النوع التراجيدي في كتاب “التراجيديا الإغريقية” / جاكلين دي روميلي

نقتبس هذا الجزء، ونترجمه، من كتاب الباحثة الفرنسية البارزة “جاكلين دي روميلي” (1913 – 2010). عنوان الكتاب “التراجيديا الإغريقية”، الذي صدر في طبعات فرنسية عدّة. وقد صدرت طبعته الأخيرة عن المنشورات الجامعية “بيف”. حاز هذا الكتاب شهرة خاصة بين الأوساط الجامعية الفرنسية عموماً، وبين دارسي التراجيديات والآداب وأشكال الإنتاج الفني والشعري الإغريقية. إن تناول التراجيديا الإغريقية في هذا الكتاب، وفي دراسات عديدة غيره، هو رديف للرجوع إلى نبع الآداب الأوروبية برمتها. هذه العودة هي أمر شبيه بتأمل النصر الأول الذي حققه الإغريق في مجال الخلق الأدبي. تعود “ج. د. روميلّي” لتحصي، تصنّف وترتّب الشعراء والنصوص والشعريات ذات اللبوس الفلسفي والسحري في آن. كل مسرحية هي نصر للمخيلة، كل عرض هو استدعاء للإنسان ليتأمل ماضيه ومصيره. وذلك لا ينتمي لشعب آخر غير الإغريق. ولا أدل على ذلك غير أننا ما زلنا نؤلّف التراجيديات، بعد خمسة وعشرين قرناً من فجرها، ولم نصل كفايتنا من استدعاء شخصياتها الأصلية. يحدث هذا في كل مسارح العالم. لا يوجد مثل هذا الوفاء لماضٍ لامع تركنا نستذكره ونستدعيه. لماذا هذا الوفاء؟ تطرح جاكلين دي روميلّي وتجيب: هذا الوفاء سببه سعة الدلالة.

التراجيديا الإغريقية هي نوع خاص، لا يمكن تشبيهه بأي من الأشكال التي يتخذها المسرح الحديث.
نحب أن نصف ولادتها، حتى نتمكّن من فهم بطريقة أفضل ما كان وراء هذا النجاح المثير. وفي ذلك لا تنقصنا الكتب ولا المقالات، التي حاولت وصف ولادتها. لكن عدد الدراسات يُفسّر تحديداً بغياب اليقينيات. وفي الحقيقة، إن الكثير من الظلال تحوم حول أصولها.
لكن على الأقل نحن نملك مؤشّرين مؤكّدين، تتمّ ترجمتهما بالطريقة نفسها التي تمّ بها تقديم التراجيديا، والتي، بعيداً عن هذه العروض، تفسّر المستوى الذي تندرج فيه التراجيديا.

أصل التراجيديا.. ديونيزوس وأثينا
أولاً، قلنا ذلك وأعدنا قوله، تمتلك التراجيديا الإغريقية أصلاً دينياً. وقد كان ذلك الأصل هشّاً جدّاً في عروض أثينا الكلاسيكية. وهذه العروض تنحدر صراحة من عبادة ديونيزوس.
لم يكن يتمّ عرض التراجيديات إلا أثناء الاحتفال بهذا الإله. وقد كانت الفرصة الكبيرة، في المرحلة الكلاسيكية، عي الاحتفال بديونيزوس في المدن، التي كانت تتمّ في الربيع. لكن كان هناك أيضاً مباريات التراجيديا بمناسبة الاحتفالات بأعياد ال”لانيين”(1)، التي تجري في نهاية دجنبر. والعرض في حدّ ذاته يندرج إذن ضمن مجموعة دينية من درجة عليا، كما يكون مصاحباً بالمواكب والقرابين. ومن جهة أخرى، فإن المسرح الذي تُقدّم فيه، والذي ما زلنا إلى اليوم نزور بقاياه، كان يتمّ تشييده في عدة مناسبات، لكنه ظل دوما هو “مسرح ديونيزوس”، بمقعده الحجري البديع المخصّص لكاهن ديونيزوس وهيكل الإله في الوسط، هنا كانت تتقدّم الجوقة. وقد كانت هذه الجوقة بنفسها، وبحضورها فقط، تبعث الغنائية الدينية. والأقنعة التي كانت يضعها أعضاء الجوقة والممثلون يدفعنا إلى التفكير في الحفلات الشعائرية ذات الطابع القديم.
كل ذلك يخون الأصل المرتبط بالدين، ويمكن أن يتّفق مع ما قاله أرسطو (الشعرية، 1449أ)، فهو يرى أن التراجيديا وُلدت من الارتجال؛ فهي يمكن أن تكون منحدرة من الأشكال الغنائية مثل الديثيرامب2 (وهو ترتيل ديني يُقدّم على شرف ديونيزوس)؛ كما أنها، إذن، مثل الكوميديا، تطويراً لشعيرة ما.
إذا كانت فعلاً كذلك، فإن الاستلهام الديني القوي من طرف مؤلّفي التراجيديات سيقع ضمن تطوير لدافعية أصلية. إننا، بكل تأكيد، لا نعثر على شيء في أعمالهم يذكّر تحديداً بديونيزوس، إله الخمر ومواكب الرغبة، ولا حتى بالإله الذي يموت وينبعث مع النباتات؛ لكننا نجد فيها

دائماً حضور نعو من المقدّس، الذي ينعكس في لعبة الحياة والموت ذاتها.
غير أنا حين نتحدث عن حفل ديني، في أثينا، يجب أن نحتاط من تصور الانفصال كما هو موجود في دولنا الحديثة. لأن هذا الاحتفال بديونيزوس هو أيضاً عيد وطني.
لم يكن الإغريق يذهبون إلى المسرح، كما نفعل نحن اليوم، فنختار اليوم المسرحية، والحضور إلى عروض تتكرّر كل يوم على طول السنة. كان هناك عيدان سنويان تقدّم فيهما التراجيديات. كل عيد يضمّ مباراة، تستمر ثلاثة أيام؛ وفي كل يوم، يقوم مؤلِّف، تمّ اختياره قبلا بزمن، بتقديم ثلاث تراجيديات، فيما بعد. ويكون العرض مرتقَباً ومنظّماً بعناية من الدولة، مادام كان أحد أكبر قضاة المدينة هو من يختار الشعراء وأيضاً المواطنين الأثرياء المكلّفون بالتمويل. وفي النهاية، تُوجّه الدعوة، يوم العرض، لكل المواطنين لمشاهدة العرض؛ منذ مرحلة بيريقليس(3)، أصبح بإمكان المواطنين الفقراء الاستفادة من إحدى الحصص بهذه المناسبة.
بعد ذلك، اتخذ هذا العرض صبغة التظاهرة الوطنية. وهذا الأمر يفسر بكل تأكيد بعض ملامح استلهام مؤلّفي التراجيديات. فقد كان هؤلاء يتوجهون إلى جمهور واسع جدّاً، يجتمع من أجل مناسبة مهيبة، فكان من الطبيعي أن يبحث، هؤلاء المؤلفون، عن الوصول إليه والاهتمام به. لقد كانوا، إذن، يكتبون، باعتبارهم مواطنون يتوجّهون إلى مواطنين.
لكن طبيعة العرض هذه تحيل، بدورها، إلى أصول التراجيديا؛ إذ يبدو جيداً، في الواقع، أن التراجيديا ما كان لها أن تولد إلا حين وُجدت تلك الألحان الدينية المرتجلة، التي من المفترض أن تكون خرجت منها، والتي كانت في قبضة ومن تنظيم سلطة سياسية ترتكز على الشعب. إن ولادة التراجيديا، من خلال ملمح متميز جدّاً، مرتبطة، وتقريباَ في كل مكان، بوجود الحكم المطلق، أي من نظام قوي يرتكز على الشعب ضدّ الأرستقراطية. وإن النصوص القليلة التي ارتكزنا عليها من أجل العودة أبعد من التراجيديا اليونانية قادتنا كلها مراحل الحكم المطلق. هناك حكاية شائعة تعود لسولون4، تقول إن أول عرض تراجيدي يعود للشاعر “أريون”5. لكن “أريون” كان يعيش ب”كورينث” 6تحت حكم “بيرياندر”7. (نهاية القرن السابع، بداية القرن السادس ق.م). الحالة الأولى التي ذكر فيها هيرودوت تراتيل “تراجيدية”، كانت هي التراتيل التي كانت تنشد، في سيسيو8، آلام “أدراست”9 والتي كانت “تعود لديونيزوس”10. والذي كان نسبها إلى ديونيزوس كان هو “كليسثان”11، حاكم هذه المدينة (في بداية القرن السادس). وبدون شك لم تكن التراجيديا آنذاك سوى في بدايتها. لكن التراجيديا الحقيقية وُلدت منها. بعد تلك المحاولات المتردّدة في زوايا كثيرة من البيلوبونيز12، وذات يوم جميل ظهرت التراجيديا في “إتاكا”، كانت هناك قبلها عدة محاولات، لكن الانطلاق الرسمي، الذي كان

بمثابة عقد ولادة التراجيديا، فقد تمّ بين 536 و533، لأول مرة أنتج “ثيسبيس”13 تراجيديا في الاحتفال الكبير بديونيزوس14. في تلك الفترة كان يحكم أثينا الطاغية “بيسيسترات”، الذي لم تعرف له نظيراً أبداً.
يحتوي هذا التاريخ على شيء مؤثر؛ كل أجناس الأدب لا تحتوي على عقد ازدياد محدّد؛ ولا نعرف أي شكل تعبير آخر كان يسمح بإقامة احتفال مثل تلك التي كانت في اليونان، بعد سنوات من عيد ميلاد التراجيديا الألفين وخمسمئة.
لكن في الآن نفسه، بغض النظر عن التدقيق في هذه البدايات، فإن التاريخ في حدّ ذاته لا أهمية له.
إن الدخول إلى حياة أثينا بتأثير من قرار رسمي، والولوج إلى سياسة الامتداد الشعبي، سيبيّن أن التراجيديا كانت مرتبطة، منذ بداياتها، بالنشاط المدني. وهذا الارتباط لا يمكن إلا أن يتقوّى حين يجتمع هذا الشعب في المسرح، ويصبح حكماً لمصائره الخاصة. وذلك يفسر أن النوع التراجيدي شديد الارتباط بالتفتح السياسي. كما يفسر المكانة التي تحتلها، في التراجيديا الإغريقية، القضايا الوطنية الكبرى المتعلقة بالحرب والسلم، العدل والمواطنَة. وبالنظر إلى المكانة التي يمنحونها إليها، فإن الشعراء الكبار يقعون بقوة، هنا أيضاً، في عمق امتداد الدافعية الأولى.
إذن، هناك علاقة بالأصل، بين هذين المظهرين للتراجيديا. لأن “بيزيسترات”، بمعنى من المعاني، هو ديونيزوس. وحاكم أثينا قام بتطوير عبادة ديونيزوس. فقد شيّد، عند أقدام

الأكروبول15، معبداً لديونيزوس، وعلى شرفه أنشأ باسمه هذا الاحتفال بآلهة ديونيزوس في المدن، والتي كان يجب أن تكون احتفالا بالتراجيديا. وبدخلول التراجيديا، في فترة حكمه، في الإطار الرسمي لعبادة هذا الإله الرمزي، حدثن إذن الوحدة بين أكبر كفالتين وقعت تحتهما هذه الولادة؛ ولادة ديونيزوس وولادة أثينا.
هكذا نحن نمتلك نقطي انطلاق متماثلتين، يبدو الجمع بينهما جوهرياً في ولادة التراجيديا. دون أن يعني ذلك، مع الأسف، أن حصة هذه النقطة أو تلك في هذا الجمع، ولا الطريقة التي يتمّ بها، تظهر لنا بوضوح. وبين الارتجالات الدينية في البدايات وبين العرض الرسمي الذي لا نعرف غيره، تنقصنا الأطوار الانتقالية، فتتحوّل إلى أطروحات وصيغ يغلّفها الغموض.
هوامش:
(1) – هي أعياد إغريقية يتم الاحتفال بها في أثينا على شرف الإله ديونيزوس- Lénéenne.
2- Dithyrambe.
3- Périclès.(495-429 av.J.c).
4- Solon شاعر ورجل دولة ولد بأثينا حوالي 640 ق.م.
5- Arion.
6- Cf, Jean Diacre, texte cité dans Rheinisches Museum, 1908, p.150, et la Souda.
7- Corinthe.
8- Périandre.
9- Sicyone, مدينة يونانية قديمة (القرن الثالث ق. م).
10- Adraste, ملك سيسيون، في الأساطير الإغريقية.
11- Cf, Hérodote, V, 67.
12- Clisthène.
13- Péloponnèse : موقع سياحي يوناني مرت منه العديد من الحضارات.
14-Thespis : (القرن السادس ق.م)، ويُعتبر مخترع التراجيديا والممثل.
15-Cf. Marbre de Paros : I G XII , 5, I, 444 et Charon de Lampsaque, dans Jean Diacre.
16- Acropole : كلمة يونانية معناها المدينة العالية أو الحصن.
ترجمة: محمود عبد الغني.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق