الرّاحلون العرب في 2019 من أهل الفكر والأدب (ج. 3/2)

10)

في النّصف الثّاني من شهر أبريل/نيسان، توفّي الشّاعر المغربيّ الشّاب محسن أخريف إثر صعقة كهربائيّة بعد أن أنهى مداخلته بخيمة الكتّاب بمدينة تطوان المغربيّة في عيد الكتّاب.

محسن أخريف هو رئيس “رابطة أدباء الشّمال بالمغرب”. كتب الشّعر والرّواية والقصّة ونال عديد الجوائز عن إنتاجاته الأدبيّة المتنوّعة.

بين مجموعته الشّعريّة الأولى “ترانيم للرّحيل” الصّادرة سنة 2001 والرّابعة “مفترق الوجود” الصّادرة في 2019  ظلّ الشّاعر مسكونا بما لا يستطيع معظم الشّعراء التخلّص من التّفكير فيه: الموت والرّحيل عن هذا العالم الذي لا يُرضيهم بكل مآسيه وخيباته.

كما أصدر مجموعة “حصانان خاسران” في سنة 2009  و “ترويض الأحلام الجامحة” في 2012.

أمّا في الرّواية فقد كانت له تجربة في “شراك الهوى” سنة 2013 والتي نال بها “جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشّباب”.

ولعلّ مجموعته الأخيرة التي صدرت في السّنة التي توفّي فيها “مفترق الوجود”، كانت تشي بحيرة الشّاعر ووصوله إلى “مفترق” التّساؤل ليعزف في النّهاية “ترانيم الرّحيل”.

11)

في الشّهر نفسه، أبريل/نيسان وفي الرّابع والعشرين منه، وفي أربيل بعيدا عن ضفاف دجلة أين وُلد، تُوفّي الشّاعر الشّعبيّ العراقيّ خضير هادي الذي تحوّلت قصائده إلى أغان شهيرة على ألسنة كبار الفنّانين كـكاظم السّاهر و حاتم العراقيّ.

وتبقى أشهر قصائده قصيدة “خمسة زايد خمسة” عن قتلى العراق في الحرب العراقيّة الإيرانيّة والتي أخذت بعدا سياسيّا كبيرا.

لكن خضير، وإلى جانب هذه القصيدة، أبدع عديد “الألبومات” الشّعريّة منها:

“أسوار الذّهب” و “عنوان إلى صديق” و “الوداع يا أمي” وغيرها كثير.

وكان من أوائل من أدخلوا الفرقة الموسيقيّة مع الإلقاء الشّعريّ فأسّس مدرسة جديدة في فنّ الإلقاء الشّعبيّ الحديث مع تصوير عديد القصائد بطريقة “الفيديو كليب”.

وتنوّعت أغراض شعره بين السّياسيّ والوجدانيّ والغنائيّ وتميّز بغزارة إنتاجه وحسّه المرهف.

ومن القصائد التي لا تُنسى لـخضير هادي قصيدته التي رثى فيها الطّيّار الأردنيّ معاذ الكساسبة الذي اغتاله التنظيم الإرهابيّ “داعش”.

بعد الحرب الأخيرة في العراق، وبالتحديد في سنة 2003 غادر خضير وطنه خوفا ليعيش لاجئا في عديد البلدان وتنقّل بين سوريا والأردن ولبنان والإمارات وقطر والكويت ليحطّ به الرّحال أخيرا في إقليم كردستان ويموت هناك بعيدا عن دجلة قريبا من العراق.

12)

عن تسعين سنة، رحل المفكّر والمناضل الفلسطينيّ الكبير صبحي غوشة في الثّلاثين من أبريل/نيسان.

أديب آخر قادم من عالم الأطبّاء وُلد بالـقدس في حيّ الشّيخ جرّاح وسخّر حياته لمدينته، التي أصبح أحد أعلامها، ولوطنه ككلّ.

و صبحي غوشة يحمل تاريخا نضاليّا كبيرا. فهو من مؤسّسي “حركة القوميّين العرب” مع “جورج حبش”. كما أنشأ في سنة 1967 “جبهة النّضال الشّعبيّ الفلسطينيّ”.

تعرّض للسّجن والإبعاد إلى عمّان التي استقرّ بها حتى وفاته. وعُرف الفقيد بنشاطه الاجتماعيّ الكبير وحسّه الإنسانيّ كطبيب.

وللدكتور غوشة مؤلّفات كثيرة منها “القدس: الحياة الاجتماعيّة في القرن العشرين” الصّادر سنة 2010. وقبله ألّف “شمسنا لن تغيب” في 1986 و “الشّمس من النّافذة العالية: وجوه في رحلة النّضال والسّجن” في 1988.

