التّائهة العليلة.

هاهو كوسطا بائع الفول بملامح التّونسي البسيط في وجهه المحبّ للحياة المتقلّب من أجلها المتمسّك بالبقاء المتحايل من أجله، لا يقعدنّ بأيّة حالة ويحتال بكلّ حيلة لأجل رزقه ولأجل الحياة. وهو يحمل اسم الحانة كأنّهما وجه المدينة وقفاها يتحايل يوميا ليقتلع خبزه وقوته وكلّ همّه أن يبقى حيا. وتنبعث في الرّواية رائحة الجثث الكريهة لبشر على قيد الحياة ولكنّها حياة أقرب للموت وتشدّ أنفاس القارئ رغم تلك الرّوائح إلى سرّ غامض في السّرد وفي الشّخصيات الكريهة الّتي صنعت من شرور الأنفس ومن ملامح الأوغاد، وعركت بساديّتهم ووحشيّتهم وظلمهم وجبروتهم، وغمست في وجيعة الضّحايا بإرادتهم ودون إرادتهم، فهي جثث عفنة قميئة وأنفس مستغلّة حاقدة ووجوه وأقنعة ويضيعُ الوجه فإذا به نسيج من وجوه وأقنعة ورؤوس ذات أنياب ومخالب وقرون. فكأنّها رواية من طين لازب وحمإ منتن مسنون استوت صرخة في وجه الألم والعدم.

لا صوت يعلو على الفنّ ففيه الخلاص الأخير:

لا صوت يعلو على صوت الخلق الأدبيّ في كوسطا، فكوسطا العمل الأدبي كالنّهر الجارف لكلّ ذلك الشّرّ المتبجّح، تطهّر داخلها وتأسره في آن، تأسره في حبال إغواء سردها وتطهّره بلذعة المخاوف الّتي تتغذّى بها وتغذّيها. فتسقط ورقة التّوت وتتهاوى كلّ الأقنعة عن وحوش آدميّة ومسوخ يزيدها حدث الثّورة فضحا وكشفا للمخبوء المستور من الطّبيعة البشريّة في جانبها المظلم: ها هي الجميلة تبيعُ الهوى مقابل نجاح زائف، وها هو الأستاذ العالم ينكشف عن ضبع جائع يلتهم لحم فريسته حيّة ويتاجر بالعلم والمعرفة، وها هو المسؤول ينفضح فساده وتيهه بين المزاريب وها هو المتديّن الورع تنكشف خبيئته ويتعرّى وينفضح، وها هي الشّخصيّة المرموقة ذات ألف وجه ووجه. كلّ العالم يتهاوى دفعة واحدة وتنحسر صور للحبّ والصّدق والإنسانيّة فلا يُعيرها الرّسّام اهتماما، يُخمد صوتها يُسكتها لحساب لوحة قاتمة حالكة. لكنّها مع ذلك تلوح من حين إلى حين، تطلّ فتزرع بعض الرّوح الّتي قد تبعث خيرا من الجثث المتعفّنة: تلك الأمّ الّتي تختفي والأخت الّتي تحنو والأب الّذي يموت والزّوجة الّتي تثور فتغادر حلبة الّتيه والخراب.

لا شيء في كوسطا سوى الفزع والشّرّ ولا خير سوى سردها الجميل، فهي تلك الأرض الخرابُ اليبابُ وهي كذلك النّصّ الّذي يرجّع صداها. فيتهاوى العالم لترتفع “كوسطا”. يتوه راسمها وراويها وقارئها وتتوه كلّ الشّخصيّات وإن عربدت في فضائها وتبجّحت بفحولتها العقيمة أو جمالها السّاحر أو علمها الغزير أو نفوذها القاهر أو نسكها وورعها وتتعرّى على كراسي الاعتراف كلّ شخصيّة تمرّ فتكشف خير ما فيها وأسوأ ما فيها وتعترف بكلّ شيء. تبوحُ بالشّرّ الكامن والوجيعة المرّة والخساسة والنّذالة المخبوءة بين الأضلع وراء الأقنعة المزيّفة لذات الحسن والجمال الباهر والمسؤول الرّاقي والأستاذ العالم والمتديّن الورع.

فعالم كوسطا المرجعيّ مليء بالنّجاسة واحتقار الذّوات البشريّة ونصّ كوسطا يجمع ذلك الشّتات لينسج منه قصّة نهايتها وبدايتها تؤكّدان أنّها صرخة فحولة تستجير، فحولة تهاوى بنيانها وثقافة ذكوريّة مسّها الصّرع وبنية ثقافيّة مأزومة واجهتها لحظة المكاشفة: بدت علامة القضيب المزهوّ طيلة النّصّ وخصيه فارقة، هي تلك مخاوف المجتمع الذّكوري، يخشى الخصاء أفراده مهما كان جنسهم ولونهم ودينهم على ما يروي بعض علماء النّفس وأغوارها. يخشى المجتمع الذّكوري فقدان القضيب فتحقّق”كوسطا” تلك المخاوف بعينها. ويُخصى الرّاوي ليعاقب على شروره وقماءته. يروي بنفسه لحظة العقاب يمكّنه الكاتب من فرصة للبوح وللشّكوى وللإفضا.

يبوحُ بشروره ويبوحُ بعاقبتها العنيفة ويتّحد مع كلّ قارئ إذ يقرأ الرّواية، فما الرّواية حينئذ برواية بل هي من طقوس النّجاة الجماعيّ كسفينة نوح جمعت الأخيار لتنجيهم لكنّ كوسطا جمعت القذارات لتعريّها وتعاقبها بالإخصاء فهي عمل تطهيري من أعمال الذّات القلقة الّتي تحتها الرّيحُ والفزع تفرّ من وجه الظّلام إلى الظّلام لتضيء بما تركت سبلا. لتتحدّى العدم وتبقي أثرا. يُخْصَى القوّاد وتنتصبُ “كوسطا”. وفي الهزائم والانكسارات وأوجاع مجتمع حائر متقلّب ينتصرُ العمل الأدبي. فكأنّ العمل الأدبيّ الّذي بين أيدينا ينجذب إلى أصوله الميثيّة الأولى السّحيقة شعيرة من شعائر البقاء وطقسا من طقوس الطّهارة والخلاص. بل إنّ صاحبه يلملمه أشلاء أشلاء فيرقّعها وينفخ فيها من روحه.

فما “كوسطا” بشعر أتى به جنّ الشّعر ولا بخبر أوحى به شيطان الأخبار وإنّما هي صرخةُ  تشقّ الضّلوع.

تعلو كوسطا الصّرخةُ حين تنغمس كوسطا العمل الحكائيّ في نسج حبكتها من الرّداءة والقماءة والفساد وتعري وجوها مخبوءة وراء أقنعة عديدة. وتعلو الصّرخةُ من جوف إنسان أعزل في مقاومة كلّ هذه الشّرور الّتي فيه والّتي تهدّده. وهو أعزل في مقاومة مخاوفه العميقة من الخصاء والموت ومن التّيه في تحوّلات ثقافيّة عصفت بمجتمع وشوّهت وجوهه المزيّنة وكشفت حقائقها. هي صرخة ثقافة بلغت أوج انحدارها فلا يملك الكاتب سوى ريشته ليكتب وجيعته ووجيعة كلّ إنسان على وجه أرض خراب انكشفت فيها للنّاس مأساتهم قذفتها الرّواية في وجوههم بلا رحمة: مقدار طموحاتهم ومدى نذالتهم ورغبتهم في الخلود وعجزهم المرير على تحقيقه.  وبؤس قيم الحيوانيّة تستبدّ بمجتمعهم فهم بين آكل ومأكول.

تعلو بالرّيشة “كوسطا” على إيقاع دوري بين المتعة والخيبة سيتناوبان في النّصّ يوقّعانه ميلادا وموتا وشروقا وغروبا، يجعلانه لوحة سوداء ذات إيقاع تخبر القارئ أنّ بين الجثث المتعفّنة والحوت الّذي يأكل الحوت وشرور النّفس البشريّة وأغوارها قد تتمكّن الإرادة المبدعةُ في الإنسان الحائر من تحويل ذلك القبح إلى عمل فنيّ جميل لا يؤذي أحدا يرتحلُ بنا من رغبة إلى أخرى ومن خوف إلى خوف ومن وجيعة إلى وجيعة ومن كرسيّ اعتراف إلى آخر فيمتعنا ويوجعنا ولا يحطّ بنا على أي برّ.. فهي صرخةُ واسعة المدى في بادية بلا أطراف وإن حدّتها الجبال حيث يرتدّ الصّدى ورجع الصّدى ولا قرار.. وهي صرخة ليس لها نهاية وليس لها خاتمة.

المعرفة قدرُ الإنسان الحرّ

لقد أهدى الكاتب كوسطا إلى طلبته فأقرّ من حيث قصد أم لم يقصد بأنّ لهذا العمل غاية وراء متعة القصّ فيه فهو صرخة في الأحياء لا الأموات إذ يخاطب الشّباب والشّابات قبل غيرهم ويمسي بذلك الإهداء رحلة ألم ومتعة تَنشُدُ الخلاص وتبشّر بولادة جديدة رغم النّهاية المفزعة فهذا الإهداء يحثّ هؤلاء الّذين توجّه نحوهم على التمسّك بالقراءة فعلا من أفعال الخلاص والتّطهّر والنّجاة من عواصف التّاريخ وآلامه وفواجعه. هو أمر غير مباشر بالقراءة ودعوة لها وإيمان المعلّم – الرّوائي أنّه لا خلاص من المتاهة والسّقوط ومواجهة المخاوف الّتي فينا والّتي هي غريبة عنّا إلاّ بالأدب والكدّ في تحصيله. ففي ذلك الكدّ كتابة وقراءة يتحقّق الكيانُ وتصانُ الذّواتُ وتعلو قيمة الإنسان ولا يُعلى عليها. وما أشقّ تلكَ المهمّة على الفرد الحرّ الباحث عن تحقيق وجوده وأعسرها.

إنّ هذه القصّة ذات النّسق الدّرامي السّقوطي الّتي تعاقب البطل الّذي فيها بعنف شديد وتنتهي نهاية قاسيّة تحاكي بشكل من الأشكال الفنون الأشدّ قدما للتّراجيديا اليونانيّة تلك الّتي تنتهي فيها الحكايات بسقوط فظيع للبطل أمام قوى الآلهة، غير أنّ المخصيّ في قصّتنا لم يواجه قوى من خارج ذاته فقط بل قوى الغريزة الّتي فيه والّتي دفعته إلى التّمادي في الانتهازيّة، وقد أتاحت له قيم النّظام السّائد المستبدّ ذلك فقدره منذ البدايّة أن يفشل في دراسته وأن يواجه الاحتقار والتّمييز وسوء الفهم في المؤسّسة التّعليميّة، فيعزم أن يثقّف نفسه بنفسه وأن يثأر من هذا النّظام الّذي أقصاه وأذلّه ولم يعتبره إنسانا وعاد إلى حلبة الصّراع مستعملا حيلته موظّفا ثقافته لتحقيق مآربه ودعم سلطته ونفوذه فكان يتبجّح طيلة أحداث الرّواية بفحولته وفطنته وقدرته على اختراق الثّغرات، ثغرات النّظام الّذي همّشه في البداية وأذلّه. فما ذلك التّبجّح سوى وجه من وجوه الانكسار وما ذلك العنف تجاه كلّ مقدّسات المجتمع وخرق المحرّمات سوى اعتداء نابع من ألم النّبذ ووجيعة الإخفاق. فبأي ذنب أخصي في نهاية المطاف؟ بذنب تماديه في محاكاة النّظام الّذي أهانه فصار له خادما ذليلا، أم الخصاء صورة عن القانون الغائب الّذي تمّ اختراقه مرّات، قانون يتجلىّ في صور شتّى دينيّة واجتماعيّة ونفسيّة؟

هذه الرّواية لغز محيّر، تستدعي التّأمّل العميق فهي صورة كابوسيّة لكنّها تفتح نوافذ المحاسبة والمساءلة ومراجعة صور الشّرّ ومنابعه، فهي بحقّ عمل أصيل بمعنى أنّها تقدّم للقرّاء صورة الظّلّ وتكشف أمامهم قلبَ الشّرّ، فيمكنهم حينئذ أن يروه وأن يعرفوه وأن يعقلوهُ. ولعلّ نهايتها الأليمة تستفزّ القارئ ليعودَ باحثا عن الذّنب والمسؤوليّة، والذّنبُ لا يتحمّله المخصيّ وحدهُ ولا الّذين أنزلوا به شرّ عذاب. فالذّنبُ مشتركُ تتحمّله الجماعة الّتي جعلت العنف فيها يدارُ بالعنفِ، والألم يولّد الألمَ، وقد بدت مواقف المخصيّ من الصّوت النّسوي الهادر بعنف بعد الثّورة عنيفة أيضا وكيف لا تكون كذلك وصوت النّساء يذكّره بعنفِ بخصائه وعجزه وقهره وتاريخه الطّويل من الذلّ، فكيفَ يتقبّلُ مجتمعُ التّبجّح بالفحولة القائمة على الاغتصاب والبيع والشّراء والقهر صوت المرأة تطالب بإنسانيتها وأن لا تكون فقط شيئا من أشياء المتعة الساديّة القائمة على الاستبداد؟ ولعلّ من وجوه تركيب هذه الرّواية أنّ العقاب نفذه بالمخصيّ أولئك الّذين ترعرعوا بدورهم في الخوف والتّخويف، نبتوا في الرّهبة من الجحيم ومن النّار وأينعوا يخوّفون بالنّار والحديد، وجبنوا أمام النّظام الّذي حاصرهم في السّجون وعذّبهم وأذلّهم ثمّ لمّا انهار النّظام عادوا يثأرون لمذلتهم ويتبجّحون بتديّنهم وسلطتهم الإلهيّة الوهميّة، فنحن أمام دائرة من العنف المنتج للعنف، وهلكَ المخصيّ على أياديهم ولم يواجه لا مخاوفه القديمة النّاتجة عن بنيّة الاستبداد والحقرة ولا المتجدّدة بعد قدومهم، وقد كان بدوره معتديا على من اعترض طريقه من الضّعفاء من خلال الثّغرات الّتي وجدها حتّى أولئك الأقربون الّذين كانت الزّوجة لهم رمزا لم ينجوا من عنفه وحقارته الّذين يخفيان آلامه وشعوره بالضآلة. فماذا لو واجه هذا المخصيّ مرّة واحدة مخاوفه؟ وماذا لو واجه أعداءه بصدر عار؟ هل كان يمكن أن يكون لهذه الرّواية نهاية أخرى؟ هل يمكن أن تكتب عندئذ رواية أخرى لا يعرفُ فيها مآل الصّراع مع الشّرّ الّذي فينا والشّرّ الّذي كنّا ضحاياه والشّرّ الّذي يهدّدنا أبدا؟

سمح الكاتب للمخصيّ سالم عبد الحقّ أن يحكي قصّته وألمه وعذابه فكان وجها آخر لكوسطا، فكوسطا تدفعه غريزة الحياة ليتحايل ليعيش والمخصيّ تدفعه نوازع النّقمة وشتّان بين الدّافعين وإن تشابهت الوسائل. وهذه الرّواية تكشف للمتأمّل فيها رغم سوداويّتها وجها من وجوه الغد الممكن فكلّ قصّة سقوط تستلزم قصّة مسؤوليّة وبناء. غد ممكن تتحرّر فيه بنيّة المجتمع من القمع، ويعترف فيه كلّ إنسان بكرامة أخيه الإنسان ولا يهانُ لفقره أو جنسه أو شكله أو قدراته مهما كانت وتتشكّل علاقات يحكمها القانون لا الغابُ وتسودها العدالة لا الاغتصابُ والاستقواء والاعتداء، فهذه الرّواية تبعث على الحيرة وتطرح أسئلة وجوديّة واجتماعيّة وسياسيّة ولكن أيضا أسئلة أخلاقيّة عميقة. ولعلّها تترك فينا بعد إنهاء قراءتها ذلك الشّعور الغامض بالفزع وتلك المراجعة الأخلاقيّة للذّات ومذاقا مرّا مأتاه في اعتقادنا أنّ النصّ الّذي بين أيدينا يتنزّل ضمن النّصوص التّعليميّة الكبرى الّتي لها أصولها الميثيّة منذ الإغريق والّتي تقوم بوظائف نفسيّة مهمّة لغرس مبدأ المسؤوليّة غرسا في الوجدان. فهذه رواية معلّم أصيل، وقد كان الله خالقا ومعلّما يذكّر مخلوقاته فيعلّمهم ويؤدّبهم ويرافقهم ليكونوا صورة منه وليكون وجودهم امتدادا لوجوده والعكس. وكذلك كان الأدباء على مرّ الأزمان يعتقدون أنّ وراء رسالتهم الفنيّة ولعبتهم السرديّة معنى وأنّ لأدبهم غايّة أخرى تتعلّق بالقارئ لا النّصّ ولا صاحبه. وعلى هذا النّحو نفهم علاقة عتبة الإهداء ببقيّة جسد النّصّ. وبهذا نؤوّل المرارة المصحوبة بمتعة القصّ والنّهاية الفاجعة.

