تلّ الورد: منطق القراءة في شكل آلام الكتابة (ج3)

رابعا/ التّغيير: حرقة الأسئلة

كلّ الأمم المنحطّة من جميع الأديان تحصر بليّة انحطاطها السّياسيّ في تهاونها بأمور دينها ولا ترجو تحسين حالتها الاجتماعيّة إلاّ بالتّمسك بعروة الدّين تمسّكا مكينا ولا يريدون بالدّين العبادة ولنعم الاعتقاد لو كان يفيد شيئا لكنّه لا يفيد أبدا لأنّه قبول  لا يمكن أن يكون وراءه فعل…وما هي أرض الدّين؟ هي تلّك الأمّة الّتي أعمى الاستبداد بصرها وبصيرتها وأفسد أخلاقها ودينها حتّى صارت لا تعرف للدّين معنى غير العبادة والنّسك اللّذين زيادتهما عن حدهما المشروع أضرّ على الأمّة من نقصهما كما هو مشاهد في المتنسكين” عبد الرّحمن الكواكبي

لم يكن من الممكن تفادي الكثير من الأسئلة الّتي تبنيها الرّواية في تفاعل مع سيرورة القراءة. ما الّذي جعل أسرة مسلمة- أسرة عمران- تصاب بصدمة الصّد النّفسيّ والاجتماعيّ الثّقافيّ داخل مجتمع غربي؟ ولماذا استطاعت أسرة مسيحيّة- أسرة مشيل-  بناء فعل التّكيف الحذر، دون أن تضطر للانهيار الكلّي؟ مع العلم أنّ الأسرتان، عربيتان من المنطقة نفسها، واجهتا تقريبا ظروف الحرب والهجرة والمنفى والاغتراب نفسه. كلّ الأجوبة النّمطيّة الجاهزة في علاقة الإسلام بالغرب فنذها مشيل في حواره مع حيان. لكن ما هو الأمر المرعب الّذي فجّر اختيارا قطعيا هو أقرب إلى الانتحار: قرار الرّحيل والعودة إلى بلدتهم ” تلّ الورد”؟