ويعود إليه الفضل في تأسيس “فرقة القدس للتّراث الشّعبيّ” و “جمعيّة نساء من أجل القدس”.

لقد رحل، برحيل الدكتور صبحي غوشة، وجه فكريّ ونضاليّ فلسطينيّ آخر من وجوه الفكر والحداثة في خمسينيّات القرن الماضي.

13)

ربّما كان على سنة 2019 أن تبلغ شهر ماي/أيار، حتّى تستجمع قواها مرّة أخرى ، لتكون قادرة على “مواجهة” صدمتنا برحيل المفكّر الكبير الطيّب تيزيني عن خمس وثمانين سنة من العطاء الفكريّ الذي لا يكلّ.

قوميّا ماركسيّا بدأ رحلته، معتمدا على الجدليّة التّاريخيّة لإعادة قراءة الفكر العربيّ منذ ما قبل الإسلام. مقاوما عنيدا للإدعاء القائل بأنّ الفكر العربيّ مجرّد حامل للفكر اليونانيّ، رافضا لمركزيّة الفكر الغربيّ، داعيا إلى استئناف دورة تطوّر الفكر العربيّ كجزء من تطوّر الفكر الإنسانيّ.

بعد كتابه الأوّل “مشروع رؤية جديدة للفكر العربيّ في العصر الوسيط” الصّادر سنة 1971 اتّسعت آفاق البحث لدى الطيّب تيزيني ليتحوّل إلى معالجة عوائق النّهضة العربيّة مُتخلّصا من أعباء الإيديولوجيا ليُعتبر في النّهايّة واحدا من أعظم مائة فيلسوف في العالم للقرن العشرين سنة 1998.

ولن يتيسّر لنا، في هذا العرض المتواضع، الإتيان على كلّ مؤلّفات الدكتور طيّب تيزيني فالرّجل تميّز بإنتاج غزير وعميق من كتب ومقالات ومحاضرات كان الرّابط بينها دوما هو الدعوة إلى استعمال العقل وتحريره من مكبّلات التّراث وفتح الآفاق الرّحبة أمامه.

و للطيّب تيزيني أبعاده الحقوقيّة. فهو من مؤسّسي “المنظّمة السّوريّة لحقوق الإنسان” ومن الدّاعين إلى الحداثة والخلاص من المسلّمات الرّجعيّة المكبّلة للنّهضة العربيّة في مختلف مستوياتها وتمظهراتها. ولعلّ بابه الذي اعتاد كتابته في مجلّة “صروح” السّوريّة تحت عنوان “أوراق في التّنوير” قد ساهم في أن تظلّ تلك “الأوراق” دائمة الاخضرار متشبّثة بأغصانها في مواجهة العواصف التي تهبّ من كل الجهات على حديقة الفكر العربيّ.

14)

في الشّهر السّادس، جوان/حزيران، وفي التاسع عشر منه، كان على الشّعب العراقي أن يودّع الكاتبة ناهدة رفيق حلمي عن واحد وتسعين سنة بعد مسيرة طويلة ي عالم الأدب والصّحافة.

وُلدت ناهدة رفيق حلمي في الرُّبع الأول من القرن العشرين في مدينة كركوك. وهي سليلة عائلة سياسيّة معروفة. فوالدها هو رفيق حلمي مؤسّس حزب هيوا الكردي.

درست الجغرافيا في الولايات المتحدة الأمريكيّة والعلوم والخدمة الاجتماعيّة في هولندا.

أضافت للأدب الكردي الكثير من خلال مقالاتها المتنوّعة في عديد الصّحف. كما ألّفت “قاموس مفردات ومحادثات باللّغتين الانقليزيّة والكرديّة” وقد صدر سنة 1985.

في سنواتها الأخيرة، انتبهت ناهدة إلى أنه كان عليها أن تكتب مذكّرات حياتها الطويلة والثّريّة بالأحداث التّاريخيّة. فكان كتابها “مسيرة حياتي منذ طفولتي حتى الآتي عبر العالم في رحلاتي” وقد صدر في بغداد سنة 2016.

رحلت إذن ناهدة رفيق حلمي في السّليمانيّة كما رحلت قبلها شقيقتها الأديبة باكزة رفيق حلمي. لكن الأدب الكرديّ الغني من جغرافيا جبال كركوك سيظل حياّ..الجغرافيا التي درستها ناهدة.

15)

خرج حسين مخلوف أخيرا من عزلته الطويلة ليختار الرّحيل في يوم الجمعة الثّاني عشر من شهر جويليّة/تموز. الأديب والكاتب اللّيبي، ابن مدينة بنغازي، الذي درس الكيمياء ودرّسها في معاهد ليبيا كما درس اللغة الانقليزيّة في الولايات المتحدة.

ناقدا لشعر البيّاتي، قارئا لجورج أورويل، ناشرا لعشرات المقالات في الشّعر والنّقد والقصّة، مُسهِما في مختلف المناشط الثّقافيّة، دراسات، بحوث..كل هذا لرجل علميّ التكوين!

كتب حسين مخلوف كذلك للإذاعة الليبيّة عديد البرامج والأعمال الدّراميّة من بينها: “الرّجل ذو الوجه الآخر” و “نهاية الآخرين” و “الشّهيد والصبيّ” و “آراء شخصيّة”.

بعد سنوات الرّيبة والحيرة الوجوديّة، رحل الرّجل الذي قال عنه المؤرخ سالم الكبتي:

“اجتمعت في شخصه موهبة الثّقافة العالية واللّغة والتّخصّص العلميّ والكتابة والنّقد..”

16)

يؤدّي الموت زيارات كثيرة إلى فلسطين. لكن زيارته في السّادس من أوت/آب كانت ثقيلة ومُكلفة. رحل الرّسام الفلسطينيّ اللّامع كمال بلاطة عن سبع وسبعين عاما بعد أن طاف العالم كشتات فلسطينيّ. لكنه شتات يحمل معه وطنه مرسوما على لوحاته. كمال الذي أعاد بناء “القدس” وجعلها مدينة متنقّلة بحاراتها ودورها ووجوه سكّانها، وأخذ معه كلّ ذلك ليعرضه في عديد المدن العالميّة لأهل الأرض جميعا: هذا هو وطني!

درس كمال بلاطة الرّسم في روما العتيقة في السّتينات من القرن الماضي ثم في واشنطن الحديثة.

صدر له كتاب بتونس سنة 2000 بعنوان: “استحضار المكان: دراسات في الفنّ التّشكيليّ المعاصر” وهو عمل يحتوي على 300 صورة لأعمال رسّامين فلسطينيّين.

قال عنه النّاقد الفني البريطانيّ جان فيشر (Jean Fisher)خلال أحد معارضه التي أقامها في لندن:

“يعكس نتاج بلاطة الكامل من النّاحية الجماليّة، سواءً البصريّ أو النّصّي، مسار حياته الذي كرّسه ليقاوم، عن طريق وسائل متقنة غير عنفيّة إنما راسخة العزيمة، القوى التي تسعى إلى إطفاء الرّوح الفلسطينيّة وقدرتها على الفرح.”

رحل أيقونة فن الرّسم الفلسطينيّ كمال بلاطة مخلّفا عشرات اللّوحات التي ستخلّد اسمه وفنّه..هل قلت “أيقونة”؟ كان رسم الأيقونات أوّل ما تعلّمه رسّامنا الرّاحل في صباه في محترف خليل الحلبي الذي اشتهر برسم الأيقونات في القدس أين كان يرسله أبواه خلال الصيف!

17)

“هنا بار بني عبس، الدّعوة عامة” هذه الدّعوة، عنوان المجموعة الشّعريّة الصّادرة للشّاعر الإماراتي حبيب الصايغ في سنة 1980، لم يُلبّها في النّهاية سوى الموت! كان ذلك في أواخر شهر أوت/آب ليجد الشّاعر جالسا وحده فيأخذه معه! رحل إذن الصايغ الشّاعر والكاتب والصّحفي ورئيس “اتحاد كتاب وأدباء الإمارات” والأمين العام لـ”الإتحاد العام للكتاب والأدباء العرب” ورئيس تحرير صحيفة “الخليج” الإماراتيّة.

شاعر جمع بين التّرجمة وعلم اللّغة المقارن والفلسفة والصّحافة و…الشّعر. مؤسّس مجلّة “أوراق نقديّة” منذ سنة 1982 تعدّدت مجموعاته الشّعريّة التي تُرجمت لعديد اللّغات العالميّة. فمن “التّصريح الأخير للنّاطق باسم نفسه” إلى “كسر في الوزن” مرورا بـ”ورد الكهولة” وغيرها.

يقول الشّاعر المغربي “محمود بنميلود” في رثاء الشّاعر الكبير أنسي الحاج:

” لا أعرف ما الذي تفعله هناك الآن؟ هل تكتب الشّعر في عالم آخر؟ لمخلوقات أخرى؟ هل تؤسّس هناك لحداثة بين الملائكة؟ لا أشكّ في ذلك، ولا أصدّق أبداً موت الشّعراء، مثلما لا أصدّق موت شعاع، إذ كما تسحب الشّمس شعاعها، تسحب السّماوات شعراءها الأحبّ إليها. وفي الغد يظهرون من جديد في نبوءة جديدة. لا أصدّق أبداً موت الشّعراء، لكن غيابهم هو الموت.”

نعم. نحن لا نصدّق موت الشّعراء!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This