هكذا قرأت كتاب الصّمت (ج1)

إلى صفيّة سعيد ومحمد أُوعسو لأنّهما تركا فيّ صمتا عميقا...

دافيد لوبروطون الباحث الفرنسي السّوسيولوجي والأنثروبولوجي الّذي تخصّص في دراسة الجسد حيث قدّم الكثير من الكتب في هذا المجال نذكر منها على سبيل المثال: أنثروبولوجيا الجسد والحداثة، سوسيولوجيا الجسد، أنثروبولوجيا الألم، تجربة الألم1…

اسم الكتاب: الصّمت لغة المعنى والوجود

اسم المؤلّف: دافيد لوبروطون.

اسم المترجم : فريد الزّاهي.

دار النّشر: المركز الثقافي للكتاب.

تاريخ النّشر: الطّبعة الأولى 2019.

ربّما هذه الكلمات عاجزة عن قراءة ومحاولة فهم كتاب الصّمت في تنوّعه واختلافه وتعدّده وعمق معانيه، وثراء دلالاته، وخصوبة مضامينه واتّساع أبعاده. أن تقرأ كتاب الصّمت يعني أن تكتشف الوجه الحقيقي للحياة، كما لو أنّ المعنى والوجود محجوب بثقل سطوة هيمنة النّظرة الاعتباريّة للكلام، والنّفور من الصّمت إلى حدّ اجتناب كلّ من مسّته عدوى طابو الصّمت، سواء في الإنسان، الأمكنة وجميع الفضاءات. وبذلك فانت تتخلّص من ثقافة تقديس الكلام الّتي تنظر بعين التّبخيس والدونيّة إلى درجة العداء للصّمت، باعتباره – الصّمت- حالة شاذّة مرعبة ومقلقة وباعثة على الحيرة والارتباك ومولّدة للخوف من المجهول، وبالتّالي غير مرغوب فيها.. أن تقرأ كتاب الصّمت فتلك متعة رائعة في عيش أجمل اللّحظات في محاولة عيش انبثاق طويّة القدرة على الخروج من الصّندوق، صندوق الجاهز والقطعي والأحادي في النّظرة والتّصور والتّفكير والاعتقاد…، واكتشاف التّنوّع والاختلاف والتّعدد  في المعنى والدّلالات في مختلف أشكال التّواصل الإنساني مع الذّات والآخر والعالم، ليس من خلال الكلام فقط، بل وبشكل خاصّ من خلال الاقتدار المعرفي والنّفسي والفلسفي والديني الرّوحاني في إدراك وتمثّل وعيش تجربة الصّمت، كتجربة غنيّة ومُنميّة للذّات والآخر، وللكلام أيضا، وفق سيرورة جدل التّكامل لإدراك الكلام في الصّمت، ولضرورة الصّمت في الكلام، في البناء والتّفكير…

1 – صمت المحادثة

والخطير أنّ الحداثة وبشكل أدقّ إيديولوجيا التّواصل أسّست وجودها على رفض الصّمت، حيث هي  مصابة  بنوع حمى جنون كلام  يؤدّي إلى العداء تجاه الصّمت،  فلا مكان له، ولا مكانة لصاحبه.” إنّ لزوم التّواصل عبارة عن تشهير بالصّمت، كما أنّه قطع لدابر الطويّة”14 .  وهذا ما يجعل من الصّعوبة فهم ذلك التّكامل الخلاق بين الكلام والصّمت في تبادل جدلي للأدوار بنوع من الاعتماد المتبادل” كلّ كلام يحرّك الصّمت ويمنح دفعة ملائمة للتّبادل الخطابي، كما أنّ الصّمت يحرّك الكلام بمنحه زاوية خاصّة، بحيث لا يمكن أن يتخلّى أحدهما عن الآخر من غير أن يضيع، ومن غير أن يكسر خفّة اللّغة”.31  وفي غياب هذا التّفاعل بينهما لا يمكن أن نتحدّث عن سيرورة التّواصل، وعن عمليّة بناء للمعنى، في نوع من تبادل تمرير السّائل المخصب للمحادثة والحوار. ويختلف مضمون هذا التّفاعل تبعا لحضور الصّمت الخاطف أو البطيء، حسب سياقات الاستعمال الثّقافي للصّمت الّتي تعبّر عن مقدرة المتحادثين على تفادي التّلكؤ أو السّرعة في الكلام. لكنّ الأمر يختلف أيضا كلّما تعلّق بمجموعات ثقافيّة مختلفة في سلوكها الحواري إلى درجة تؤدّي إلى تبادل إسقاط الأحكام الجاهزة السّيئة النّوايا  بين الكسل والانطواء، أو الثّرثرة والرّغبة في السّيطرة وحبّ الظّهور. هكذا نتعرّف مع كتاب الصّمت على التّباين الكبير بين الثّقافات والمجموعات الثقافيّة الاجتماعيّة في كيفيّة استعمالها  للكلام والصّمت، سواء على مستوى اللّحظات الطّويلة للتّوقف عن الكلام، أو سيولة الكلام الّتي تقاطع خلال أوقات الوقف الآخرين، ممّا يؤدّي إلى الكثير من سوء الفهم والتّفاهم وعسر التّواصل النّاجم بالأساس عن غياب الوعي والمعرفة بالاختلاف بين المجموعات والمجتمعات الثقافيّة المختلفة، الشّيء الّذي يسبّب الأسقاط الذّاتي لكيفيّة استعمال جدليّة الكلام والصّمت وفق إيقاعات متباينة المدّة تطول أو تقصر بين الكلام ونسيج الصّمت، كما يحدث مثلا بين الأمريكيين والفرنسيين خلال المحادثة، أو حسب الوضعيّة الاعتباريّة لكلّ مشارك حيث ” كلّ  وضعيّة تفرض قياسا دقيقا للكلام ولحظات الصّمت تبعا للمتخاطبين الحاضرين وإطار لقائهم.”36. وهذا ما يحدث حتّى بين الأفراد داخل مجموعة اجتماعيّة معينة، تبعا للتّفرد الشّخصي والقيم الثقافيّة الّتي تحكم المجموعة في منحها الشرعيّة للكلام أو الصّمت، بنظرة طبيعيّة تؤسّسها البداهة. يتّضح ذلك بشكل كبير كلّما تعلّق الأمر بالمرأة ومكانتها في المجتمعات المتفاوتة التّقدير لها، إذ تحرمها حريّة الكلام إلى درجة اللاّمساواة في وقت يتمّ التّشهير بثرثرتها المسيجة واقعيا بالصّمت في علاقات اجتماعيّة اختنق فيها التّواصل وصار صعبا لنماء للطّفل ومؤلما للأزواج الّذين جفّفوا نبع حنان الكلام الأصيل. “يكون الصّمت عذابا، لا يفلت منه الرجل دوما، بحيث لا يعرف كيف يرمم علاقة يقيس فيها عزلته الخاصّ.”42

وفي مواقف حياتيّة غير مألوفة وهي تثير الدّهشة، كلقاء غريب او عودة المرء بعد غياب طويل، يكون للصّمت دور كبير في إعادة الأمور إلى عادتها، وخلق تقارب بين الأفراد بما يسمح للكلام بالانبثاق. هذا ما يفعله أعضاء قبيلة هنود الأوباش. وهذا الصّمت الظّرفي تختلف أسبابه، فهي إمّا ثقافيّة تثمنه، أو نتيجة وضعيّة فرديّة تكره على الصّمت كآليه دفاعيّة لحمايّة الذّات. والجهل بمثل هذه المعطيات يورطنا في إصدار الأحكام السلبيّة في حقّ من يتحصّنون وراء الصّمت لأسباب قيميّة ثقافيّة، مثل شعوب زاهدة في الكلام  ممّا يؤدّي إلى عدم تكيّف أطفالهم مع ثقافة مدرسيّة ثرثارة، وتفهم التّفوق في امتلاك قواعد مغايرة للتّواصل الأصلي. هذا ما يصطدم به أبناء عشيرة لا تؤمن بتراتبيّة الكلام، ” فالطّفل وهو يعيش تجربة المدرسة يندهش من الوضعيّة الاعتباريّة الخصوصيّة للمدرس، ومن رفعة كلامه، ومن سلطته الّتي تخرق أشكال العلاقات الاجتماعيّة والمبادئ الأخلاقيّة لقبيلته.”49

وإذا كان هذا النّوع من الصّمت اختياري تمليه قواعد التّواصل الخاصّة بالبيئة الثقافيّة الاجتماعيّة، فهناك صمت قاهر يسود داخل الكثير من المؤسّسات المهجورة من الفعل الاجتماعي كدور العجزة ومصحات الأمراض النّفسيّة، حيث يسكنها صمت كالأشباح، حيث تنعدم القيمة التّبادليّة للكلام حتّى بين العاملين فيها، كما لو أنّ المرء ملزم بالانسحاب من علاقة تفتقر للانتباه. فتتكوّن ميول فقر الدّم الكلاميّ، كاختيار ليس ناجما عن ” ثقافة الصّمت وعن علاقة بالعالم، موسومة بالامتلاء، بحيث تجعل الكلام نافلا”52 إنّه الفراغ المهول وتهميش للذّات وفقدان للمعنى.

والجميل في الكتاب أنّه يضعنا وجها لوجه أمام ضيق وحدود ومحدوديّة معرفتنا بالوجوه المختلفة لأنظمة الصّمت، أو بشكل أدقّ لكيفيّة اشتغال جدليّة الكلام والصّمت. هكذا يبدو ما نعتقده تافها في المعرفة  والدّراسة والبحث مجالا شاسعا خصبا، شائكا ثريا، وشديد التّعقيد والتّرابط بالثّقافي والاجتماعي والأنثروبولوجي…، والجميل أنّنا ندرك الوجه الآخر للتّصلب الذّهني والفكري والثّقافي الاجتماعي الّذي كنّا نرزح تحت وطأته.

وفي هذا السّياق نتعرّف على لحظات التّواصل الّتي يتمكّن فيها المتحدّثون من تدبير لحظات الوقف والعودة للكلام، وهذه إحدى أخلاقيات الضّيافة في الحفاظ على سيولة الكلام سواء من المضيف، أو من طرف احد الضّيوف الحاضرين خوفا من اختراق الصّمت للمجموعة. ” هكذا يكون الصّمت العدو الّذي يلزم صده، والوباء المنتشر الّذي يلزم ألاّ يصيب كلّ تظاهرة راقية.” 55 فالكثير من القلق والاضطراب يكون مصدره الاختراق المفاجئ للصّمت إلى درجة تدمير معنى كلّ الكلام السّابق، ودفع ثمن ابتكار الكلام لحفظ ماء الوجه. ودلالات الصّمت كثيرة حسب سياق وأجواء تماس الانسان مع الآخرين في السّفر مثلا، وأثناء العمل…حيث يمكن أن يكون الصّمت مصدرا للغموض والازعاج عند الآخر الّذي لا يفهم سرّ هذا الرّد في صورة صمت سادر سرعان ما يؤدّي بصاحبه في مواقف معينة إلى التّهميش وتفكّك الرّابطة الاجتماعيّة. إلاّ أنّ مسألة توزيع الصّمت والكلام أمر راجع إلى البعد الثّقافي والقواعد الاجتماعيّة للتّواصل، بمعنى” ليس ثمّة صامتون أو ثرثارون إلاّ بالعلاقة مع الوضع الاعتباري الثّقافي للخطاب.”62 فهناك مجتمعات تعرف بقلّة  كلامها وطول وقفات صمتها، أو بميل للصّمت كشكل تواصلي، والعكس صحيح بالنّسبة لمجتمعات أخرى. إنّ قراءة كتاب الصّمت تمنحنا فرصة رائعة لفهم التّنوع والاختلاف اللّذين يميّزان الأساس الثّقافي الاجتماعيّ لأنظمة الصّمت والكلام، وخلال ذلك نتعرّف على هشاشة البداهات والمسلمات الأحاديّة المتصلّبة، الّتي تجهل التّنوع والتّعدد والاختلاف، الّتي تمّ اجتيافها عبر النّظام الثقافي الاجتماعيّ وفق معايير محدّدة للتّوزيع المثالي، لجدل الصّمت والكلام، ولكلّ قواعد التّواصل، دون أن ندرك خصوصيّة كلّ هذا وتمايزه عن الكثير من الثّقافات الأخرى. فإذا كانت مجتمعات تسمح بالكلام، فإنّ أخرى تفضّل الصّمت في العلاقات الاجتماعيّة بين أفرادها في العمل والسّفر وحول موائد الأكل، كما في فلندا وشمال السويد…، والجميل أنّ القارئ ينتبه إلى أن تواصلنا مع الآخرين لا يضمنه تعلم أو اتقان لغتهم. فالجهل بالوضع الاعتباري الثّقافي للخطاب قد يخلق فرضيات تأويليّة ونوايا سيّئة ضدّ منطق صمت الآخر، أو قلّة كلامهم. وهو يدبّر قواعد تواصله” يفصح الياباني عن زهد في الكلام والحركات، وهو يتحرّر بصعوبة من تحفظه. فهو يستبطن عواطفه ويظلّ ظاهريا هادئا بالرّغم من الإحراج والرّجات العاطفيّة الّتي تخترقه.”65

هكذا يتّسع فهمنا الضّيق والمحدود والشّديد الفقر والضّحالة لمفهوم التّواصل، أو اكتساب وتعلم اللّغات. فبالنسبة لبعض المجتمعات نحتاج لتعلم صمتهم وليس فقط لغاتهم، لأنّ فيه ثراء ونماء داخلي في عيش الكينونة والتّجربة الوجوديّة الشخصيّة والحميمة والإيمانيّة الّتي تتجاوز التّوسطات الرمزيّة وتراتبيّة سلطة الخطاب. هذا ما نكتشفه مثلا مع الطّائفة الدينيّة البريطانيّة الكواكرquaker  ” الصّمت ليس أبدا هنا غيابا للكلام، وإنّما اشتغالا على الذّات يهيئ الرّوح للسّماع، وللاستقبال ” للنّور الباطن” . إنّه صمت نشط، ويفصح عن تحلّل الذّات والتّوق إلى اللّقاء المباشر بالله.”66 إذن، نحن إزاء معنى روحاني للصّمت يميل إلى الطويّة، حيث ينبع الكلام من عمق الصّمت لتعميق الخشوع، في ظلّ نظرة دونيّة للغة، وواقع صمت لا خبث فيه. وليست طائفة الكواكر وحدها من تمارس هذا التقتير في الكلام، فالثّقافة الأميشيّة في أمريكا تفعل ذلك      ليس فقط أثناء الصّلوات، بل حتّى في أشكال التّواصل الأخرى بين الأفراد. هذا ما تتميّز به الكثير من الثّقافات في إفريقيا الوسطى”  فالتزام الصّمت يبدو نوعا من المقاومة والحفاظ على هويّة شخصيّة وجماعيّة، وطريقة في التّجذر في ما وراء الخطاب، بحيث يمتصّ الأسئلة كلّها، ومن ثمّ كلّ المخاطر. إنّه سلوك محرج لمجتمعاتنا المسكونة بالشّفافيّة والتّحكم، والمهمومة بضمان استمراريّة الكلام…تمارس قبائل “الغبيا” راحتها في الصّمت حين تنقص الرّغبة في مواصلة الحديث.”70

وبالمقابل هناك مجتمعات تخاف من الصّمت ولا يمكنها أن تتصوّر حياتها اليوميّة بعيدا عن الكلام وهسيس الّلغة. سواء في جزيرة نوكيورو في المحيط الهادي، أو لدى قبيلة طوارق كليل فروان حيث لا يمكن للكلام أن يتوقف، بسبب تصوّرات ومعتقدات مشحونة بالخوف من كائنات خرافيّة تستغل الصّمت لتلحق الأذى بالإنسان الصّموت. إنّ الأمر يتعلّق في العمق بآليات لتفادي رعب التّمزق من خلال جدار همس الكلام مهما كانت قيمته الدلاليّة. إلاّ أنّنا نجد العكس عند قبيلة” التّماري” الّتي تجعلها معتقداتها ميالة إلى الصّمت عند حلول اللّيل، فهو حماية إزاء الخطر” إنّ الكلمة الحقّ لدى قبائل “البمبارا” الإفريقيّة هي الصّمت، أي الكلام الّذي يستحقّ التّقديس”96.

بناء على المعطيات السّابقة تتّضح لنا نسبيّة الأوصاف المتعلّقة بالثّرثرة والصّمت، وكلّ قواعد التّواصل الخاصّة بثقافة كلّ جماعة أو مجتمع. والمجتمعات الّتي يكون فيها للكلام وضع اعتباري رفيع لا تتحمّل الانسان الصّموت لأنّه يثير القلق والخوف والانزعاج. ” فهو يجسد في أعين الآخرين لغزا يلزم تطويقه، ومسافة تعوق سيولة الحديث المطلوبة.”77 ممّا يعرضه لمختلف أنوع ردود الفعل القاسيّة في عنف حدّتها العدوانيّة من المقت إلى الضّغط  عليه للمشاركة في الكلام، خاصّة حين لا يقدر وضعه الشّخصي الّذي  يمكن أن تكون أسبابه معاناة شخصيّة.” وإذن فالكلام ليس فقط حقّا، وإنّما ضرورة تؤمن الرّابطة الاجتماعيّة بتبديد اللّغز الّذي يجسّده الشّخص الّذي يلزم الصّمت رغما عنه.”79 لهذا كانت تخاف الكثير من المجتمعات من صمت أفرادها خاصّة من الطّفل الصّموت، وتجنّبا لذلك الخرس كانت تتمّ إحاطتهم بتصوّرات ومعتقدات تدفع عنهم نحس ولعنة ولوثة الصّمت. هكذا يتبيّن لنا الحجم الهائل من رهاب الصّمت، حيث لا بديل عن الكلام المتدفّق لإثبات الذّات، وتعزيز الرّابطة الاجتماعيّة، حتّى ولو كان الأمر يتعلّق فقط بالدّردشة لطرد الصّمت. هكذا يكون لما هو تافه معنى وجماليّة وشاعريّة خاصّة، إنّها حظوة الكلام، حيث لا تكون للصّمت قيمته النّادرة إلاّ في حضور سطوة الثّرثار. ” لأنّ الثّرثار بالمقابل يعتبر مساسا باللّغة باعتبارها مساهمة في الرّابطة الاجتماعيّة.”92 تبعا لهذا المعنى كان الصّمت من ذهب بالنّسبة للكثير من الثّقافات الّتي تثمّن الصّمت في مواقف حياتيّة محدّدة، وتعلي من قيمته الأخلاقيّة والثّقافيّة الاجتماعيّة. ولا يمسّ هذا السّلوك في قواعد التّواصل شخصيّة الفرد مهما كانت مكانته الاجتماعيّة والفكريّة السياسيّة. وفي المجتمعات الافريقيّة هناك توزيع صارم للكلام والصّمت حسب معايير اجتماعيّة، سلاليّة طبقيّة، عمريّة…، إنّها تصنيفات محدّدة في تعلم الزّهد في الكلام منذ الطفولة.” يكون الكلام وجيها حين يتمّ التّلفظ به تبعا للتّقاليد، فهو يهدف إلى تهدئة جرح مّا، وضخّ المعنى في حدث أليم واستعادة النّظام.”95

2 – سياسات الصّمت

من الصّعب جدّا ادّعاء القدرة على حصر جميع دلالات الصّمت، كخطاب خارج الكلام، المرتبطة بمواقف ووضعيات مختلفة. فديناميّة حركته تؤسّس لغموضه وقدرته على الاستجابة للتّحركات الاجتماعيّة للمعنى. وهذا ما يجعل ضروريا الإمساك بالوضعيّة الّتي تحتويه، تفاديا لسوء الفهم والتّفاهم، وردود الفعل النّاجمة عن الاسقاطات، لأنّه يمكن أن يبني أو يهدم. فمثلا التّفاعل الاجتماعيّ في ظلّ وضعيّة قهريّة للنّظام التّراتبي تعني سطوة الكلام واستثماره للمسافة لاستغلال الصّمت الّذي يمكن أن يتحوّل  في مواقف حياتيّة إلى سلاح فتاك.” فالغير وهو يلزم الصّمت، يعلن عن السّلطة الكاملة لموقعه، إنّه يترك ضحيته في حال من الشّك في ما يمكن فعله، ويدفع بها إلى العجز.105كما يمكن أن تكون له مقاصد ضبط النّفس للتّحكم في الوضع، أو رفضا للانكشاف وتعريّة الذّات كطريقة للاستفادة من فعاليّة الكلام وبراءة الصّمت، وذلك صيانة للنّفس في المواقف الصّعبة.” ولزوم الصّمت في الوضعيات المتأزمة يغدو حينها استراتيجيّة للتّحكم في عاطفة لا تنتظر غير الكلمات لتنتشر مثل نزيف وتهدّد بنتائجها بشكل دائم تقدير الفرد لنفسه أو للعلاقات مع  الغير.”110

وقد يكون الصّمت شكلا للممانعة والمقاومة والرّفض للتّواصل إلى درجة القطيعة. إنّه آخر أسلحة الفرد للدّفاع عن كرامته المهدورة، أو للتّعبير عن الحقد والحزن جوابا على الألم المعيش. ومثلما يكون الصّمت مقاومة ، فهو قهر وتسلّط بيد السّلطة في فرض الصّمت بلغة الاكراه، وحظر الكلام باعتباره شبهة تطالها الرّقابة. فيتولّد صمت حذر حماية للذّات، لكنّ المعنى رغم قوّة التّكميم يتحايل على ضرورة الصّمت من خلال قوّة الإيحاءات في الفنّ، الشّعر، والموسيقى…

ومع ذلك لا يمكن أن نتجاهل قوّة السّلطة في إلزام الفكر بالصّمت إلى حدّ الاجهاز على الصّمت الباطن الّذي يفتح العينين على العالم ويتيح التّخلص من البداهات والإيديولوجيّة. وعلاقة المقهور بالسّلطة تلزمه بأشكال مختلفة من الصّمت، من القهر والحرمان من الكلام، من خلال الإقصاء والنّفي والعزل والمقاطعة الاجتماعيّة، وحتّى بالسّجن.  ومن جهة أخرى ليس من السّهل على الفرد كسر الصّمت، فذلك يتطلّب موارد شخصيّة، وفرص تمكّنه من تفجير ممكنات الكلام المكبوت، ومن ثمّ استعادة اللّقاء بالمعنى كما يحدث اليوم في المجتمعات العربيّة، حيث أخذت الشّعوب الكلمة بتعبير مشيل دوسيرطو.” لقد صار الكلام يعاش كاحتفال، واكتشاف للذّات، مع الإحساس بالقيام في غمرة الحماس بالإبعاد الكبير للقوقعة الّتي لم يتم الاعتراف بها كليّة في ما قبل، ومع التّساؤل كيف استطاع المرء أن يعيش طويلا تحت وطأتها.”127 هكذا يتّخذ هدم الصّمت أشكالا من الاحتجاج والتّعبير…

إلاّ أنّه في مواقف القبول والرّضا بالآخر في الحبّ والصّداقة يكون الكلام نافلا ويعاش الصّمت بلذّة ومتعة كزمن مرغوب فيه، حيث ” لا يتمّ عيشه  كنقص أو اضطراب، وإنّما بالعكس كضرب من الكمال المطمئن الّذي يكتفي بذاته.”130  والصّمت لا يعكس دائما السّخط الّذي يعتمل في جوف الفرد رغم ما يتصنّعه من رضا، لأنّ صاحبه حسم أمره من أيّة مناقشة لا تقدّم ولا تؤخّر، مادامت كرامته مدهوسة. وتكبر معاناة الصّامت خاصّة الإنسان المتوحّد، أو من العجزة حيث يعيشان نوعا من اللاّمبالاة، فيتّخذان الصّمت قاربا لسيرورة تنتظر حتفها. فغالبا ما يحلم الفرد، الّذي يعيش وجودا قهريا مسحوقا، بالخرس هروبا من أي تواصل. وهو أقرب إلى الموقف النّفسيّ الثّقافيّ الاجتماعيّ الّذي يعيشه الغريب والمهاجر فيُلزمه الصّمت رافضا المشاركة في المجتمع، خاصّة عندما يفشل الحداد على الأصول، والتّكيف مع المجتمع الجديد. ويزداد ألم الصّمت بالنّسبة للأطفال الّذين يعجز آباؤهم عن التّكيف مع الواقع الجيّد وتوفير فضاء نفسي للطّفل لتجاوز دلالة الفقدان الأسري الّتي يمكن أن تصيبه بلوثة الخرس والهروب  من عذابات الرّابطة الاجتماعيّة.  وهذا ما يعيشه بشكل حادّ ومؤلم المصاب بالتّوحد فهو يعيش ” على حدّ الموسى بين الذّات والغير للحفاظ على موقع هشّ للممانعة قابل لأن يفكّكه كلّ كلام يتمّ النّطق به.”140 فعندما تكون التّجربة مرعبة وتعجز الكلمات عن التّعبير وترجمة الموقف الصّعب، يصاب الإنسان بالخرس كعنف حطم هويّته الشخصيّة معزولا بدون آخر، غارقا في ألمه. إلّا أنّ تجربة الموت والرّعب مثل محرقة أوشفيتز أصابت الضّحايا برغبة جنونيّة في كلام لا ينتهي ولا يعرف الرّاحة أو التّوقف. ” إنّها حمى الكلام لترويض الصّمت، وردم هوّة المعنى من غير أن يتمّ  التّوصل إلى ذلك.”144 وتكبر كارثة الصّدمة عندما يكتشف الانسان قذارة اللّامبالاة الّتي تغتال  كلامه في صمت يمثّل الشّكل الأقصى للصّرخة، فاللّغة تبدو هشّة وضعيفة في قول الكلام المكتوم. الشّيء الّذي يستلزم لغة أخرى، تتخطى سقف اللّغة العاديّة في التّمثيل الرّمزي للعالم، ” تلك اللّغة الّتي تنقصنا لنفسر ما معنى الكدح اليوم كلّه تحت رحمة الرّيح، في حرارة تحت الصفر، لا نتقي البرد إلّا بقميص وسروال داخلي وسترة وسروال من القماش، والجسم ينهشه الجوع والوهن، ويتملكه الوعي بأنّ النّهاية آتيّة لا ريب فيها”146. وإزاء هذه الاستحالة في قول التّجربة يكتسح الصّمت عالم الفرد وهو يتغذّى من عجز المعنى، وهجوم النّسيان واللاّمبالاة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This