النّحاس يستيقظ بوقا (1)

 

ينحرف اليوم عن جادّة اليوميّ المطوَّق بحزام أمنيّ محشوّ رصاصا ومطارق وعيونا ناريّة مبثوثة، ويروح يتسكّع متمرّدا مشوّشا عرض الضّحى المتوتّر.

أصابعي التي كانت تخلّل شعث القلق العالق بكفّيَّ، اشتبكت عند الذّقن تسند رأسي المثقلة مشاغل وبقايا نوم مأزوم، بيد أنّها لا تفلح في ترويض ارتعاشات القلب الذي هرول إليه في ملابس الحبّ الخفيفة، صبيحة يوم صقيع.

سحب متوجّسة السّواد تتكتّم على بشائر غامضة وقريبة. السّماء على مسافة حياديّة منّا ومن حافّة رصيف يصحو من كوابيسه ممتقعا منفعلا، يغرغر تحت طبقة الهدوء الاسفلتيّ، ويتدبّر أمرا غير معلن. حدث ما هائل ومريع يتخلّق في رحم الهدأة من حولنا، وريبة متأنّقة تدير الحوار بيننا.

الغضب يُلْقم موقد يناير جمرا في سِرّيّة حذرة متحفّزة، في يوم مشحون كسلك كهربائيّ عار، والقُرب المكانيّ لم يجعل شكري مرئيّا كما يُفترض في لقاء مدبّر بشوق قديم وحاجة متجدّدة. كومة فضلات شتّى، وملابس متّسخة كثيرة، وفخّار السنين الذي كسّرتْه مشاقّ الحياة، تتكدّس كلّها بداخلي ودفعة واحدة فتحول بينه والدّخولِ التامِّ إليّ.. ظلّ منّي على العتبة يبحث كيف يندسّ إليّ كشأنه دوما بيد أنّ الروح، ولسبب أجهله، لم تفتح له هذا الصّباح حضنا للولوج.. كان أبعد عنّي ممّا كان، سحنة مغبرّة بين وجوه زِحام مرّت بعمري القلِق، تتدافع على يوم الغسيل القائم الآن بين جنبيّ، قتلى وشهداء ومنبوذون يتساقطون من شجرة العمر.. فرديّة نفسها، أعني أنا على وجه ما، كانت أبعد عنّي من أيّ وقت مضى أو آت، وحسابها من نفسي عسير.. شيء ما هائل بدوره ومريع يحدث في وطن الذّات المسوّر بجسد صار يتمرّد عليّ..

هو أكثر من جلد ذاتيّ قد ترأف فيه اليد على جسمها، هو ذراعي الغاضبة وقد انفصلت عنّي تنهال عليّ بكلّ اللّوم الذي يحرّض ذاكرة عضلاتها المعذّبة..

“لا تعتذري لي. بذلْتني بكلّي لأحبّة نهبوا خزائني من الحنان والعافية وانصرفوا مترفين إلى غيري.”

يعبس جسدي ويتوّلى عنّي مخاصما. أغدو دونه مجرّد جسم يلقى في الطّريق العامّ للواجبات اليوميّة بلا خوذة تقي رأسي الاصطدام، آلةً حيويّة مبرمجة أعرف بها جيّدا ما عليّ وأنسى ما لي.. تلقّيت أخبارا عن نجاة القارب الذي استقلّه ولدي فرارا من البلاد قبل ثلاث سنين، وقيل إنّ بعضهم عاد إلى أهله سالما. بعت قطعة الأرض التي أملك وادخّرت ما قد يكفي لعشاء بعض المسؤولين من معارفه علّهم يبذلون جهدا في ذلك. هو لن يخذلني، يعرف كم أسندت ضعفه وهوانه حين كان مفلسا يتضوّر فاقة وذِلّة، كم وسعت رحمتي فوضاه ونزقه. لمّا صار مخبرا وفيّا وذيل حاكم مستقيم تيسّر حاله وتدرّجت رُتبه في الرّقيّ، وسينعم حتما بترقية جديدة لمّا تهدأ الأوضاع، ويكتم البوليس أنفاس الاحتجاجات فيسهل عليه إذّاك قضاء حاجتي.

ثنى شطر جذعه على مربّع البلاستيك الفاصل بيننا يتقارب منّي. غدا كلُّه عينا مجهدة مرتعبة، وشفة ظمياء تخضّها رجفة خفيفة لا إراديّة: “مجنونة وزغردوا لها في أذنها.. تْفو..” ونفث مغتاظا قشارة صدره الصّدئ في منديل ورقيّ.

– من !؟ الشّهداء !؟ أم أهلهم المنتفضون لأجلهم.. !؟

سألت بجرأة ما فتئت تتفرْعن فيّ، وتتطاول على سور التكتّم العالي مسرّبة من بين شفتيّ الكلام المحظور..

نتر معصمي يوشك يخلعه، وجذبني نحوه. حزّ طرف الطاولة بطني، اِرتعشت مياه القهوة في الفنجانيْن. تلفّت جنبيه يتحسّس أثر تهوّري في المكان. كان خائفا ممّا يعلم، مرتعبا ممّا قد يحدث.. صوته الخافت المضغوط قذيفة حنق توشك تثقب ما بين عينيّ: ” أخفضي صوتك وإلاّ حُشرتِ في “قلبه”، لن أجرؤ على حمايتك حينها، سأُتّهم فيك بالعمالة وخيانة أمن الدّولة..”

يسحق الكلمات في مهراس فكّيه، أشعر بتكسّر المعاني وبالحروف تُدَقْدَق تحت قبضة الحقد النّحاسيّة، وأرى نُثارها رمادا قاتما يتلبّد في سماء عينيه وينهمر منهما بالأذى في أذنيّ.. ” هم مجرّد قتلى خارجين عن القانون، رؤوس فاسدة يتزايد سقوطهم يوما عن يوم خاسئين. الدّماء تتفرّق هدرا في مناطق كثيرة من البلاد يحسب أصحابها أنّهم قادرون على تحريك ساكنة في جسم النّظام المستتبّ.. مهابيل، من ينجُ منهم سيتعفّن في قبو الدّاخليّة أو يدفن تحت الخراسنة. اُحرسي لسانك جيّدا من رعونته حتى تهدأ العاصفة، فأغلب من يتحرّك حولنا هذه الأيام واش حقير، وكلّ جامد قد يكون قوّادا محترفا، فانتبهي.”

في سرّي فقط يتحرّر الهُزْء من رعب اللّحظة، من هيمنة شكري عليّ: ” مثلك يعني !؟” في العلن أجترح ابتسامة امتنان مموَّهة.

يعود إلى اعتداله المنخول. يوسّع دائرة ربطة العنق، ينضو غبارا وهميّا سكن على بدلته الأنيقة، وكذئب أثيوبيّ جائع يستنفر أذنيه ليتنصّت على اعتمالات البواطن الجوفيّة لأمكنة الوطن وأزمنته وأفئدته المتلاطمة، ويرسل في آن عينيه تجوسان تفاصيل الفضاء المشحون ما بين سقف المقهى وقاعته.. لا شكّ أعدّ في نفسه تقريرا مضروبا ضربا بالسّفّود، توشّيه قائمة طويلة في أسماء “المتورّطين في إثارة الفوضى وزعزعة الأمن الدّاخليّ، والعملاء المأجورين لأطراف خارجيّة تستهدف المساس بسيادة الدّولة، وزرع الفتن في وطن الأمن والأمان..”

تصبّ اللّحظة الحانقة على الروّح سطل ماء بارد فينطفئ اشتعالها به، وتنحدر إلى منطقة غائرة منّي. لم تعد روحي النارَ التي ألهبت قدم المسير إليه، ولم تعد ضحكته العصا تضرب الأرضَ فتُعشِب وتجري من تحتها الأنهار.. أنا أخرى أنا الآن، ألْحد عن وصايا التأهيل النفسيّ والاجتماعيّ التي حفظتها عن ظهر قلب تقوّس عموده الفقريّ من وحدة متقشّفة وأثقال لا تُرى. جزء منّي سكب على نفسه البنزين واحترق كما البوعزيزي، وبقيّة أجزائي تنتفض بداخلي كطيور حبيسة.. يا لفتنة السّخرية الهازئة من نفسها والعالم ! كلّ دواعي الخوف تغادرني بغتة ودون إشعار مسبق من غريزة البقاء، وتذرني عرضة للرّصاص بلا مِنْعة من رغبة الحياة.

الحياة.. !؟

هل نحيا فعلا حين نبذّر أنفسنا على الآخرين؟

الواقع أنّي مذ فقدت ابني في إحدى الهجرات السرّيّة، ولم تكلّف هذه البلاد نفسها جهدا للعثور عليه أو على جثّته، لم أعثر على حياة أعيشها، على حبّ يكنز ذهبي وفضّتي وترابي إلى يوم عصيب يكون فيه كلانا لكلينا الذّات التي تصرف نفسها على الآخر في غير شحّ ولا تقتير، الحضن الذي هو المثوى الأخير.

– اِشتقت إليك فرْديّة، لا أصدّق أنّي أخيرا أستعيدك، وبلا رشوة ههه..

يلهث وجهه، خلال اللّحظة نفسها التي يورّق فيها معجم الغزل التقليديّ، خلف كلّ ردف يمرّ على مقربة، ويقدّر ربّما مقدار ما قد يدفع في أحدها، أو من قد يفقد من عامّة الأرداف عمله لأجل أجملها.

– ما زلت “أحبّ وجهك ِمن غير سكّر”.

– الجديد أم القديم؟

– لا تدّسي السياسة في حلوى الحبّ فيفسد طعمها. كان وجهك المرتعش وهو ينسكب عليّ شفقةً آخر قمر انسدل عليه الجفن قبل غيبوبة التبنيج، وأوّل شمس أضاءت سماء الوعي. قيل إنّي تلفّظت باسمك مرارا حالما بدأت أستفيق.. أدركت حينها أن لا امرأة غيرك تحوّل آلامي كلّها إلى حبّة مهدّئ تشربها عنّي فأخلد إلى السّكينة على ذراعيها، أن لا قلب آخر يهب صدري المعتلّ مضّخة بديلة سوى قلبك.

أبتسم لفاتحة عقد الانتداب لوظيفتي الجديدة في حياته: زوجة برتبة ممرّضة ومعينة منزليّة في آن. أتلمّظ الرّشفة الأولى من قهوة بردت. مرارة زُعاف، وعسل الكلام لا يحلّي غير أوهامي. قد غدا العمر “أخا عدم وإدقاع”، والوحدة التي بانتظاري نبتة لاحمة. فلعلّه يكون تجربة أفضل في اليأس المضادّ للعدم..

– هل تلبّي لي طلبا يا شكري؟

– أرجوك حبيبتي، سَلي ما شئت إلاّ أن نتزوّج..

صفع ردّه المتسرّع وجه النّهار فاربدّت سحنة السّماء. صُفعت بدوري فسقط سمعي على حوافّ الصّدمة فارتجّ يُفقد الوقتَ توازنه. ضلّ طرَفُ الجملة المكسور مسارَه إلى التأويل، وظللت على دُوار.

خارجا، ثار الضّحى على حياد الرصيف البارد، وفارَ قلب المدينة المتلظّي يلفظ جمر الغضب حِمَما وهديرا من رصاص مذاب، فاندلع الشارع يحشد الأقدام والأصوات والأيادي والرّايات والأعلام واللافتات، ويولع فيّ حريقا جائحا يلتهم أخضري ويابسي وأملي القليل في عودة صغيري إليّ.. شكري كذلك سقط، لكن أوّل صمت الكلام الانتهازيّ، وقبل أن يبدأ سطرا جديد لحياة هيّأها لي. لو فقط سأل عن حاجتي، كان يمكن للثورة المعتملة بداخلي ألاّ تندلع، أن تبقى عمرا آخر خامدة بين جنبيّ.. أطلق على نفسه رصاصة الظنّ فلم يحيْ فيّ ولا مات، يتخبّط معتذرا ولا أمدّ له يد الحنان التي اعتاد.. فجأة لم تجد قدماي حذاء جديدا لمذلّة جديدة تنتعلانه لتمشيا إلى جانبه أكثر. تركته يتفحّم خلفي فيما يزرّر قميص جرحه الصّدريّ الذي انفتح على قلبه ثانية، وانجرفتُ تسيّرني المسيرة الثائرة حصاةَ نُقرت من على شفير..

يجرفني الخضمّ البشريّ المتدفّق المتفجّر فأنجرف بلا حوْلٍ ولا خوف. تنسحب الطّريق منّي ويستمرّ السّير القهريّ إمكانا من القطِران المذاب يسحل بطانة القدمين، وهْما للوصول يمتدّ طوليّا في الفضاء البصريّ المشجّر ولا ظلال، أو لافتات تأخذ بيد الخطى التّائهة، مكتظّا بشرا وروائح وشعارات وآمالا وهذرا ولا رفيق يذكّرني بما لا يُحمد عقباه الذي في انتظاري عمّا قليل، وبعيد أن يرفع العوْن الرقيب الذي كان يجالسني تقريرا عنّي إلى الجهات المختصّة في حماية الدّولة من السّائرين بغير قصد في المسيرات..

أندرج في المسار الجماعيّ الطّاغي متلبّكة التّفاصيل كحلم فاجأه الصّحو عاريا. أمشي على ضعفي فأهشّمه وأطرب لطقطقة عظامه تحت خطاي المتمرّدة.. يدفعني تيّار الأجسام الجارف فأتهجّى، متلعثمة، مفردات الغضب العصيّة بحماسةٍ خرقاء ووكوكة حمامة أسيرة عند باب القفص المفتوح.. يخفق التردّد المرتاع بين الأضلع، يشدّني عن المضيّ في المسار الممنوع، عن حدير التمرّد الزّلِق.. يُحرِج نفَسي اللاّهث خلف جسمي المتلعثم في شحومه وهمومه، وأتقدّم.. يهيّج الخوف قرحة المعدة، يستفزّ القولون العصبيّ، يغطّ بطن القلب بين راحتيه، يسرّح الحرّ كالنّمل في حجيرات الرأس، يلوي الكاحل الأيمن فالأيسر، أتماثل للسّقوط وأتدارك.. كاهلي المهدود تعبا يصوّب استقامته بين القامات المنتصبة.. يدي الوجلة تطاول الأيادي المرتفعة، صوتي الخجول المرتبك يتحرّر في اندماجه بالأصوات المحتجّة، وأنا بكلّي المهزوز المخضوض الفاقد ثقةً في نفسه والعالم أوقّع، متأخرة بأربعة عقود، خطوتي الأولى في جرأة العصيان، وكلّ أصواتي الدّاخليّة تهتك أقفالها وتندفق من مضيق الحلق رافعة عقائرها بالصّراخ.. “شغل حريّة كرامة وطنيّة”..

أكنتَ تؤثّث دخولي إلى حياتك كمعصية تُحكم ستْرها فلا يُرى سوى ورعك الكاذب، واستقامتك المسوّسة يا شكري!؟ أن تخبّئني تحت ظلمة الكتمان أبذل النّفس والجسد، أبذّر عليك صحّة العمر الباقية حتى إذا نضبت معادني وهشّ بنائي أقفلت عليّ كقطعة خردة في مرآب الذّاكرة..؟

لكنّي لم أعد فرديّة التي تعرف، كنتُ فقط بانتظار قنّاص يصرع خوفي ويحييني.. بانتظار الحريق الذي أُطبخ في ناره كالطين يستحيل فخّارا..

كنتُ على شفا ذِلّة مزمنة فأنقذتني منها، وهويتَ إليها كجرذ مذعور فشكرا يا ضحكة العمر الأخيرة.. و.. ديقاج..

أمشي، أخِفّ، أهرول، أتقدّم ولا أرتدّ أو أتلفّت. أبتعد عنه، أقترب من نفسي، والأربعون التي تقع الآن خلفي مباشرة تترنّح على الرؤوس المزدحمة وتدفعني أمامها كعربة مثقلة بثلاثة مراهقين، وخسائر زواج فاشل، وجسم تهدّم تحت جرّافة الزّمن الصّدئة، وراء مقبض من يأس حديد وحبّ نهّاب، وقرحة بالمعدة خلّفها لي فتى عشرينيّ استبدلني ببطن الحوت..

تزحف الأصوات والأيادي والشعارات.. ” الشّعب يريد..”. تعتلي الصّبايا أكتاف الشباب فأُدهش، أستنكر، أستغفر، أقاوم عينا لا تحبّ أن تغضّ عين النّميمة ثمّ سريعا ما أخجل من ليلي الرّاكد فيّ فأحلم ويخفّ ثقل وزني على قدميّ.. يُطيَّر الحمام من الأقفاص فأرفرف متحرّرة من قيودي الدّاخلية، فريدة منفردة ودون أثقالي المرئيّة واللاّمرئيّة.. فرديّة في الوجود أنا وجدّا وحيدة، لكنّي الحينَ جماعة من نسوة منطلقات متحابّات، يستأنس بعضهنّ ببعضهنّ بين جوانحي التي صارت واسعة مرفّهة، ونزلا فخما للسّعادة.. تخترقني المناكب والهتافات، تجتازني الأقدام والأجسام، وأتمادى في الثورة عليّ.. ينسحب الغطاء عن رأسي ولا تعجّل يدي فجعا بحجب شعري المجعّد المنفوش المغزوّ شيبا.. تمطر. ترشق إبر الماء لسعاتها في الفروة الغثيثة وأقشعرّ، أرتجف، أخرج عن وهن المفاصل المبكّر وأمضي بجسم شحيم ورأس كمغارة الدّبابير المتهيّجة.. أقهقه، أنفجر دمعا في غمر الجموع المنصرفة عنّي.. تمطر.. يغسل ماء السّماء الغسيل الوسخ المكوّم ببيت الذّات، ويغسل ماء العين بلور الرّؤية، فتسيح عنها الأدران أتربة وأشخاصا وأحداثا وذكريات انتهت صلاحيّتها. أتخفّف في الزّحام الثّائر من كلّ أثاثي القديم.. تنظف نفسي، ينصع وجهي، يشرق شيبي، يستدرك حسني المغبون ألقه الأوّل ويعلو شأن فرديّة فيّ من جديد، وكلّما ازداد ضغط الضّيق على جنبيّ تتوسّع مساحة جسدي في المكان والزّمان ويسطو على مساحة أكبر من سرديّة يوم الغسيل هذا.. تسترجع ركبتاي معنى الرّكض والنطّ والعبث، يستعيد القلب معنى الخفق الهِلِع والحلقُ طعمَ الجفاف، والعمر كلّ زهور العشرين.. أضحك من نفسي، وشكري، قاب هتافات منّي، يشتعل ثورة ويلهب صوتُه الشّعارات.. قد أدرك سريعا أنّ الشّغب خرج عن السّيطرة، وأنّ الأمس سقط برمّة بأسه تحت الأقدام، فقطع ذيلا كان يربطه بالحاكم، وحرّر، في سرعة متقنة، قائمة بأسماء المتورّطين في ظلم الشّعب، وألقى بنفسه إلى تنّور المسيرة الفائرة يهتف: ” الشّعب يريد إسقاط النّظام..”

أقهقه، أنفجر دمعا في غمر الجموع المنصرفة عنّي إلى الاحتجاج العلنيّ المنفلت المتاح للعموم بلا عصيّ ولا غازات خانقة ولا رصاص.. ” التّشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق..” أُدفع.. أندفع.. يدي تُكنّس سماء الذّات من جلاّد آخر غير “جلاّد الشّعب” المعنيّ من قبل الجماهير.. أياد أكثر ترتفع فيّ تطرد منّي كلّ السّراق المتستّرين بالخير، والصّلاح، والصّدق، والثقافة، والسُّبَح، والمناصب.. كلّ المرتشين، ومغتصبي أحلامي، والمتحرّشين بي على أبواب الضّرورة، ومحبّي أنفسهم فيّ..

لا ذلّة لا نهب لا خوف لا خجل لا ابتزاز لا رعب لا تراجع لا وحدة لا يأس بعد اليوم.. ديقاج..

يجتاحني فرح طائش وراجّ كهزّة أرضيّة خفيفة. أنا لم أكن أعرف ما أستطيع فعله، وأحسب أن هذه الجموع بدورها ومعا ككتلة بشريّة متراصّة متضامنة لم تكن بدورها تعرف ما تستطيعه تلويحة يد تمسح عن وجه الوطن عوالق السموم والأتربة الملوّثة، ما يقدر على فعله صوت جماعيّ غاضب.. تلتحم الأجسام الغريبة بي ولا أتضايق.. يدسّ رجل غريب يده تحت ذراعي وأحشر يدي تحت ذراع آخر على ميمنتي ونشكّل معا وجميعا جدار صدّ بشريّ لا يُفَلّ.. ديقاج.. ديقاج.. يستخفّني السّرور، تخضّني الدّهشة، تستعر حماستي.. الصوت الذي على يساري أليف.. والوجه الذي في جانب من الصفّ أمامي أليف.. كلنّا إخوة هاهنا وأصدقاء في الغضب.. أفرح بصداقاتي الجديدة المختلفة، هؤلاء هم سكّان عالمك الجُدد يا فرديّة فأحسني مُقام الجميع عندك ورشّي ماء النّسري على المداخل والعتبات.. أشرئبّ نحو الأمام.. صوت ذاك الصّديق الغريب يتغلغل في مداخل الأذن العميقة ويستلب انتباهي.. يا الله.. ! أنعزل لوهلة قصيرة مكثّفة عمّن حولي.. أتداعى عجبا غير مصدّقة.. تلقفني الأيادي وتدفعني باتجاه الأمام.. هو.. هو نفسه فرديّة، طفلك المفقود وقد عاد.. كلاّ.. بل هو نفسه وذلك وجهه المخبوء تحت لحية شعثاء وهيئة مريبة.. فتاك حيّ يقاسمك الوطن نفسه ولا يزورك فرديّة.. شكري.. !؟ أكان يعلم؟ ألأجل ذلك يا ترى ألحّ على لقائي.. !؟

*******

[1] – العنوان مُستقى من قول لرامبو: ” أنا كينونة الآخر. إذا استيقظَ النُّحاسُ بُوقاً، فلا ذنب له.” من ” فصل في الجحيم” آرثر رامبو- ترجمة شاكر لعيبي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This