الرّاحلون العرب في 2019 من أهل الفكر والأدب (ج. 3/3)

18)

عن تسع وثمانين سنة رحل المفكّر والنّاقد والكاتب والمترجم المصريّ إبراهيم فتحي في بدايات شهر أكتوبر/تشرين الأوّل من السّنة التي ودّعتنا منذ أيام قليلة.

“عميد المثقّفين اليساريّين” كما يلقّبونه في مصر، والقادم من دراسة الطبّ، بدأ حياته بترجمة رواية “الهزيمة” للأديب الرّوسيّ ألكسندر فادييف ليتجوّل بعدها بين المعتقلات بسبب انتمائه السّياسيّ. الأمر الذي جعل إطلاق سراحه شرطا للفيلسوف الفرنسيّ جون بول سارتر لزيارة مصر.

بين نقد أعمال نجيب محفوظ، وترجمة كتب بيار بورديو وعديد الإنتاجات الفكريّة الأخرى، تجوّل إبراهيم فتحي ساخرا في “كوميديا الحكم الشّمولي” مبشّرا بكتّاب جيل السّتينات الخارجين على التنظيمات السّياسيّة المعلّبة من أمثال إبراهيم أصلان و بهاء طاهر و جمال الغيطاني.

“ناقد الرّصيف” كما يحبذ دائما أن يُطلق على نفسه، ترجّل أخيرا بعد مسيرة حافلة بالنّضال السّياسي والفكريّ رفقة أسماء كبيرة سبقته إلى الرّحيل عن هذا العالم وعجز أمام ذكراها النّسيان كما سيعجز أمام ذكراه.

19)

لم يكد يمض يومان على رحيل إبراهيم فتحي حتى فُجعت السّاحة الثّقافيّة المصريّة بوفاة الكاتب والصحفيّ والنّاقد الفنيّ سليمان الحكيم، النّاصري الذي لا يتعب.

ترأّس الفقيد هيئة تحرير جريدة “الجيل” ونشر مقالاته بعديد الصّحف المعارضة للسّلطة مما قاده إلى السّجن والتنكيل لكنه ظلّ متشبّثا بناصريته، لاجئا بها من العراق إلى سوريا، مدافعا عنها، ناقدا للمتمعّشين منها.

عن عبد النّاصر كتب: “عبد النّاصر والإسلام” و “عبد النّاصر والإخوان” كما كتب ما يحمله من “شهادات في الفكر والسّياسة” وقدم “نقوش على جدران الزمن” وحاور ودافع وانتقد “بالفم المليان” ناقلا “اعترافات شيخ الشّيوعيّين محمود أمين العالم” لتكون تلك خطاه التي مشاها في مسيرته النّضاليّة والصحفيّة الثّريّة…وبالفعل فتلك “خطى مشيناها”.

20)

مؤرخ آخر يختار الموت أن يصطحبه في هذا العام هو اللّبنانيّ الكبير الدّكتور يوسف الحوراني. كان ذلك في التّاسع عشر من شهر أكتوبر/تشرين الأوّل.

كاتب ومؤرخ وعالم آثار مرموق من أبناء الجنوب اللّبنانيّ ووالد الفنّانة دومينيك حوراني. عمل منذ السّتينيات رئيسا لتحرير مجلة “المعارف” وتخصّص في تاريخ الفينيقيّين فكتب “مجاهل تاريخ الفينيقيّين” و”نظريّة التكوين الفينيقيّة وآثارها في حضارة الإغريق”.

كان الدّكتور الحوراني قد نشر منذ سنة 1956 كتابه المهمّ “الإنسان فرد لا جماعة” قبل أن يميل إلى القصّة فيكتب سنة 1959 مجموعته “حنين الأرض” ليعود بعدها إلى فلسفة التّاريخ بكتابه “الإنسان والحضارة: مدخل دراسة الحضارات الإنسانيّة” سنة 1962.

كان تاريخ لبنان وجغرافيّته بأسرارهما الغامضة الحقل المحبّذ للمؤرّخ المتبحّر في هذه العلوم، فألّف كتبا تعتبر مراجع لا غنى عنها لكلّ دارس مثل: “من تراث لبنان” و “لبنان في قيم تاريخه” و “المجهول والمهمل من تاريخ جبل عاملة”.

لقد غاص الدكتور يوسف حوراني في أعماق التّاريخ متسلّحا بمناهجه العلميّة وبموضوعيّة وحياديّة المؤرّخ الحقّ، باحثا عن الأسرار فيه كمستكشف مغامر، متغاضيا عن مجرّد “الإخبار” ليصل إلى “باطنه” ففيه “نظر وتحقيق”.

21)

أراد شهر أكتوبر/تشرين الأوّل أن يكون الأكثر قسوة علينا. فاختطف الموت في آخر يوم منه رابع المغادرين الأديب والشّاعر الأردنيّ أمجد ناصر وهو الاسم الذي اشتهر به أحد روّاد الحداثة الشّعريّة وقصيدة النّثر في العالم العربيّ أو كما وصفه سعدي يوسف: “عرار” الأردن الجديد.

الشّاعر العراقيّ سعدي يوسف كان مقدّم مجموعته الشّعريّة الأّولى “مديح لمقهى آخر” الصّادرة سنة 1979 والتي انتقل بعدها إلى كتابة قصيدة النّثر انطلاقا من مجموعته الثّانية “منذ جلعاد”.

ويَعتبر النّقاد أن عمله الشّعريّ “سرَّ من رآك” هو إحياء حديث لديوان الغزل العربيّ.

وبالإضافة إلى مجموعاته الشّعريّة، التي تُرجمت إلى عديد اللّغات، كتب أمجد ناصر كذلك الرّواية من خلال تجربته في “هنا الوردة” الصّادرة سنة 2017 وأدب الرّحلة “في بلاد ماركيز”.

ورغم أن الشّاعر انهمك منذ بداياته في العمل التحريريّ الفلسطينيّ سواء في الأردن أو لبنان، فإن ما يميّز أعماله هو ذلك النّأي بها عن التوظيف الإيديولوجيّ والاحتفاء فيها باليوميّ والتفصيليّ والحسّي.

مرة أخرى، نحن لا نصدّق موت الشّعراء!

22)

شهر ديسمبر/كانون الأوّل بدا متحمّسا هو الآخر للنّيل من المثقّفين والأدباء. ففي يومه الأوّل اختار الموت أن يزور أرض الحجاز ويحمل معه أحد الرّوّاد فاتحي السّبل للآخرين. إنه الأديب والإعلاميّ السّعوديّ الأشهر عبد الفتاح أبو مدين رائد العمل المؤسّسيّ الثّقافيّ في السّعوديّة ورئيس نادي جدّة الأدبيّ طوال خمسة وعشرين عاما قدم فيها للسّاحة الثّقافيّة والأدبيّة الكثير وفسح المجال للشّباب والشّابات على حد السّواء.

وقبل ذلك، وبالتّحديد في سنة 1957، كان أبو مدين أول من أصدر جريدة في مدينة جدّة هي جريدة “أضواء” وبعدها بسنتين أسّس مجلّة “الرّائد” الثّقافيّة لتستمرّ الرّحلة الغنيّة بالمنجزات الإعلاميّة الثّقافيّة بعدها مع إصداره لعديد الدوريّات من بينها: “جذور” المختصّة في نقد التّراث العربيّ و”نوافذ” التي خصّصها لترجمة الأعمال الأدبيّة العالميّة و”علامات” وهي أيضا في النّقد الثّقافيّ والأدبيّ و”الرّاوي” التي اهتمّت بنشر فنّ القصّة و”عبقر” الشّعريّة.

كما رأس الفقيد الكبير هيئة تحرير صحيفة “البلاد” الحجازيّة والملحق الأسبوعيّ لصحيفة “عكاظ”.

الرّاحل عبد الفتاح أبومدين تعود أصوله إلى مدينة بنغازي اللّيبيّة أين وُلد لكن نشأته كانت بالمدينة المنوّرة في المملكة العربيّة السّعوديّة أين عاش عمرا مديدا بلغ الأربعة والتسعين عاما قضاها في إعمار السّاحة الأدبيّة والثّقافيّة ونشر الفكر النّقدي وله في ذلك عديد المؤلّفات منها: “أمواج وأثباج” و “الحياة بين الكلمات” و “الصّخر والأظافر” وغيرها.

تلك كانت “حكاية الفتى مفتاح” عامل الفرن في صغره، مُشعل نيران الجدل كما يقول عنه النّاقد الأدبيّ عبد الله الغذامي: “لقد جاءت نار الحداثة، تلك النّار التي أنضجت كل ما هو نيّء في جسد الثّقافة”… ويبدو أنها نار لن تخبو بموته.

23)

مهاجر آخر من الطبّ إلى الأدب وفلسطينيّ ثالث يرافق الموت بشجاعة أبطال أمريكا اللاتينيّة في الثّالث من شهر ديسمبر/كانون الأوّل هو المترجم الشّهير صالح علماني الذي عاش معظم سنوات صباه في سوريا قبل أن ينتقل إلى اسبانيا أين اشتغل كعامل ميناء بسيط في برشلونة حتى اصطدم بعجائبيّة ماركيز في روايته “مائة عام من العزلة”.

ومنذ ذلك الحين، تفرّغ صالح علماني لترجمة الأدب الأمريكيّ اللّاتينيّ من ماركيز إلى ماريو بارغاس يوسا إلى ايزابيل اللّندي إلى ساراماغو وغيرهم من عمالقة الأدب العالميّ.

ويُعتبر علماني من أبرز المترجمين العرب من الاسبانيّة إلى العربيّة. ولعلّ الجوائز والإشادات الكثيرة التي تحصّل عليها لا تفيه حقّ أهميّة الدّور الذي لعبه في نقل الثّقافة الأمريكيّة الجنوبيّة إلى جمهور القرّاء العرب. ويبدو أن ما يميّز ترجماته تلك، هو معرفته العميقة بعادات وخرافات وآلام تلك الشّعوب التي اختلط بها ونقل آدابها.

المترجم، في النّهاية، هو ذلك الجسر الذي ينقلنا إلى الضّفاف الأخرى ولعلّنا، بفقدان صالح علماني قد فقدنا أكثر الجسور صلابة وأمنا.

24)

رحل محمد شحرور..هكذا دون مقدّمات كثيرة لتكون الفجيعة أكبر حتى نستطيع الشّفاء منها. ذلك المهنّدس المدنيّ المختصّ في التّربة والأساسات، والذي اختار بالتّوازي مع هذا الاختصاص، أن يعمل على تربة الفكر ليؤسّس مدرسته البحثيّة الخاصّة.

ومازلنا في شهر ديسمبر/كانون الأوّل وبالتّحديد في اليوم الواحد والعشرين منه، حين أُعلن عن وفاة المفكّر السّوري الكبير عن عمر يناهز الواحد والثّمانين عاما بعد رحلة طويلة مع التّنوير والحداثة والدعوة الصّادقة إلى تجاوز القراءات التقليديّة الجامدة للّدين ومجابهة الفكر المتطرّف بالعقل والحجّة.

فمنذ كتابه الضّخم “الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة” بدا أن الرّجل يتحلّى، بالإضافة إلى قوة الحجة وسلامة التحليل، بشجاعة نادرة تجعله قادرا على مواجهة أساطين التّراث الدينيّ من الفقهاء المتمسّكين بحرفيّة النّصوص وقدسيّتها غير القابلة للتّأويل المواكب للعصر.

كانت غاية الدكتور محمد شحرور الأساسيّة هي مصالحة المسلمين مع العالم. وفي سبيل ذلك، فإنّ مسائل مثل الشّريعة والسّنة النّبويّة والنّاسخ والمنسوخ والأحكام المستنبطة من القصص القرآني تصبح غير قابلة للتّطبيق بتغيّر الزّمن.

وكما يفرّق بين “الكتاب” و”القرآن” فإنّه يبيّن وجه الاختلاف بين “محمد النّبي” و “محمد الرّسول”. بين صاحب الرّسالة الدينيّة ومؤسّس الدولة المدنيّة في المدينة.

لقد كان محمد شحرور صاحب مشروع فكريّ ثوريّ من داخل المنظومة الدينيّة ذاتها يدعو إلى كسر الجمود المتواصل منذ قرون وتحرير الإنسان المسلم من الخوف وكل القيود التي وضعتها الرّجعيات في معصميه. ولعلّ شهرته لم تكن فقط بسبب غزارة إنتاجه الفكريّ وضخامته، وإنّما أيضا بسبب ضراوة الحملات التي شنّت ضده وحجم النّقد الذي وجّه له من مختلف المؤسّسات الفقهيّة والمرجعيّات الدينيّة.

من مؤلّفات شحرور الخالدة: “تجفيف منابع الإرهاب” و”الدّين والسّلطة: قراءة معاصرة للحاكميّة” و”الإسلام والإيمان: منظومة القيم” و”نحو أصول جديدة للفقه الإسلاميّ” وغيرها.

ألم يرد في كتاب “الملاحم” لأبي داود أن النّبيّ قال: “يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدّد لهذه الأمة أمر دينها”؟

فلماذا يرفضون التّجديد؟ لماذا لا يكون محمد شحرور أحد هؤلاء المجدّدين؟

25)

مع نهاية الشّهر الأخير من سنة 2019 وفي الثّامن والعشرين منه، جاءنا من المغرب الأقصى نبأ وفاة الكاتب والصحفيّ الكبير مصطفى العلوي أو كما لُقب هناك بـ”عميد الصحفيّين المغاربة”.

حين تتأمّل سيرة هذا الرّجل، تصيبك الدّهشة من حجم العمل والجهد الذي قدمه لمهنته “صاحبة الجلالة” رغم تعرّضه للسّجن عديد المرّات بسبب مقالاته وآرائه، وهو ما اضطرّه إلى تأسيس قرابة الخمسة عشر عنوانا لصحف مختلفة هروبا من محاكمات الرأي وعيون الرقيب.

ولم يكن دفاعه عن حرّيته الشّخصيّة في التّعبير ليتوقّف عند تمتّعه بها، بل تجاوزه إلى دفاع مستميت على حريّة كل الصحافيّين أبناء “مهنة المتاعب” فكان من مؤسّسي “النّقابة الوطنيّة للصّحافة المغربيّة”.

لـمصطفى العلوي كتب منها: “الأغلبيّة الصامتة في المغرب” و “مذكّرات صحافي وثلاثة ملوك” وغيرهما.

ويظلّ عموده الصّحفي الذي يكتبه في جريدة “الأسبوع الصحفي” تحت عنوان “الحقيقة الضّائعة” آخر ما اعتاد عليه قرّاؤه الأوفياء. ولسنا نعلم اليوم إن كان مصطفى العلوي قد اهتدى في النّهاية إلى “الحقيقة” التي تبقى ضالة كل صحفي من جنود “السّلطة الرابعة”.

خاتمة:     

“الإنسان الأطول عمرا مات في النّهاية” هكذا يقول مثل إيرلنديّ قديم. فهم قد رحلوا عن هذا العالم ليختم عام 2019 قائمته ويحمل الموت نصيبه السّنوي منّا. لكن هل غادرونا حقّا؟ هل علينا أن نصدّق ذلك؟ ربّما كانت لنا فكرة خاطئة عن الحياة لذلك تكون لنا فكرة خاطئة عن الموت كما قال “تولستوي” لكن ما نحن متأكدون منه، هو أن هؤلاء المفكّرين والكتّاب والفنّانين والشّعراء، لم تكن حياتهم بلا معنى ليكون موتهم كذلك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. جمال همد

    الأوان تعني حياتنا وتلونها

أضف تعليق