عندما يكتشف الانسان في هويّته الثقافيّة الدينيّة، والشّخصيّة التّاريخيّة الاجتماعيّة أنّه يتعرّض لنوع من التّجاوز الشّبيه باللاّمبالاة، أو للإنكار والسّخرية في صدام للهويّات الثقافيّة، يفجّر في أعماقه عقدة الذّنب والتّأثيم، وهو شعور بعدم الوفاء للتّقاليد والأعراف والمعتقدات والتّصورات الّتي تشرّبها الإنسان منذ ولادته عبر عقود من زمن العمر في دائرة إعادة الإنتاج للهويّة الفرديّة والنّرجسيّة الذّاتيّة الّتي تشكّل عمق الانسان. إنّه شعور بالخيانة تجاه الذّات والآباء. كما لو أنّ الفرد سيتعرّض لنوع من المسخ النّفسيّ والاجتماعيّ الثّقافيّ، أو كما لو أنّ هويّة ستطرد الأخرى في ظلّ شروط الاختلاف واللاّتجانس النّفسيّ الثّقافيّ بينهما وبين المجتمع الهولندي. إنّه صدام مرعب في الأعماق فجّر نوعا من الرّفض المطلق لعمليّة الاقتلاع من النّفس، ولدت مقاومة الاندماج والمثاقفة. بمعنى أنّنا إزاء فشل ذريع لعيش الحداد على الأصول. وزادت صورة حيّان على النّمط الحضاريّ الغربيّ في تعميق الجرح النّرجسي بخسران الذّات في خصوصيتها الثقافيّة التّاريخيّة. إنّها صدمة كفجوة، أو هوّة عميقة بين الذّات والآخر تحمل تهديد السّحق الوجوديّ لكرامة مدهوسة. فعمران وكافي كوالدين في محرقة عذاب رهيب وهما يعيشان وجودا أبويا تنتقص قيمته، وليست لهما القدرة على تقديم نموذج للتّماهي او صورة للقانون لطفلهم حيّان الّذي هيأه المجتمع الغربي وفق مفهوم حديث لصورة القانون الّتي تسمح لعمليّة تجاوز الأب إن لم نقل قتلّه أن تبني سيرورتها. إنّ صدمة اللّقاء هذه بين الوالدين والمجتمع الغربيّ فجّر قلق الطّفل، ممّا جعله يشعره بأنّه لا يملك البيت والفضاء الآمن لكي يوجد بذاته كإنسان وذات مستقلّة في وجودها الفرديّ والاجتماعيّ، لها هويّة شخصيّة حميمة غير قابلة للكسر أو الإلغاء بسبب أيّة ذريعة كيف ما كانت طبيعتها ومبرّراتها. لم يتحمّل الوالدين عنف اللّقاء بحيث يصعب على القارئ فهم ردّ فعلهما في التّعبير عن الرّفض والرّغبة في الرّحيل رغم ما يوفّره البلد الغربي من شروط وظروف ماديّة وإنسانيّة آمنة، ومرحّبة بالتّنوع والاختلاف والتّعدد، بعيدا عن الوصاية والقهر، وتمتّعا بالحريّة وجميع الحقوق الّتي تكفلها المواثيق الدوليّة. وهذا ما ورّط حيّان في جحيم الدّلالات متأرجحا بين رغبة الوالدين في الرّحيل وتشبثه بفرديته في تقرير مصيره. وهو يرى ثقل الخوف يتجسّد في غياب التّواصل بين الوالدين والمجتمع وهما يشعران بدلالة الفقدان للهويّة الذّاتيّة، وبالتّهديد المرعب للتّوازن الاعتقادي النّفسي في عدم الوفاء لما يشكّل أرضيتهما الصّلبة، أي القانون الأساس الثّقافي الدينيّ المتوارث أبا عن جدّ. سطوة دلالة الفقدان الرّهيبة نزلت بكلّ ثقلها المرعب عليهما مصحوبة بتهديد وجودهما، إنّها أشبه بعمليّة جراحيّة لبتر جزء من الذّات. وكيف يمكن للإنسان أن يترك جزءا منه هكذا ويمضي كأنّ شيئا لم يكن، ويتخلّى بسهولة وبساطة عمّا يعتقده حياته وكيانه؟ يمكنه أن يتخلّى عن طفله تحت وقع تهديد بالموت لحماية الذّات، أو بسبب هوامات ورديّة في تحقق حلم حياة أفضل ولو عبر قوارب الموت. أمّا أن يعيش الإنسان بكلّ جوارحه رعب خوف الفقدان والتّهديد لوجوده، أو لبتر جزء من ذاته فهذا ما لا يمكن أن يحتمله، ولا أن يتقبّله ولو كان على طبق من ذهب: في الحريّة، والحياة الهانئة الرّغيدة…، كما هي في المجتمع الهولندي. إنّ الأمر يتعلّق بنوع من الكبرياء في اللاّوعي العصابيّ تجعل الإنسان يفضّل العودة إلى الموت بدل تهديد البتر الرّهيب الّذي يواجهه به الواقع الجديد. ليس هناك من سبيل للخلاص من هذا العذاب الرّهيب الّذي انفجر في داخلهما وأصابهما بنوع من الصّد الرّهابي والخرس، رفضا لأيّ تواصل، لأنّ بنيتهما النّفسيّة الثّقافيّة أحاديّة إنغلاقيّة تشتغل اعتمادا على منطلقات وآليات نفسيّة وفكريّة يحكمها المنطق الثّنائي: (إمّا أو)، صديق أو عدوّ، مؤمن أو كافر…، وهي ثنائيات نمطيّة سطحيّة، ومبرّرات واهية للتّحايل على قوّة الصّدمة والرّضة في تهديدها الهائل لكيانهما الوجوديّ، الشّيء الّذي جعل إمكانيّة  مشروع الاندماج الاجتماعيّ، واستعادة حسّ وروعة الحياة الّتي يمكن أن تيسّر إنفتاح قنوات التّواصل، وربط جسور التّثاقف، مستحيلة، لأنّ قوّة حداثة المجتمع الغربي بدت لهما كزجاج شفاف يستحيل عبوره. فإزاء تجربة الرّجة والرّضة هذه تشكّلت دفاعات مرضيّة من الرّفض للآخر، والعزوف عن المشاركة في القيم الثّقافيّة الاجتماعيّة للمجتمع الغربيّ، ومن كلّ هذا العالم اليوميّ والرمزيّ. والتّفكير فقط من خلال هواجس ذعر الصّدمة وما ولّدته من خوف داخلي في الرّحيل، كأسلوب يؤدّي إلى طرد العذاب الّذي تمّ تفجيره في الذّات. بمعنى استبعاد أي تواصل أو مثاقفة مع الواقع الجديد، مع استبعاد أيّ حوار أقرب إلى التّسوية مع العلاقات الاجتماعيّة بمختلف روابطها وتفاعلاتها الّتي يمكن تزيد من عذابهما. إذن، الرّحيل هو الإجابة الموضوعيّة الوحيدة الّتي أنتجتها ثقافة الخوف المسيّجة بقداسة امتلاك الحقيقة الّتي لا يزيغ عنها إلّا هالك، المسألة تتخطّى المعنى الدّيني الضّيق لتتعلّق بالرّعب المفزع حين يكتشف الإنسان حسب فرضياته التّأويليّة في قراءته لوضعه وما يحيط به من ظروف وشروط وتفاعلات وعلاقات ودلالات…، أن تهديد اقتلّاعه من نفسه أمر جدّي ولا مفرّ منه كتحوّل نوعي، ثوري له أفق الهدم والتّغيير، والبناء من جديد. إزاء هذا المعطى الحتمي لجأت كافي مع عمران الى جدار التّقاليد والعادات والدّين، كآليات دفاعيّة، للاحتماء من قوّة الخطر والتّهديد المخيف الّذي لاح لهما في علاقتهما بالواقع الحيّ الجديد. إنّ الأمر لا يتعلّق بالإسقاطات السّوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الاستعماريّة في وجهها الإستشراقيّ الإيديولوجيّ. بقدر ما هي محاولة الاقتراب من استراتيجيّة الكتابة الّتي أعطت للرّواية وجهة دون أخرى، سيرورة دون أخرى.

ففكرة الرّحيل إذا هي نتيجة الانغلاق الجذريّ، والهروب من عالم يهدّد الكيان بالقطيعة والتّحول النّوعي، وهي أشبه بالعمليّة الجراحيّة الّتي تتجاوز الجسد الى البعد النّفسي الثقافي، العمليّة الّتي تستهدف كيان الانسان بحدّ ذاته، فيما يشكل هويّته وشخصيته الإنسانيّة، في تصوّراته ومعتقداته، في نمط تفكيره وأسلوب حياته، وطريقة وجوده في العالم، وفي تفكيره ورؤيته للذّات والآخر والعالم. الرّحيل هو تحرير من خوف التّيه وعذاب الضّياع، وتجنب لخطر محدق، وهو تعبير عن شكل من التّفكير في حماية الذّات من أي ارتباط أو تدخل يهدّد حضورها الهشّ في الواقع الجديد. كما يهدّد مقاومتها المترهلة إزاء أيّ ارتباط أو تواصل يمكن أن يسحقها بالقضاء على المدافن القديمة لقداسة مرجعيّة الهويّة الذاتيّة الّتي تعطي معنى لحضورهما الوجودي في الحياة على تماس مع العالم.

فالبقاء الآن هنا في بلاد الغرب يعني اختفاء وانسحاق هذا المعنى، خاصّة في ظلّ هشاشة ذاتيّة في المواجهة لرعب كامن في هذا الواقع الجديد، الّذي لا يقبل القدامة في أسسها ومضامينها وتعبيراتها الضّيقة العاجزة عن الاعتراف والتّقدير اللاّمشروط للإنسان بصفة عامّة، فلا يتبقّى أمامهما سوى الهروب والحلم بالعودة عبر الحبل السّري إلى رحم الآباء المتوارث. وعجز الاندماج دليل على رحيل يفرض نفسه مع اختفاء الحياة في معنى وجودهما، أي في العلاقة مع الآخر. فكلّ الدّلالات والتّفاعلات والعلاقات الّتي يمكن إثبات الذّات وحضورها في العالم ومع العالم تعرّضت لرضّة عنيفة جعل من الصّعب تأسيس الرّوابط الاجتماعيّة. وبالتّالي لا يمكن للاستقرار ولم شمل الأسرة أن يكون فاعلا لذوات غارقة في عذاب فقدان النّفس. فصدمة ورضّة الواقع الغربيّ كانت أكبر من المأساة الّتي تعرض لها عمران وزوجته كافي وبذلك فقدا معا رغبة متعة الحياة ومذاقها. خاصّة وأنّ أسسهما الشّخصيّة لم تكن قادرة على بلورة الحداد على ما يسمّى الأصول. كان من الصّعب عليهما ردم المسافة بين الهويّة الشّخصيّة في تشكّلها الثّقافي الاجتماعيّ التّاريخيّ وبين الواقع الغربيّ. وهذا شيء مرعب ومخيف لأنّه لم يكن في الحسبان ولا يمكن تصوّره بالنّسبة لهما. ولهذا إذا اكتفى القارئ بإسقاط الأحكام جزافا في حقّهما، مع النّعوت القدحيّة الاستشراقيّة الّتي تنظر بدونيّة وتبخيس واحتقار لما تسمّيه النّظرة الاستشراقيّة بالعقليّة الشّرقيّة المتخلفة، سيكون القارئ بذلك قد فوّت على نفسه فرصة رائعة لمحاولة تمثّل ذلك الشّيء الّذي يصعب تصوّره في اختراق الذّات وطردها من نفسها في ما يشبه الاقتلاع من الجذور، خاصّة عندما تغيب الأسس والأدوات الّتي يمكن أن تشتغل كأسلحة للمواجهة والصّمود وكسب معركة التّغيير والصّيرورة، في نوع من الادماج وإعادة التّركيب المعقّد للذّات من خلال آليّة التّآزر التّدريجي. وإزاء هذا الشّيء الّذي لا يمكن تصوّره بالنّسبة لهما، في عنفه وتهديده بدرجة أكبر من تهديد الموت ومن محنة النّزوح خارج تلّ الورد ومن التّعذيب والعذاب والاغتصاب، نتفهّم حقّهما في الرّحيل الّذي يمكن حسب نظرتهما أن يردم تلّك الهوّة العميقة الّتي انحفرت في داخلهما، إنّها حفرة  ضياع المعنى في فهم مأساتهما من تلّ الورد وصولا إلى هولندا، إنّها مسافة كبيرة بين من عاش التّجربة ومن قرأ عنها، مسافة كثافة حرقة الأسئلة المؤلمة في اصطدامها بالتّجاهل وفضيحة الصّمت القذر، وما لا يمكن تصوّره في اقتلاع واجتثاث الانسان من نفسه.

فهل شخصيات تلّ الورد هشّة إلى هذه الدّرجة؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا أقدمت على خوض غمار تجربة التّغيير، وهي لا تزال غارقة في وحل الأجداد والعادات والتّقاليد…؟ وما مبررات انتفاضتها ضدّ القهر والإذلال والمهانة وهي غير مستعدّة للانفتاح على القيم الثّقافيّة الاجتماعيّة للحداثة في الحريّة والديمقراطيّة والكرامة والاعتراف بالإنسان في تعدّده وتنوّعه واختلافه، بعيدا عن ثقافة الملّة المتجاوزة في التّصنيف بين مؤمن وكافر، أم أنّ هذه الشّخصيات كانت تسعى في ثورتها إلى سقف محدود لا يتجاوز معاودة إنتاج نفس العلاقات المجتمعيّة في القهر والظّلم والإذلال خاصّة في العلاقة مع الأطفال والنّساء؟ وهل تستطيع ثقافة الخوف أن تقبل عيش الصّيرورة في تكذيب الذّات، أي القبول بمنطق التّغيير والتّجاوز، بدل أن تصاب بالرّجة والرّضة أمام الواقع الحيّ والملموس لما تسعى إليها في نهوضها وثورتها؟ أليس من الحيف ومجانبة الصّواب التّفكير في كلّ هذه الأسئلة ومصادرة حقّ الإنسان في خوض عنف التّغيير مهما كان ثمن كلفته، ونحن لا نستطيع رؤيّة رعبا لا يتصوّر الّذي رآه من عاش المحنة ودفع الثّمن من لحمه الحيّ لكي يكتسب جدارة الإنسان؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق