الحياة السرية لسلمان رشدي في مذكراته / أسامة إسبر

غالباً ما تُطْرح أسئلة مهمة على المذكرات، أو السّير الذاتية، مثل: هل تعبّر بشكل دقيق عن حياة الكاتب وحقبته؟ وهل يطغى منظور الكاتب، ويرى الأشياء كلها كما يريد أن يراها، محاولاً أَسْطرة نفسه؟ هل يرى أخطاءه، ويعترف بها بجرأة من دون خوف، فاسحاً المجال لوجهات نظر تضرب مركزية الأنا الساردة؟ أم هل يكون الكاتب أسير نظرته ويستسلم لفحولة أناه، “لخطأ رغبته بأن يُحب”، كما حدث لرشدي، على حد تعبيره؟ ثم أليست القصة قصة حياته، ألا يحق له أن يرويها كما يشاء؟ ما درجة الموضوعية هنا، وهل تهم؟ لا شك أن مذكرات “جوزيف أنطون”، للروائي البريطاني من أصل هندي، سلمان رشدي، ستثير مزيداً من الأسئلة، لأنها ليست قصة حياة شخص، بل هي قصة حياة كاتب، وأزمنته، وتتناول موضوعاً إشكالياً هو قضية رواية “آيات شيطانية”، التي انشغلت بها شخصيات سياسية وفكرية وأدبية ودينية كثيرة من مختلف الثقافات والخلفيات، ودارت المعارك حولها على صفحات الإعلام لمدة طويلة، ولهذا تستحق هذه الحقبة التي شهدت الحدث أكثر من قراءة، بما أن القضية إشكالية ومتجاوزة للحدود الثقافية، وتتعلق بمسبقات وصراع تاريخي. ورغم أن رشدي حاول أن يتحلى بالموضوعية، إلا أنه لم يستطع الإخلاص لها دوماً، ووقع في مطب النظرة الإلغائية، وجعلته كراهيته للإسلام لا يرى فيه إلا جوهر التعصب وإلغاء الآخر، بل وصل به الأمر إلى إعلان أن الدين الإسلامي ضد السعادة.
يبدأ كتاب “جوزيف أنطون” بتلقي رشدي لاتصال هاتفي في عيد الحب (الفالنتاين) وصله من خلاله النبأ المغيِّر لحياته، وأعني الفتوى التي أصدرها الإمام آية الله الخميني بهدر دمه، بعد صدور رواية “آيات شيطانية”، التي اعتُبرت مسيئة لرموز الإسلام المقدسة، وسببت أعمال شغب انتهت بقتلى وجرحى في بلدان كثيرة. ويتابع الكاتب كي يروي قصة اختفائه القسري بعد إدخاله في ما يُسمى برنامج الحماية الذي يُشرف عليه الأمن البريطاني، والحياة السرية التامة التي عاشها لأكثر من عقد كمحميّ، أو شخص خاضع للحماية، مثله مثل الشهود المهمين والشخصيات السياسية التي يُخْشى عليها من الاغتيال، وذلك بعد أن غيَّر اسمه إلى جوزيف أنطون، وهو مزيج من الاسمين الأولين للكاتبين العظيمين، جوزيف كونراد، وأنطون تشيخوف.
يتحدث رشدي بالتفصيل عن رواية “آيات شيطانية”، وأسباب اختياره لعنوانها، مستعيداً قصة الغرانيق، والآية التي ألقاها الشيطان على لسان النبي، مصراً على أنه لا يهاجم النبي، وعلى اعتبار روايته عملاً إبداعياً لا يسيء للإسلام، وجاهد كي يضع الرواية في سياق فني إبداعي وفكري يخرجها من الزاوية التي حُشرت فيها، بل إن سلمان رشدي حاول أن يلعب اللعبة فكرياً، كي ينقذ روايته من براثن السياسية والإعلام واختزالها إلى كتاب ضد الدين الإسلامي، واعتبرها نتاج تراث طويل من الجدل الفكري بين الثابت والمتحول، بين تيار ابن رشد، و تيار الغزالي، مصراً على أنه ألّف الرواية من منطلقات فكرية تستلهم خط التحول في الفكر العربي الإسلامي، كما تجسده التجربة الفلسفية الرشدية. ويتحدث بالتفصيل عن الدور الذي لعبه والده في تكوينه الفكري، وتأثره بفكر الفيلسوف ابن رشد، الذي كان نقيض خط الفيلسوف الغزالي في الفكر. وهذا ما يؤكده رشدي، خاصة بعد أن يتحدث عن والده قائلاً إن الهدية الأثمن التي قدمها هي اسم العائلة، ذلك أنّ والده غيّر اسمه إلى أنيس رشدي، وكنية رشدي هي من ابن رشد. واختار والده الاسم لأنه يحترم ابن رشد، كونه كان في مقدمة الجدل العقلاني ضد التفسير الحرفي للنص الديني في زمنه. ولقد كان لتأثر والده بابن رشد دور في المعركة التي دارت حول رواية “آيات شيطانية”، كما يذكر رشدي في مذكراته:
“قال لنفسه حين هبت العاصفة فوق رأسه: على الأقل، أنا أدخل المعركة حاملاً الاسم الصحيح. ومن داخل القبر، سلّمه والده الراية التي كان مستعداً كي يقاتل تحتها، راية ابن رشد، التي عبرت عن الفكر والحجة والتحليل والتقدم وتحرر الفلسفة والتعليم من قيود اللاهوت، والتي جسّدت العقل الإنساني ضد الإيمان الأعمى والخضوع والقبول والبلادة. لم يرد أحد أبداً الذهاب إلى الحرب، ولكن إذا جاءت الحرب إليك، من المحتمل أن تكون أيضاً الحرب الملائمة، حول الأشياء الأكثر أهمية في العالم، ويمكنك أيضاً، إذا كنتَ ستخوضها، أن تُدعى رشدي، وتقف حيث وضعك والدك، في التراث الأرسطي المهيب، تراث ابن رشد، أبي الوليد محمد ابن أحمد ابن رشد”.

يتنقل رشدي في مذكراته بين الماضي والحاضر، كما لو أنه يكتب رواية، ويصور الشخصيات التي التقى بها في مجرى حياته، وهم سياسيون، ورجال أمن، ورجال شرطة، واستخبارات، وصحفيون، كما لو أنه يصور شخصيات روائية. ويعود إلى ذكريات الطفولة، وإلى المؤثرات الأولى التي أثرت في تكوينه ككاتب، وخاصة والده الذي جذبه إلى عالم الحكايات والقصص حين كان يقص عليه وقت النوم حكايات الشرق العجيبة، وخاصة ألف ليلة وليلة، والأسفار الخمسة، أو البنجاتنترا وحكايات الأبطال الجبابرة التي جُمعت في الحمزنامة. يذكر أيضاً تأثير أمه، التي وصفها بأنها من أكبر الثرثارات في العالم وأفضلهن، والتي كانت تروي له أسرار الجيران والمعارف والأقارب. وكان يستخدم بعض تفاصيل هذه الثرثرة في قصصه، فاستاءت أمه، وكان رده إن هناك قاعدة واحدة في الحياة، وهي أنك إذا أردتَ الحفاظ على سر يجب ألا تتفوه به لأحد.
يمكن القول إن مذكرات سلمان رشدي في هذا الكتاب رواية طويلة تتقاطع فيها حكايات كثيرة من أوقات مختلفة منذ طفولة الكاتب حتى تقريباً عام 2001. أولاً نعرف عن الفتوى والضربة التي وجهتها لحياته كشخصية أدبية عامة، ونتعرف على رجال الحماية السرية وعوالمهم. وهنا يظهر رشدي أنه مطلع على تفاصيل أجهزة الأمن الأوروبية، البريطانية والفرنسية، وخبير بالسيارات المصفحة، ويتحدث عن التدريب العالي والمناورات ومشاكل الحراسة والوسوسة والمبالغة الأمنية المفرطة لدى جهاز الأمن الفرنسي “ريد”، وفريق الحماية في أميركا الذي كُلف بحراسته حين سُمح له بالسفر إلى أميركا على متن طائرة عسكرية تابعة للقوت الجوية الملكية البريطانية لمواصلة حملته ضد الفتوى، ذاكراً أنه حين وصل إلى نيوجرسي كان ينتظره على مدرج مطار تيترو بورو “موكب من تسع سيارات مع مرافقين على الدراجات. وكانت السيارة الرئيسية سيارة ليموزين بيضاء مصفحة وطويلة”.
يعود الكاتب إلى والده أنيس رشدي، مدمن الويسكي، الذي كان يوقظ أفراد العائلة في الليل، ويشتمهم بأقذع الشتائم، وإلى علاقة أمه السيئة بأبيه، وكيف لجأت إلى الصمت والنسيان كي تنقذ زواجها، متكتمة على حب قديم لم تعد إليه حين سنحت لها الفرصة بعد وفاة زوجها. ويذكر شقيقتيه، إحداهما مقربة منه وتعيش في لندن، بينما الثانية ادعت بأنه نصب عليها وحرمها من ميراث أبيها، فقطع علاقته معها، وهددها باللجوء إلى القانون إذا لم تتوقف عن اتهاماتها. توفيت أخته هذه في أميركا، بعد أن أصيبت بأمراض نفسية وسمنة مفرطة على حد قوله. ثم ينتقل سلمان رشدي إلى قصص علاقاته الغرامية وخياناته الزوجية، ويبدأ بزوجته السابقة كلاريسا، المطلقة أم ابنه الأول ظفر، التي ماتت من السرطان. ثم يتناول حياته مع الروائية الأميركية، ماريان ويجينز، التي اتهمها بسرقة صور ووثائق مهمة من مكتبه، وعرضها للبيع بأسعار مرتفعة، ثم انفصاله عنها، وقصة حبه مع الكاتبة الأسترالية، روبن ديفدسون، وممارسته للجنس مع الشابة كارولين لانغ، ابنة صديقه، جاك لانغ، في فندق في باريس، بعد تناول كمية كبيرة من النبيذ، ثم علاقته مع إليزابيث، أم ابنه الثاني هارون، وخيانته لها، وصولاً إلى قصة حبه في أميركا مع عارضة الأزياء من أصل هندي، بادما لاكشمي، التي سحرته وقرر أن يمضي ما تبقى من حياته معها، لكن علاقته معها فشلت وتحولت إلى عداوة وفضائح متبادلة، اتهمته

فيها بادما بأن أنانيته بلا حدود.
يذكر رشدي الجوائز الأدبية الرفيعة التي حصل عليها، ونجاح كتبه وترجماتها إلى لغات عالمية كثيرة، وعلاقته مع الناشرين، والسياسيين الذين دعموه، أو وقفوا ضده. كل هذه القصص تتقاطع في نسيج المذكرات الصادرة في الإنكليزية في 600 صفحة من القطع الكبير عن دار “بنغوين راندوم هاوس”، التي ستصدر ترجمتها العربية قريباً عن “دار الجمل”.
يتناول رشدي أيضاً الفنادق والنزل والشقق ومزارع وبيوت الأصدقاء التي عاش فيها حياته السرية باسم جوزيف أنطون. ويبدو أن رشدي كان محظوظاً، لأن كتبه حققت له دخلاً كبيراً ساعده على التنقل واستئجار وشراء العقارات، بالإضافة إلى دخله من الصحافة، الذي كان يسدد بعض الفواتير.
ينتقد رشدي في مذكراته “أصحاب العمائم في قم”، ويحملهم المسؤولية عن الإرهاب العالمي، كما يحمّل الفكر الوهابي المسؤولية أيضاً، معتبراً أن قرار الغرب بتعيين آل سعود على عرش الثروة النفطية هو أكبر خطأ ارتكبته القوى الغربية في تاريخ سياستها الخارجية، لأن هذه الثروة استُخدمت، بحسب رشدي، في بناء المدارس الدينية، ونشر الأيديولوجيا المتطرفة لمحمد بن عبدالوهاب، ولهذا السبب انتشرت الوهابية خارج العالم العربي، ففي الهند انتشرت الطائفة الديوبندية من معهد دار العلوم، وفي إيران هناك الفقهاء المتشددون لقم، وفي مصر سنية المحافظين الأقوياء للجامع الأزهر. وخرّجت المدارس الممولة من النفط السعودي “أجيالاً من ذوي الأعين الضيقة والذقون المشعرة والقبضات التي تُشد بسهولة، وابتعد الإسلام مسافة كبيرة عن أصوله”. وضمن هذا السياق، يرى رشدي أنه إذا خُسرت المعركة الفكرية المستندة إلى الرشدية، لن يسود إلا التعصب.
تشارف مذكرات رشدي على الانتهاء وهو في نيويورك في 10 أيلول/ سبتمبر 2001، حيث شهد الحدث الذي أحدث انقلاباً في السياسة العالمية، أي هجمات الحادي عشر من أيلول. ويصف المناخ السائد في أميركا آنذاك، ويستشهد بصحيفتي لو نوفيل أوبزرفاتور، والغارديان، اللتين دعتا رواية آيات شيطانية “عالمة بالغيب ونبوئية”.
يتحدث رشدي في “جوزيف أنطون” أيضاً عن أسفاره في العالم، في أستراليا، وكندا، وأميركا اللاتينية، وعن صداقاته مع كتاب كبار، مثل كارلوس فوينتس، ولقائه مع زوجة بورخس، وكتاب أميركيين وكنديين شماليين وأميركيين جنوبيين، وحديثه الهاتفي الطويل مع غابرييل غارسيا ماركيز، واجتماعه مع الروائي الألماني غنتر غراس، الذي وقف معه منذ البداية، واكتشف أنه راقص عظيم متقن لأنواع عديدة من الرقصات، وقال إنه حسده أيضاً على مهارته كفنان مبدع للأعمال البرونزية، ورسوم الضفادع والجرذان والأسماك المفلطحة وأسماك الحنكليس. كما يتحدث رشدي عن الكتاب الذين وقفوا معه ضد الفتوى الإيرانية، وبينهم أسماء معروفة، مثل نادين غورديمر، ونور الدين فرح، وإدوارد سعيد، ومحمد أركون، وأدونيس، وآسيا جبار، التي قالت إن رشدي أول رجل عاش الوضع الذي تعيشه المرأة العربية، وهو قادر على الكتابة من موقع هذه المرأة، وعزيز العظمة الذي انتقد بحدة الهجوم على رواية الآيات الشيطانية،، كما يذكر أيضاً الكاتب التركي الساخر، عزيز نيسين، الذي دافع عنه، ونشر مقاطع من الرواية في جريدة يسارية كان يصدرها، لكنه قال إنه فعل ذلك دون أن يستأذن الناشر، كما يخص بالذكر الكتاب الذي صدر في الفرنسية تضامناً معه، وشارك فيه مئة كاتب عربي.

ويتحدث رشدي أيضاً عن ندواته الجامعية والمؤتمرات التي حضرها، ولقائه برجال دين مسيحيين ويهود، كما يتحدث بالتفصيل عن تأليف روايات مثل “هارون وبحر الحكايات”، و”شاليمار المهرج”، و”الأرض التي تحت قدميها”، وغيرها، وكتابته للمقالات في الصحف، كما يغمز من قناة صحيفة الإندبندنت البريطانية التي كانت تهاجمه قائلاً إنها صارت منبراً للكتاب المسلمين.
يختتم رشدي مذكراته منتقداً عصره، هذا العصر الذي يميل فيه البشر إلى الهويات الضيقة، ويسجنون أنفسهم في قوالبها، كيهود ومسلمين وهندوس ومسيحيين وبهائيين، وكلما ازداد التمسك بهذه الهويات ازداد احتمال الصراع في ما بينهم، وهنا يلعب الأدب، وخاصة فن الرواية، دوراً مهماً، كما يقول رشدي في مذكراته، فالرواية تساعدنا في فهم الطبيعة البشرية، والتماهي والتعاطف مع أشخاص مختلفين رغم وجود أشخاص في الواقع يريدون أن يكون العالم مغلقاً.

(*) شاعر ومترجم سوري.

عنوان الكتاب: جوزيف أنطوان

عن ضفة ثالثة

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This