91 عاماً لنعوم تشومسكي في زمن أفول “النخبة” / أحمد محسن

قبل أيام، دخل المفكر الأميركي نعوم تشومسكي عامه الثاني والتسعين. لكن الألسني الكبير لم يتعب بعد، ولم يشعر بالملل. لديه ما يقوله دائماً. قراءة تسعين عاماً فيها عمل هائل ليست سهلة، والأصح ليست ممكنة. لكن في زمن ترامب، يمكن إعادة صياغة كمية هائلة من الأسئلة، عن دور النخب في العالم، وفي أميركا خاصةً. هذه المرة قد لا يملك تشومسكي الإجابات، قد يكون الانكفاء هو الإجابة الوحيدة والتفسير الوحيد.
في مقابلة مع “أتلانتيك” عن الذكاء الاصطناعي، يقول نعوم تشومسكي إن فلسفة العلوم تثير اهتمامه فعلاً. هذا متوقع. أن يكون مثقف مثله مهتماً بفلسفة العلوم. لكنه سرعان ما عقب، بأنه لا يعتقد أنها تضيف فعلاً إلى العلوم، بل تتعلم منها، تحاول أن تفهم كيفية عمل العلوم، ولماذا تتحقق الأشياء عبرها، محاولاً تمييز المسارات الخاطئة عن الصحيحة. ما يعتقد أنه مهم فعلاً، هو تاريخ العلوم. وبالنسبة لكثيرين، ما قد يكون مهماً ليس ما يقوله تشومسكي نفسه، بل تاريخ تشومسكي. وهو في إنتاجه، قطعاً، يضيف فعلاً إلى التاريخ.
خلال نصف قرن، وأكثر قليلاً، علّق تشومسكي على جميع الأحداث الممكنة تقريباً. وبالنسبة للأكاديميين، ولكثير من الويكيبيديائيين، أيضاً، فالرجل صار مصدراً يُستسهل الاستشهاد به. لكن لأسباب عدة، فإن انكفاء تشومسكي من التأثير، وليس من التعليق، يدلّ إلى أن الناس لم تعد تؤمن بدور المثقف كما كان سابقاً. ليس وصول ترامب الدليل الوحيد إلى ذلك. وليس عمل المؤرخ شلومو ساند الهام عن “موت المثقف الفرنسي” سوى رافد لدلائل أخرى كثيرة. حتى
“انكفاء تشومسكي من التأثير، وليس من التعليق، يدلّ على أن الناس لم تعد تؤمن بدور المثقف كما كان الأمر سابقاً”أن التصويت الإنكليزي الأخير كان بمثابة إلحاح على البريكست، ضدّ آراء النخب. احتاج الإنكليز إلى أن يكرروا إصرارهم، وإن كان التصويت الكثيف ضدّ كوربن، أكثر من كونه تصويت مع جونسون، فذلك يدل إلى أن الناس لم تعد تنتظر المثقفين حتى ينتقدوا المثقفين، هذه المرة قامت بذلك بنفسها. قبل ذلك، وتزامناً مع انتخاب ترامب، بدأت النخب السياسية والثقافية تسأل نفسها أسئلة جدية عن موقعها، وعن حدود تأثيرها. تراجع تأثير تشومسكي لا يعني تراجعه شخصياً. لكن العالم يتغيّر.

السجال مع المثقفين
ما قد يميّز تشومسكي أنه لم يدخل في سجالات خاسرة حول الشعبوية، وفي تبسيط المسألة بإلقاء اللوم على الشعبويين. فالناس صارت تعتقد أنها صاحبة “معرفة”، بحكم تطور وسائل الاتصال. ولا يحق محاكمة “المعرفة”، على الأقل من دون إطار نظري يحدد ماهية هذه المعرفة، وعلاقتها بالخطاب، مثلما فعل علماء الاجتماع الفرنسيين، فوكو، وبورديو، مثلاً. كذلك، لا أحد يستطيع التقليل من قيمة الألسني الأميركي الثقافية، لكن ثمة أزمة تكمن في الانقطاع عن الناس، أو في تعطل وظيفة المثقف، كجسر بين مجموعة آراء متضادة. تشومسكي هو أحد هؤلاء الذين كان لديهم ما يقولونه دائماً. لكنه يتحدث من موقعه الأكاديمي، وقد صار هذا مستفزاً، رغم أنه ما زال قادراً على التقاط مفاصل الأزمات. في رأي كثيرين، ممن انتظروا منه مواقف أكثر أخلاقية، في أحيان كثيرة، كان “نظرياً” أكثر من اللزوم.
ومثل غالبية المثقفين، كان تشومسكي حاضراً في المجال العام، وفي النقاشات، في اللحظات

“تشومسكي هو أحد هؤلاء الذين كان لديهم ما يقولونه دائماً. لكنه يتحدث من موقعه الأكاديمي، وقد صار هذا مستفزاً، رغم أنه ما زال قادراً على التقاط مفاصل الأزمات”
التاريخية الكبرى. لكن ظهوره كمثقف ليس مثل ظهوره كناشط سياسي. الدور الذي لعبه المفكر الأميركي كمثقف لا يختلف عن أدوار المثقفين عموماً، الذين يسجّلون مواقف كبيرة في لحظات الانقسام، لكنهم عملياً يستخدمون خطاباً مخففاً للخطاب السائد، بهدف الحد من الانقسام، والإقامة في منطقة فاصلة ناشئة بين المنقسمين. في هذه المكانة، جلس تشومسكي، في حرب فيتنام، أو في الحرب على العراق، أو في موقفه من نظام بشار الأسد المتهالك، والتدخل الروسي في سورية. لا يعني هذا أنه يمكن استسهال محاكمة مواقف مفكر بحجمه، ولكن يجب الانتباه إلى أن الانقسام الأيديولوجي في أميركا استدعى ظهور تشومسكي، وكان قادراً دائماً على نقد الإستابلشمنت، في موازاة ترميم عاطفي للعلاقة بين مكونات النظام، تتفاوت أوضاعها وحساباتها تبعاً لعلاقتها بالإستابلشمنت. لكنه اليوم يبدو منقطعاً، كما لو أن الأحداث صارت أسرع منه.
ليس فقط تشومسكي، بل انطلاقاً منه، يمكن الحديث عن ضرورة إعادة تعريف دور المثقف والأكاديمي في أيامنا. في منتصف التسعينيات، طلب روبرت بيلا من زملائه في بركلي، أو من الأكاديميين بشكلٍ عام، أن يعيشوا جانباً عادياً من الحياة، يسمح لهم بالتورط مع المواطنين، غير الأكاديميين، في نقاشات حول قضايا المصلحة العامة. من وجهة نظر اجتماعية صرفة. كان بيلا يعتقد أن الأكاديميين صاروا خارج حسابات الناس، وقد بيّنت الأحداث، في أماكن كثيرة من العالم، أنه يتوجب على المثقفين أن يعرفوا أدوارهم، ولا يتوهموا أنها أكبر مما هي عليه فعلاً. عالم الألسنيات الكبير كان من أوائل الذين أشاروا إلى ذلك. لديه اعتراضات واضحة على النخب، ربما أكثر من أي أحد آخر. لكن هل تكفي الاعتراضات؟ في رأي خصومه، تصرف دائماً كنخبوي يحاول دائماً القول إنه لا ينتمي إلى هذه الطبقة. ربما بفعل تطور الوسائط المعرفية صار الرجل نخبوياً في نظر الجماهير، رغم حربه على النخبوية. ربما بسبب الدعاية ضده. ربما لأسباب كثيرة أخرى، لكن العرض يقتضي التذكير بأنه أعلن حربه على النخب في أكثر من اتجاه.
الاتجاه الأول والأساسي كان أكاديمياً، إذ عبّر مراراً عن نقمته ضد المؤسسة الأكاديمية: “إن المتعلمين هم أكثر الأشخاص تعرضاً لغسيل الدماغ، حيث يصنفهم ضمن الفئات الأكثر غباءً وجهلاً في المجتمع”. كان لاذعاً دائماً في انتقاد سلوكيات نخبوية، حتى وإن صدرت عن أشخاص أقرب إليه في الموقع السياسي من آخرين. لم يوفر أنطونيو نيغري، ومايكل هارت، في عملهما الشهير عن “الجمهور”، متهماً إياهما بتعقيد كل شيء، بينما كان يمكن أن تقال الأشياء بطريقة أكثر سلاسة. لا يحب تشومسكي “المجموعات المغلقة”، وكان “الجمهور” عملاً معقداً لكي لا تفهمه إلا بعض المجموعات المغلقة وحسب.
أناركية مستمرة
عندما كان صغيراً، كان معجباً بالجمهوريين الإسبان، ولا سيما بالجانب النقابي اللاسلطوي داخل الثورة الإسبانية. ولأنه تشومسكي، وليس شخصاً عادياً، يقول إنه ما زال يحتفظ في مكان من ذاكرته بالمقال الذي كتب فيه عن إعجابه بالحركة، مع أن هذا المقال اختفى. كان مقالاً ركيكاً بالكاد متاحاً للقراءة. هذا الجانب ليس معروفاً لكثيرين، فهو ألسني في النهاية، وكانت صفته الأكاديمية مخرجاً له من “صيت” التعقيد الواقع على كاهل المثقف. لكن سمعة المثقف قد تكتسب من هنا، من التعقيد المبالغ فيه أحياناً، وأحياناً باستخدام مصطلحات أكبر من القضايا. بالنسبة لكثيرين، اعتبر “شكاكاً”، أو من الذين يحرّكهم شك دائم تجاه كل ما يحدث في العالم، نتيجة “مزاوجة” قامت عليها شخصيته، بين شك دائم بالسلطة، والأفكار الديموقراطية في أناركيته. بيد أن الأناركية أكثر تنظيماً من اسمها.
ربما يكون تشومسكي أقل تأثيراً من قبل، لكن يجب الانتباه إلى خبث الدعاية، وصلابة التيار

“يبدأ تحليلاته ببطء، ويعاني في البناء – لرغبته في التبسيط – لكن سرعان ما تتحول أفكاره إلى عرض عميق ودقيق لأدوار السلطة في مختلف وجوهها، من العسكر إلى الميديا، ورأس المال الذي يحكم العالم”
السائد في أميركا. دفع ثمناً لموقفه من التدخلات العسكرية الغربية، وخاصةً الأميركية حول العالم، لشدة وضوحها. حاول الماينستريم تقديم مواقفه دائماً كمسائل تبسيطية. رغم ذلك، تبقى هذه المواقف مدعمة دائماً بدلائل كثيرة، من الاقتصاد، إلى توزيع القوة وإنكارها. من الناحية المنهجية، استغل كثيرون رغبته باستخدام لغة غير معقدة، لاتهامه بالتبسيط. فهو عموماً، يبدأ تحليلاته ببطء، ويعاني في البناء – لرغبته في التبسيط – لكن سرعان ما تتحول أفكاره إلى عرض عميق ودقيق لأدوار السلطة في مختلف وجوهها، من العسكر إلى الميديا، ورأس المال الذي يحكم العالم. بالفعل، استخدم عالم الألسنيات لغة مبسطة، وكان شرطه ألا يكون ذلك على حساب قيمة التحليل نفسه، والدلائل التي يستند إليها، كي لا يتعرض، وكي لا يصير فضفاضاً وحمالاً للأوجه. لكنه لم ينجُ من ذلك، وهنالك تجارب كثيرة، من بينها تحريف وجهة نظره عندما زار لبنان مثلاً، ونسبت إليه مواقف سارع إلى توضيحها.
المعركة مع التيار المهيمن
مع مرور الوقت، صار تشومسكي عرضة لأن يستشهد به من دون تدقيق، في موازاة كونه مرجعاً تاريخياً في الألسنيات والسياسة. في الأخيرة وتشعباتها، تبقى تحليلاته عن الميديا ودورها من أهم اشتغالاته على كثرتها. تقريباً، ما قبل تشومسكي ليس كما بعده، حتى أن النظريات الإعلامية التي اعتبرت حديثة في فرنسا، مثل اشتغالات بيار بورديو، وغيره، رغم ركونها إلى منهجية واضحة، بقيت تفتقد إلى التماسك النظري الذي حظيت به أعمال المفكر الأميركي عن وسائل الإعلام الأميركية. لم يكن ممكناً قبله تفسيرها تفسيراً كاملاً، من تركيبتها، وصولاً إلى وظائفها. إحدى أهم هذه الوظائف والمقولات ما زالت صالحة حتى اليوم، وهي أن العصا الإعلامية الأميركية تأخذ مكان العصا الحقيقية في الأنظمة الشمولية. وهذا يفسّر، على نحوٍ ما، أن عدم تأرجح نظرياته كان سبباً في خسارته لحروبه الصغيرة مع السيستم.
رغم كل شيء، ما زالت بعض الأشياء التي تؤخذ ضده دليلاً إيجابياً على راديكاليته. في كتابه الأول الذي اعترض فيه على حرب فيتنام، دعا إلى عملية تنظيف على مستوى أميركا، أو

“النظريات الإعلامية التي اعتبرت حديثة في فرنسا، مثل اشتغالات بيار بورديو، وغيره، تفتقد إلى التماسك النظري الذي حظيت به أعمال المفكر الأميركي عن وسائل الإعلام الأميركية”
بكلام أدق، أكد على ضرورة أن تفعل أميركا ما فعلته ألمانيا مع النازيين بعد الحرب، بإنهاء كل مظاهر النازية. قامت القيامة في أميركا، رغم أنه لا يرى أن النظام الأميركي قمعي، لكنه ما زال مصراً بأن العلاقة بين رأس الماس والقوة، تلعب دوراً أساسياً لتصفية الأخبار، وتالياً تهميش المعارضة، وإنتاج تيار مهيمن. الميديا بالنسبة له هي عالم “اختيار الحقائق، أو اختراعها”. نادراً ما استطاع تمويه وجهة نظره. وفي كتابه “الطموحات الإمبريالية”، تتضح نظرته، أو نظريته السياسية، بوضوح: محاولة تمييع غزو العراق ليست أكثر إقناعاً من هتلر. ما زال مصراً، ويتسلح برفض المعيارية، واقفاً ضد فكرة أن اللامساواة في الطبيعة البشرية تعيق الديموقراطية.
بعد 91 عاماً، من المفيد العودة دائماً إلى تاريخ تشومسكي، وإلى إصراره على الحديث عن الأمور المعقدة، أحياناً بلغة تبسيطية. من المفيد أيضاً العودة إلى تاريخ العلوم، التي “يمكن أن تكون مفيدة في العلوم الجديدة”. في المقابلة مع “أتلانتيك”، استعاد تشومسكي غاليليو، لكنه أعاد الدفاع عن غاليليو، كما لو أنه يدافع عن نفسه هذه المرة: “إنجاز غاليليو هو انتزاع اعتراف من العالم بأن الأشياء البسيطة قد تكون محيّرة فعلاً، وهي كذلك فعلاً”.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق