لاهوت سليماني وناسوت الأسد / بشار جابر

زج سليماني مشايخ العلويين السوريين، قبل أفرادهم، في الحجيج إلى إيران وتسويق ثقافتها الدينية (غيتي)
كان وصول سليماني إلى سوريا مُبكراً، الرجل الذي نشأ على ما يبدو أنها حربٌ دائمة، وعلى أن المجتمع عليه دوماً أن يظهر مقاتلاً وجلفاً وبشعاً أمام أعداء سلطته. تربى سليماني على يدَي الخُميني، الذي شكل نواة إحدى أقوى المليشيات الاجتماعية، والتي تُشكل هرماً خفياً للسلطة، وليست منظمات الدفاع الوطني، والمليشيات السورية غير النظامية، إلا بلورة لثقافة الخُميني في جعل الدولة والجامع – الدين – وفئة اجتماعية مؤدلجة دينياً كياناً صراعياً داخل المجتمع وباتجاه الخارج إن لزم الأمر.

وصل السليماني إلى سوريا بلحية بيضاء، فتحول في المعنى المخيالي لنظام الأسد، إلى العجوز الحكيم الذي يُستمعُ لنصحه، أكثر من كونه رجل إيران، وأقوى رجال المنطقة وحاكمُ عنفها. بشار الأسد الذي أحال للتقاعد كل عجائز فترة أبيه، استعان بلحية بيضاء، كدلالة على حكمة يرتجيها، أكثر من كونه يرتضي بإزاحة قوته وهيبة جيشه، إلى قائد غريب أمسك زمام الخرائط في سوريا.

الأفضل في سليماني أنه لا يبدو غريباً عن أي منطقة تطأها قدماه، الاستعداد الفطري غير المثقف لدى أبناء المنطقة، جعل آلية عمله أسهل، البُعد الطائفي، البذور الاجتماعية المستعدة للانخراط بالأدلجة جراء خوفها وقلة انتمائها الوطني الكلاسيكي تجعله سيداً بسهولة. وبدايته السورية كانت في جعل العلويين جماعة سياسية مسلحة، وقبل ذلك جماعة دينية، أو جماعة أخلاقية بالبعد الفلسفي والإيديولوجي. هذا صلب ما علمه الملتحي الأبيض لبشار الأسد ونظامه، لجعل سوريا موطناً لصراع ديني لا يتوقف، ولجعل العلويين جماعة في وجه جماعة جرى صنعها بصنع نقيضها الحتمي.

فاستعاض عن الجيش السوري بمليشيات طائفية من نوع مطابق لما ينجح فيه، أو لأفضل ما نشأ عليه ويُمكن جعله عمومياً. تصدير الثورة بجعل آلياتها عنفاً مُسيطراً وأميناً ومُشكلاً للجماعات الدينية، ذات الأخلاقية المطابقة لإيديولوجيا الخُميني وعقليته. ولم يكن متهاوناً في جعل نفسه حاكماً وقائداً عسكرياً فقط، بل زج مشايخ العلويين قبل أفرادهم، بالحجيج إلى إيران وتسويق ثقافتها الدينية. فهو يتماهى مع الإيديولوجيا الدينية من دون أي تلفيق، فلم يستعض باستعداد العلويين والشيعة في سوريا القتال مع النظام بفطرة الخوف التي زرعها النظام، عن بنائهم دينياً، وهيكلة فراغهم الديني السلوكي، فطوّع معتقداتهم لتصبح ما قبل حداثوية كما يليق بحروب مقدسة، مشعوذة وطائفية وذات سيكولوجيا تحول الآخر إلى بهيمية سوداء، ينورها القتل، ويشرعن موتها. كان السليماني وحشاً خجولاً مؤمناً بما يقوم به. متعالى إلى الحد الذي يجعلُ من نفسه مُمسكاً بكنزٍ سماوي، بمعرفة تدلهُ عليها السماء، ما لم نستثنِ روح الخميني والخامنئي من بعده. هذا التعالي المرضي، مشعوذ بطريقة رائجة لما بعد الحداثة، التي لا تجترح من العقل وروح الجماعات الحرة والأفراد فيها أي معنى، فتخلق انفعالات رمزية وتمثلات فردية عبثية اسطورية، كتمردٍ على أفكار معقلنة أو معقولة أو طموحة.

فيظهر السليماني في سوريا من دون ضحكة أو ابتسامة، ولا ترتفع يداه لنصرٍ ما، فيبقى متعالياً، موارباً خلف أبواب نصر الجنود وضحكاتهم، يظهر عليه البرد أحياناً، فيسير مُسرعاً في حلب، وبين الجنود الذين لا يهتفون وهم حوله لاحترام بُعده المسلكي الحكيم الهادئ المتأمل. وتهربُ صوره المُسربة إلى الجموع، كخفي معتم ظهر من جسرِ وجوده السماوي إلى السوريين وإلى جماعته وأتباعه نفسهم كحدث أسلوبي نادر.

ورغم عمله في كيان سوريا، التي يبدو فيها النظام الرسمي علمانياً، إلا أنه تعلمَ ألا يحارب قوى لا تعادي عمله، ولا تضرب إسقاطه الخيالي الإلهوي على الواقع. بل أن يبدو أستاذاً حكيماً بتجسدٍ مادي خفيف. فما يعنيه أن يظهر النظام كيفما أراد، لطالما يظهر جانبه التبشيري الأسطوري القوي فعلياً على الأرض. أي أن بشار الأسد ليس سوى (ناسوت) حائر كذوب وضائع، أما السليماني فهو لاهوت يتحدث عن الله ونيابة عن أركانه في إيران، صانعاً لمجد المجتمع الأخلاقي المقاتل المؤمن، والذين جندهم الله بالصلات المباشرة بالناسوت (السليماني) الذي يشق نفسه وصانعيه وأتباعه لكي يصبح لاهوتاً خالصاً. وهو ليس إلا كما يقول كوجييف عن رجال الدين “ناسوت من شأنه أن يجهل نفسه”. متناسياً باستعلائه أنه ناسوت بحت. أو يمكن تأنيسه وفهمه.

ميديا حديثة تُعيد خلقه وأسطرته، موسيقى ذات إيقاع ديني تُصاحب فيديوهاته، خلافاً للناسوتيين المقاتلين العساكر، الذين يجتلبون موسيقى حماسية أو عنفوانية فيشكلون أتباعاً منفعلين ومتماثلين في طغيانهم وتسلطهم. أما السليماني فلا يليق له الظهور سوى كمتأملٍ اختار الحرب لأنها لسان الله فيه وضرورة وجوده، وأن مهامه لا تتوقف بزمنٍ جزئي تُحدده أغنية أو تُنمطه.

لكن السليماني لم يستطع النجاح في البيئة السورية، سوى بالاعتماد على أبناء جلدته، فكانت صدمته في عدم قدرته على تسويغ السلوك الإيماني الجمعي للعلويين بجعلهم إيديولوجيين ثوريين أسوة بالعراقيين واللبنانيين، فخيبوه سريعاً ما أن وصل الروس، وبات الناسوت منتصراً على لاهوته في سوريا. إلا أنه لم يستكن وسارع لاقتناص حربه من النظام والروس والاكتفاء بأتباعٍ شيعة يقاتلون معه وله. هذه الإزاحة الروسية جعلته أكثر استعلاءً، وتمركزاً فاكتفت الميديا الدينية في الشق العراقي واللبناني بتقديسه، أما في سوريا، فتتجلى إيمانيته البحتة. فحتى يوم وفاته، لم تتوقف مليشياته عن القتال والحرب بصمت، وكأن سوريا محج تأملاته وسطوة صبره وتجارب أتباعه والمؤمنين بأفكاره. لقد مات في سوريا اللاهوت البحت، والذي استعان فيه بشار الأسد عنوة وتوافقاً، الحكيم اللاهوتي الذي قاد حرباً دينية يخشى من وضوحها ناسوتي لعوب مثل بشار الأسد توفي قتلاً. هذا النجاح المهيب للاهوت الخفي لن يتكرر بسهولة. ما يُهين موت السليماني في سوريا فرح النظام بموت لاهوتي خدم نظامي ناسوتي بالمطلق، من دون أن ينجح في جعل سوريا اجتماعياً تتبع فكره أو قادته. مات اللاهوت صامتاً متوارياً من دون شهرة أصيلة، أو أتباع سوريين. خدماته الآن تظهر لكنها ستُنسى سريعاً.

عن موقع المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This