إنّ ما وراء هذا العمل الأدبيّ وإهدائه للطّلبة وعيا بمأساة الإنسان في الوجود الموتُ أمامهُ والعبثُ وراءهُ فلا يبقى من الكائن الفاني سوى الأثرُ والعملُ ينقلهُ الكاتبُ كماَ نُقل إليه فيُنقل عنه جيلا بعد جيل. فيتواصلُ الفنّ عبر هذا النّقلِ وتتواصلُ معه المأساةُ عينها: تشوّفنا إلى الخلود وقصورنا عنه، وتسامينا إلى الألوهيّة وانجذابنا نحو طبيعتنا الحيوانيّة، فلا خلاصَ ولا فرارَ فتشقّ الصّرخةُ الضّلوع.

إنّ “بنيان الفحولة” قد تهاوى وتفجّر بعد الثّورة ولم يبق الآن بعد أن كشفت الرّوايّة عن كل هذه المكبوتات والشّرور وبعد كل هذا السقوط المروع في جحيم العقاب والألم سوى إعادة بناء المجتمع الجديد على أسس المساواة واحترام كرامة الجسد واحترام حقوق الإنسان والعدالة ونبذ مظاهر الاحتقار والتّمييز الّتي جعلت المخصيّ شخصيّة عليلة وجعلته آثما وجعلت نهايته فاجعة. فإذا كانت مزيّة هذه الرّواية أن فضحت المسكوت عنه فإنّ قيمتها تتجسّد حين ننتبه إلى عمقها الأخلاقيّ ودعوتها غير المباشرة إلى ثقافة الإنسان.

لقد بدت كلّ الشّخصيات في “كوسطا” الحانة مسوخا مسّها الشّرّ فتَأَبْلَسَت وغابت الحبيباتُ والأطفالُ فلعلّ صرخة سقوط ثقافة الذّكورة هي ذاتها صرخة ولادة مجتمع جديد تكون فيه للحبّ والطّفولة الكلمة الفصلُ. ففي هذه البلاد ما يستحقّ الأمل.

 ******

[1]  محمد الصّالح البوعمراني، كوسطا أو عودة بني أميّة، دار مسكلياني، 2019.  وللكاتب قبل ذلك في الكتابة الأدبيّة النّيران الصّديقة- حكايا، 2004، و…حيّا أو ميّتا روايّة 2008. وهو في الأصل أستاذ محاضر في اللسانيات العرفانيّة وتحليل الخطاب كتب في ذلك:  أثر الأسطورة في لغة أدونيس الشّعريّة (بحث في الدّلالة) 2006. و دراسات نظريّة وتطبيقيّة في علم الدّلالة العرفانيّ 2009، والسّيميائيّة العرفانيّة: الاستعاري والثّقافي2015، والاستعارات التّصوّريّة وتحليل الخطاب السّياسيّ 2015  واستعارة القوّة في أدب جبران خليل جبران (مقاربة عرفانيّة) 2016.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق