الهستيريا من منظور التّحليل النّفسي (ج1)

ما هو مرض الهستيريا:

يعتبر مرض الهستريا من أقدم الأمراض الّتي تناولتها الأوراق القديمة بالدّراسة، وكلمة “هستيريا” يونانيّة تعني الرّحم، إذ كان يُظنّ أنّها لا تصيب إلّا النّساء فقط، ومن الطّريف أنّ فرويد عندما عرض أفكاره حول الهستريا على أحد أصدقاءه من الجرّاحين باعتبارها حالة عصابيّة تصيب الرّجال والنّساء، كان ردّ الجراح عليه:” كيف تستطيع ذكر هذا الهذر يا سيدي؟ إنّ هستريا تعني الرّحم، فكيف للرّجل أن يكون هستيرياً”.[i]

وأوّل وثيقة تحدّثت عن الهستيريا هي (أوراق كاهوم) المصريّة، إذ تحدّثت عن مرض تحدثه تحركات الرّحم، الّذي نُظر له باعتباره كيان حيّ داخل جسم المرأة له إرادته الخاصّة الّتي تسمح له بالتّحرك داخل الجسم، وبالتّالي فإنّ تحرك الرّحم هو الّذي يسبب الاختلاجات الهستيريّة. لم يلبث هذا التّصور أن انتشر عند اليونان، إذ يقول أفلاطون، أنّه لدى الإناث، يوجد ما يعرف باسم الرّحم وهو بمثابة كائن حيّ تستحوذ عليه رغبة الإنجاب، وإذا بقي عاقراً لفترة طويلة، غضب غضباً شديداً، فيتحرّك داخل الجسم في كلّ الاتّجاهات، ويسدّ مسالك الهواء، فيمنع الشّهيق، ويسبب للجسم القلق الشّديد مولداً أمراضاً متنوعة. لذلك كان أطباء اليونان القدامى، مقتنعين بأنّ ظاهرة التّحرك هذه، تحدّث لدى النّساء اللّواتي لم يُقمن علاقات جنسيّة (وهو ما تحّدث عنه فرويد باعتباره يمثّل الكبت الجنسي الّذي يلعب الدّور الأساسي في حدوث الهستيريا). وقد تابع أبقراط، مؤسّس الطّب، نفس هذا التّصور للهستريا، فكان يردّ المرض إلى الرّحم، ولم يدخله في فئة الأمراض العقليّة.[ii]

ومع المسيحيّة، اختفت الفكرة الّتي تربط اضطرابات السّلوك بالحالات الجنسيّة للرّحم، ليُنظر للهستيريا لحالة تتعلّق بالاستحواذ الشّيطاني، أكثر من تعلّقها بالكبت الجنسيّ والحرمان، إذ بدا معقولاً للمفكّرين في العصور الوسطى، أن تفسّر الاضطرابات السّلوكيّة، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الاستحواذ الشّيطاني، فكان التّعامل مع تلك الاضطرابات يدخل في مجال رجال الدّين والكنيسة أكثر من ارتباطه بالطّب،[iii] وللاعتقاد بارتباط هذا المرض بالنّساء، كان يُحكم على غالبيّة الهستيريات بالقتل والحرق لاعتقادهم أنهنّ ساحرات.

ومع عصر النّهضة، تغيّرت النّظرة للمرض النّفسي بشكل عامّ والهستيريا بشكل خاصّ، فعاد الاهتمام بدور العامل الجنسي في التّظاهرات الهستيريّة، حيث وضع الطّبيب الانكليزي ” روبرت برتون ” سنة 1621 كتاب ربط فيه بين الهستيريا والسّوداويّة، فأطلق على المرض اسم (سوداويّة العذارى) حيث بقي تصوّر المرض العامّ كظاهرة شاذّة ترتبط بالنّساء تحديداً. ويعتبر شاركو، أوّل من قدم تصوّراً منهجياً عن الهستريا وأعراضها، وأوّل من أعلن أنّ الأعراض الهستيريّة لا تصيب النّساء فقط، وأن ليس لها علاقة بالرّحم واضطراباته، ليصنف المرض باعتباره عُصاباً مستقلاً، يظهر في نوبات دوريّة، وعلامات دائمة كبرى تشبه نوبات الصّرع، وصغرى كتضييق مجال البصر، واضطرابات الحساسيّة الجلديّة مع الخدر النّصفي، وأعراض جسديّة أخرى. وتابعه في ذلك عالم النّفس الفرنسي “بيير جانيه” الّذي أكّد في كتابه (الحالة الذهنيّة للهستيريين) الّذي كتبه سنة 1893، ليقدّم صورة عن الهستيريا باعتبارها مرض نفسي مستقل، ناشئ أساساً عن أفكار مضطربة هي “الفكرة المتسلّطة” واعتبرها نظام كامل من الصّور والميول، الّتي تتغيّر وتنمو باستمرار، ليكون بذلك أوّل من أدرك الدّور الهامّ الّذي تلعبه التّمثلات اللاّواعيّة في تكوين الهستيريا، مع عدم إغفاله دور العامل الجنسي.[iv]

وفي الوقت الّذي أرجع فيه جانيه التّفكك النّفسي للهستيريين، بعجز نفساني، وعدم قدرة على تركيب ناتج عن ضعف جبلّي، قدم فرويد تفسيراً جديداً لهذا التّفكك وأرجعه لعوامل ديناميّة، ذلك أنّ الصّراع النّفسي يؤدّي إلى الكبت، والكبت يُعَبر عنه بأعراض هستيريّة. كما أنّه ميز بين الهستيريا التحويليّة، وهستيريا القلق: ففي الأولى: يتحوّل الصّراع النّفسي إلى أعراض جسديّة أو حركيّة أو حسيّة. أمّا في الثّانية: فنكون إزاء حالات من الرّهاب المرضي، من خلال تثبيت القلق على الموضوع الخارجي.

وإذا نظرنا إلى الأعصبة النّفسيّة بأنّها الصّورة السّالبة للانحرافات، يمكننا فهم آليّة تشكّل العصاب الهستيري، فالمياه، متّى ما اعترضها عائق في مجرى النّهر، ترتد نحو مجار قديمة كان مقيضاً لها أن تجف، وإنّ الطّاقات الغريزيّة المقيض لها أن تنتج أعراضاً هستيريّة، تنبع، لا من الجنسيّة السّويّة المكبوتة وحسب، بل كذلك من النّوازع المنحرفة للاشعوريّة المكبوتة بشدّة.[v] وهنا يؤكّد فرويد على أنّ أحد أشدّ أعراض الهستيريا وضوحاً يكمن سببه في الكبت، فكلّ شخص لا تستثير لديه سانحة الاستثارة الجنسيّة (لا سيّما التّجارب الأولى) سوى الاشمئزاز، سواء ظهرت أم لم تظهر عليه أعراض بدنيّة، سيكون شخصيّة هستيريّة الطّبع بشكل أو بآخر.[vi] لذلك ينبغي، قبل التّصدي لمعالجة حالة هستيريا، أن يتوفّر لدى المرء الاقتناع بضرورة التّطرق إلى مواضيع جنسيّة، أو على الأقلّ أو يتوفّر لديه الاستعداد للاقتناع بذلك بفعل التّجربة. إنّ الحاجات الجنسيّة ليست أشدّ قدرة لدى المصابين بالهستريا، ولكن هذه الحاجات جعلتهم مرضى، وفي القسم الأكبر بالضبط، لأنّ هؤلاء المرضى قاوموا الحاجات، وهم يرفضون الجنس، وإن أوحوا بأنّهم جنسيين.[vii]

آليات تطوّر المراحل النّفسيّة وعلاقتها بأعراض الهستيريا:

من المسلم به في التّحليل النّفسي، أن تطوّر اللّيبيدو يمر خلال العمر بثلاث مراحل هي: المرحلة الفمويّة، ثمّ المرحلة الشّرجيّة، ثمّ المرحلة التناسليّة. والمواقف المحبطة، قد تؤدّي إلى تثبيت اللّيبيدو، على إحدى تلك المراحل.

ويعتقد فرويد أنّه نتيجة لحدث هلعي، يُمنع إشباع اللّيبيدو من العالم الخارجي، لذلك ينكص اللّيبيدو إلى مرحلة من المراحل الّتي كان قد تجاوزها في تطوره. وفي الهستيريا، يتجه اللّيبيدو للنكوص نحو المواضيع الجنسيّة الأولى، وهي المواضيع الآثمة للعقدة الأوديبيّة الّتي تعرضت للكبت الشّديد، ومن خلال هذا النّكوص تظهر الأعراض الهستيريّة. فالهستيريون أشخاص، إمّا أنّهم لم يتخطوا قط، الموضوع الباكر لاختياراتهم، أو أنّهم كانوا من التّثبيت عليه إلى حدّ أنّهم، إثر خيبة أمل في الحيّاة اللاّحقة، قد عادوا إليه من جديد. وحيث أنّ كلّ جنسيّة عندهم تغدو ممثلة للحبّ المحارمي الطّفلي، فإنّ النّزوع إلى كبت العقدة الأوديبيّة يكبت معه كلّ جنسيّة، لذلك تكثر الهستيريا في النّساء، كون النّمو الجنسي عند المرأة أكثر تعقيداً.[viii]

وإذا بدا أن القاعدة العامّة القائلة بأنّ الهستيريين يكبتون جنسيتهم، تجد ما يناقضها، في أن الهستيريون يبدون في أغلب الأحيان، أشخاص تشغلهم الجنسيّة بصورة دائمة، وأنّهم يميلون إلى صبغ أيّة علاقة إنسانيّة بالصّبغة الجنسيّة، فإنّ هذا التّناقض في الواقع، ليس إلاّ ظاهرياً، إنّه على وجه الدّقة، بسبب أنّ هؤلاء الأشخاص يغلفون جنسيتهم، فجنسيتهم الحبيسة تفيض داخلهم، ومن ثمّ تطفح في مواضيع غير ملائمة، وأوقات غير مناسبة. فالهستيريا هي جنسيّة مسرفة زائفة ترجع إلى انعدام الإشباع.[ix]

إنّ الاستعداد للتّأثير الانفعالي الخاصّ بالمصابين بالهستريا، هو في قسمه الأكبر، أصلي بكلّ بساطة، وأيّة حادثة طارئة، قادرة على إيقاظ الذّكريات المكبوتة، تحرّر كلّ القدرة الشّعوريّة الانفعاليّة لهذه التّصورات الذّهنيّة بصورة دائمة، والانفعال النّاتج عن ذلك بهذه الطّريقة، يكون غير متجانس بالنّسبة إلى الحالة الّتي تظهر لوحدها داخل مجموعة الخاصيات النّفسيّة الواعيّة.[x] لقد استطاع فرويد أن يكتشف أنّ كلّ دلالة عرضيّة للعوارض الهستيريّة، كانت تختفي فوراً وبلا رجعة، عندما كنّا نتوصّل إلى الضّوء السّاطع على ذكرى الحدث المولّد. وإيقاظ الانفعال العاطفي المرتبط بهذا الأخير، فيما بعد، يصف المريض ما حصل له بطريقة مفصلة جدّاً، مضيفاً إلى انفعاله تعبيراً صوتياً عالياً، ذكرى معراة من الحمل الانفعالي، هي تقريباً وبصورة دائمة، غير مجديّة.[xi]  ذلك أنّ دفاعات الهستيري تتجه غالباً إلى الخارج (الإسقاط) ضدّ مدركات تؤدّي إلى تفجير رغبات خطيرة غير مقبولة، وبالتّالي فإنّ الأنا بدافع عن هذه المدركات عن طريق سحب الانتباه من المواقف الّتي تستثير الرّغبات المحظورة. إنّ ميكانيزم الهستيري، يسمح بالمادة المثيرة للرّغبات المرفوضة أن تستبعد تماماً من حيّز الشّعور، وهكذا نرى الهستيري يتجنّب مواقف قد تستثيره، بحيث يتجنّب المشاعر المؤلمة، على عكس مصاب الحصر والعصاب القهري، الّذي يبدو قادراً على التّعامل مع مثل تلك الرّغبات، إلّا أنّه يبدأ في معاقبة الذّات بلا رحمة.[xii]

سمات الشّخصيّة الهستيريّة

من النّاحية السّريريّة: تكون الهستيريا عصابا يحمل مجموعة أعراض تتميّز بالتعبيريّة الجسديّة المفرطة تعبّر عن الأفكار والصّور والعواطف اللاّشعوريّة. وأعراضها هي التّظاهرات النّفسيّة الحركيّة والحسيّة لهذا التّحول الجسدي، ومن أهمّ العوامل المؤهبة للإصابة بهذه الأعراض: وجود ملامح الشّخصيّة التّابعة، أو سابقة مرضيّة جسميّة من شأنها أن تخدم كنموذج بالنّسبة للأعراض التّحويليّة، أو صدمات نفسيّة كبرى، كوفاة أو حرب …. [xiii]

وبالإطار العام يمكن تعريف الشّخصيّة الهستيريّة بناء على سمات الأنا الّتي تتضمّن:

  1. ميلاً نحو الكبت للمحتوى الفكري.
  2. نمطاً إدراكياً يتميّز بتجنب التّعرف على التّفاصيل المحدّدة الخاصّة بمواقف تستثير الجنس، أو الوجدانات المرتبطة بالجنس.
  3. خبرة الواقع على نحو ضبابي، واضطراباً في إدراك الذّات والموضوع.
  4. ضعف التّفكير المنطقي الاستقرائي الموجّه، وسيادة التّفكير الانطباعي، مع وجدانات عنيفة.
  5. ومن أهمّ العوامل الّتي تساعد على تكوين الهستيريا:
  6. المؤثّرات الأسريّة: فالأسرة الّتي تشجّع النّمط الهستيري في أبنائها، إنّما تشّجع سمات الاعتماديّة الزّائدة على الأبوين، كما تضع قيوداً على الاستمناء، وعلى الأنشطة الجنسيّة الأخرى، وتؤكّد على الأدب والتّزين بشكل مبالغ فيه، كنموذج الأمّ المبالغة والمضحيّة، الّتي تبالغ في تزيين ابنتها وتجميلها، رغم عدم اهتمامها بمظهرها الخاصّ، إنّها بذلك تعيش إحباطها هي، من خلال طفلتها.
  7. فقدان أحد الأبوين أو موته: إذ عادة ما تتناول الشّخصيّة الهستيريّة هذا الفقدان بالبحث المستمر اللاّشعوري عن هذا الموضوع.
  8. المؤثّرات الخاصّة بالاستعداد الوراثي على نمط أو طبيعة الأنا: إذ يقترح عدد من المحلّلين، أن عامل الاستعداد الوراثي قد يكون له أثر على طبيعة الأنا ونموه، ومن ثمّ فإنّ الفروق بين الجنسين، يمكن إرجاعها للعوامل الخاصّة بالاستعداد الوراثي، ويعتقد البعض أنّ طبيعة الأنا لدى الهستيري تميل إلى الأنوثة.[xiv]

وتحدث الهستيريا لدى أفراد ذوي شخصيّة خاصّة، تتحدّد سماتها الأساسيّة منذ الطّفولة، أنّهم بوصفهم قابلين للإيحاء والتّأثر، متمركزين على ذواتهم، لا يتحمّلون إحباطاً، ويسعون جاهدين إلى أن يجذبوا الانتباه إليهم، وأن يروقوا للآخرين ويفتنوهم، مع عدم استقرار انفعالي وقصوراً في الحالات الوجدانيّة، وتبعيّة وجدانيّة مُفرطة، إذ يقضون جزءاً كبيراً من وقتهم في أحلام اليقظة إذ تشبع رغباتهم على نحو رمزي، وخلف جنسيتهم الظّاهرة تختفي البرودة الجنسيّة أو العنة غالباً.[xv]ومن صفات الشّخصيّة الهستيريّة، القابليّة الشّديدة للإيحاء، أو طباع قابلة للتّأثر، وعدم تماسك الأنا الواعي، مع هوس التّهويل، وهزليات وأكاذيب وتخريفات، تعابير مسرحيّة مع انفعالات مفرطة، تبعيّة عاطفيّة، واستجداء دائم لتجديد الاطمئنان، ميل إلى التّهديدات، ومحاولات انتحاريّة غير جادّة غالباً، وإضفاء الطّابع الجنسي على العلاقات الاجتماعيّة، مع تصرّف إغرائي يترافق باضطرابات كبرى في الوظائف الجنسيّة (خوف جنسي – برودة جنسيّة – عسر جماع – تشنج مهبل – عنّه – دفق مبتسر …) وهناك اضطرابات أخرى كالوهن، وضعف الانتباه، والقلق، والميول الاكتئابيّة، اضطرابات النّوم.[xvi]

وعندما يصاب المراهقون بالهستريا نراهم بصورة عامّة – قبل ظهور أعراض المرض الفعليّة – مليئون نشاطاً، موهوبون ومهتمّون جدّاً بالأشياء الفكريّة، وتكون إرادتهم بارزة بشكل واضح للغاية، وخلال نموهم، وعند بلوغهم سنّ الرّشد، تُضاف إلى الفائض الأصلي، دفعة قويّة من التّهيج، تسببها الحالة الجنسيّة النّاشئة، والغدد الجنسيّة النّاشطة، فالظّاهرات الحسيّة الممرضة، تتصرّف بكميّة مبالغة في التّهيج العصبيّ.[xvii]

أعراض الهستيريا وأشكالها:

رغم أنّها من أقلّ الأمراض النّفسيّة خطورة، تعتبر الهستيريا من أكثر الأمراض العصابيّة انتشاراً، وهي مرض نفسي متشعّب الأعراض والمظاهر، ومتعدّد الأنواع. ويمكن النّظر إلى العرض الهستيري بمثابة إشباع جنسي بديل، وإن شكّل مصدر ألم بالنّسبة للمريض، فبإثارته للإزعاج، لا يقوم العرض إلّا بالاستجابة لمقتضيات ميول الأنا الأعلى، وبذلك فإنّ التّقيؤ الهستيري، وهو عرض شائع، يشبع الرّغبة اللّيبيديّة بإنجاب طفل، إذ أنّه يعيد إنتاج مؤشّر من مؤشّرات الحمل، كما أنّه يستجيب بالوقت نفسه لمقتضيات الميول الكابتة، وذلك بتشكيله مصدر ألم بالنّسبة إلى المريض. بذلك يكون كبت الميول الجنسيّة الطّفليّة الّتي نشطها النّكوص، بمثابة الفعل المكون لكلّ عصاب عامّة، وللهستريا خاصّة.[xviii]

ينظر فرويد للأعراض الهستيريّة على أنّها تعبّر عن تخيلات لاشعوريّة جنسيّة، تبزغ من الطّفولة المبكّرة، هذه التّخيلات تكبت حينما يتخلى الطّفل عن استمنائه، إلاّ أنّه يكون مهدّدا ببزوغها مرّة أخرى، إذا ما وضع عائق أمام اللّيبيدو في مرحلة البلوغ، وبذلك فإنّ التّكوين الهستيري له هدف هو تحقيق الجنسيّة الطّفليّة، وفكّ قيود الطّاقة الجنسيّة. حيث يصبح العرض ليس مجردّ ترجمة لدفعة أو طاقة، وإنّما تعبيراً بواسطة التّحويل، عن تخيّل لا شعوري.[xix]

تظهر الأعراض الهستيريّة نحو الخامسة والعشرين من العمر على وجه العموم، ولكن في نسبة كبيرة من الأفراد (40%) تظهر اضطراباتهم الأولى قبل سنّ العشرين. وتتجلّى من النّاحية العياديّة بمظاهر حادّة ونوبات واضطرابات دائمة. وصف شاركوه أعراضها الكبرى منذ سنة 1883، ملاحظاً أنّ الأعراض الكبرى تسبقها ببضعة أيّام أمارات من آلام مبيضيّة وخفان للقلب، واضطرابات بصريّة، وتغيّرات في المزاج، ثمّ تنتقل إلى مرحلة شبيهة بالصّرع، يفقد خلالها الفرد وعيه ويسقط دون أن يسبّب لنفسه الأذى، جسده في حالة من التّوتر (تقلّص عضلي مستمرّ) تحرّكه اهتزازات اختلاجيّة تشنجيّة، يليه طور الارتخاء مترافق مع تنفس صاخب أشبه بالشّخير، ويلي هذا المشهد مرحلة من الالتواءات، أو نزعة التّهريج، تتميّز بالصّراخ وحركات مضطربة، مع إيماءات ذات طبيعة جنسيّة أو عنيفة. هذا الوصف السّريري أصبح نادراً اليوم، إذ نواجه على الأغلب أزمات تشنجيّة ذات مدّة قصيرة.

ويمكن في بعض الحالات أن تتخذ المظاهر الهستيريّة  قناع الإغماء، واضطرابات فوق هرميّة (نوبة صلابة مع ارتجافات، تثاؤب، عُطاس، ضحك أو بكاء لا يمكن إيقافه، سلس بول، تجوال نومي. وقد تظهر بعض حالات ازدواج الشّخصيّة، ومحاولات الانتحار ليست نادرة، لكنها ليست جادة في 98% من الحالات. وقد يترافق ذلك مع الظّهور السّهل للهذيان والأوهام، مع نشاط فكري لا غبار عليه، وتعديلات الشّخصيّة والذاكرة، مع عدم حساسيّة لدى الأطراف المؤلمة، كإطفاء السّجائر على اليد دون إظهار أي علامة على الألم. ومع ذلك، فإن غالبيّة الأعراض الهستيريّة، تكون وظيفيّة دون آفة تشريحيّة، ومتغيّرة وحسّاسة للإيحاء وعكوسة، مع ملاحظة أنّ الاضطرابات الدّائمة، يمكن أن تترك عقابيل دائمة جسديّة حقيقيّة.[xx]

والتّجربة التّحليليّة تظهر أنّ النّزاع بين الأفكار غير المتجانسة، يؤثّر تأثيراً ممرضاً، ويتعلّق الأمر هنا بصورة عامّة بمعتقدات ووقائع تنتسب إلى الحالة الجنسيّة لدى المراهقين الحسّاسين، أو بالوعي الوجداني لدى المرأة الفاضلة، في حال نزوعها نحو شخص غريب. وفي أغلب الأحيان يكون الظّهور الأوّل للأحاسيس والأفكار ذات مرتبة جنسيّة، إنّما يكفي لخلق حالة اضطراب ناتجة عن نزاع مّا، مع مفهوم متأصّل بقوّة، خاصّ بالطّهارة الأخلاقيّة، وينتج بصورة عامّة عن هذا النّزاع، عواقب نفسيّة، كمزاج مرضي سيّء، حالات قلق، والظّروف تسمح في بعض الأحيّان لظهور ظاهرة حسيّة بدنيّة، الّتي بفضلها يتمّ تفريغ التّهييج، وهنا نصل إلى الأعراض الهستيريّة الجسديّة، فيحدث مثلاً قيء عندما يسبب الشّعور بالوصمة الأخلاقيّة، إحساساً جسمياً خاصاً بالقرف، أو سعال عصبي عندما يسبّب القلق تشنجاً مؤلماً لفتحة الحنجرة، وهكذا … [xxi] ويذكر فرويد حالة إحدى مريضاته الّتي كانت في أعراضها تعاني من سعال عنيف يترافق دائماً مع سماع موسيقى صاخبة، وبعد التّحليل، تبيّن أنّ هذا السّعال الهستيري يرتبط، بذكرى تعود إلى يوم كانت تسهر على رعاية والدها المريض، وقد سمعت في يوم مّا موسيقى صاخبة مجاورة لمنزلها، فتمنّت لو أنّها تشارك في هذا الحفل، وتحت تأثير تبكيت الضّمير”إذ توفي والدها بعد ذلك بوقت قصير” كبتت هذه الرّغبة بقوّة، وأصبح السّعال عرضا من أعراض هذا الكبت لمنعها من الإصغاء إلى تلك الموسيقى الصّاخبة. يقول فرويد:”لم تستطع المريضة معرفة لماذا كانت الموسيقى الرّاقصة تجعلها تسعل، إنّ الأمر يبدو حقّاً مجرّدا من المعنى، وهذا ما يجعلنا لا نعتقد بأنّها قد اخترعت هذه الفكرة، واتّضح لي بأنّ كلّ وسوسة تصيب الوجدان، إنّما تولّد لدى هذه الفتاة تشنجاً عضلياً لا إرادي لفتحة الحنجرة، لذلك فإنّ القوّة الفاعلة المحركة، وليدة رغبة في الرّقص، حُوّلت لديها هذا التّشنج العضلي اللاّإرادي إلى سعال عصبي”.[xxii] وهذا يجعل من الهستيريا عصابا يُعزى إلى كبت الذّكريات الطّفوليّة (لا سيّما الجنسيّة) المُضنيّة، فالمريض يحوّل حصره الخصائي المتعلّق بشعوره بالإثم الجنسيّ، إلى عرض جسمي، وهذا يولّد بدوره آليتين: في الأولى: يحصل المريض على مكسب أولي بإبقائه خارج وعيه حاجة أو صراعاً نفسياً، كأن يصبح المريض أعمى، لكونه قد لاحظ (واقعياً أو خيالياً) مشهداً موضحاً، فالعرض يكتسب قيمة رمزيّة (لا أستطيع أن أرى هذا) ويهدئ الحصر المتولّد. وفي الثّانية: ينتزع المريض كسباً ثانوياً بحصوله على دعم من قبل المحيّطين به، أو بتجنبه نشاطاً مقلقاً، فالشّلل يمكن أن يجنّبه مثلاً استئناف العمل. ووفق فرويد، فإنّ التّجربة تفيدنا بأنّ الأعراض المرضيّة الأكثر اختلاقاً، الّتي تعتبر دلائل وجوديّة عفويّة وذاتيّة (غير ناتجة عن علّة أخرى) لمرض الهستيريا، لها علاقة مع الصّدمة النّفسيّة المحرّكة، أشدّ التصاقاً من الظّاهرات الحسيّة، الواضحة جدّاً من هذه النّاحية، وتوصلنا إلى إيجاد الدّوافع الهادفة لكلّ أنواع الرّوابط العاطفيّة، الأوجاع العصبيّة، اللاّإحساس العصبي على اختلاف أنواعه، تشنجات عضليّة دائمة لاإراديّة، والشّلل، وجع قليل مع تشنج عضلي للوجه خاصّة، اعتماد متواصل، فقدان للشهيّة إلى درجة رفض أي نوع غذائي، رؤى وهميّة بصريّة متكرّرة. وتكون الصّلة غالباً بديهيّة لدرجة أنّنا ندرك السّبب الّذي من أجله خلق حدث ما هذه الظّاهرة الحسيّة وليس تلك. لنأخذ على سبيل المثال الشّعور المؤلم الطّارئ أثناء وجبة الطّعام، وقد تعرّض هذا الشّعور للكبت، أو القمع الشّعوري، وهو الأمر الّذي قد يسبّب فيما بعد غثياناً وإغماء، هذه الحالة هي طبيعة هستيريّة، بإمكانها أن تدوم أشهراً طويلة، فرجل ذكي حضر عمليّة جراحيّة لأخيه، وبواسطة التّخدير، تمدّد التّوصيل المفصلي للخصر، في اللّحظة المناسبة، تجاوب التّوصيل المفصلي وهو يبعث طقطقة، فشعر في خصره بالذّات بألم حادّ، ودام هذا الألم مدّة سنة بكاملها.[xxiii]

ولا ترجع الأعراض العصابيّة إلى حوادث فعليّة مباشرة بالضّرورة، بل قد تعود إلى أخيلة تنطوي على رغبات مكبوتة، فالوقائع النّفسيّة بالنّسبة للعصاب، هي أكثر أهميّة من الوقائع الموضوعيّة، وبالنّسبة للهستريا، يجب البحث غالباً على الأخيلة المتعلّقة بالرّغبات الجنسيّة على وجه الخصوص، وما يتّصل بها من روايات واقعيّة أم متخيّلة يرويها المريض. لذلك عندما نعالج المصابين بالهستيريا، نعلم من كلامهم، أنّهم أثناء كلّ نوبة من نوباتهم تنتابهم رؤيا وهميّة للحدث الّذي سبب النّوبة الأولى.

وليست كلّ النّوبات الهستيريّة تحدث في صورة أفعال إيجابيّة نوعيّة، أو حركات جسديّة تقدّم للمحلّل تلميحات مباشرة عن الموقف الماضي، أو حلم اليقظة الّذي تشكلّ النّوبة جزءا منه، فأحيّاناً ما تكون مظاهر النّوبة أقلّ نوعيّة بكثير، فتحدث في صورة انفعالات، أو حالات مزاجيّة مسرفة، دون مبرر ظاهر على الإطلاق. نوبات صراخ أو بكاء أو ضحك، والنّوبات من هذا النّوع، تمثّل أيضاً ذروات انفعاليّة لأخاييل لاشعوريّة معقّدة. فالصّراخ والبكاء والضّحك، شبيهة بالانفعالات المستشعرة عند التيقظ من حلم، وإن كان الحلم نفسه قد نُسي، ولا يسمح الانفعال الظّاهر، إلّا باستخلاص قليل من النّتائج العامّة عن الطّبيعة الانفعاليّة للأفكار الكامنة قبل تحليلها، فقد يكون الصّراخ مثلاً، طفلياً استنجادياً، أو تعبير عن الرّضوخ والمتعة لامرأة تعاني هجمة جنسيّة، أو تعبيراً عن الغضب، أو حتّى توكيداً للذّكورة، كما قد يمثل الضّحك، إشباع الانتصار النّاجم عن الإشباع الإخيولي للرّغبات العدوانيّة، لا سيّما الانتقاميّة، أو جزءا محرفاً عن الهياج الجنسي.[xxiv] فإذا ظهرت بعض ملامح الضّعف العقلي عند المصابين بالهستريا، فذلك يعود بشكلّ أساسي إلى تجزئة نشاطهم النّفسي وعدم انسجامه، ولأنّ فكرتهم الواعية لا تمتلك إلاّ جزء من إمكانياتهم الإنتاجيّة الّتي ذهب معظمها في صراع عنيف مع القوى المكبوتة بقوّة.

وهناك حالات متطرّفة من الأعراض الهستيريّة وصفها شاركوه باختلاجاتها الكاذبة الاستعراضيّة، كنوبات عصبيّة وإغماءات، وضحك هستيري بلا توقف، أو بكاء لا يتوقف، إرتعاشات وحركات رقصيّة الشّكل، وهناك هجمات أخرى، كالنّوم الهستيريّ خلال دقائق قد تصل لأيّام، وحالات فقدان الشّخصيّة، أو هذيان حلمي يترافق بحالات تعدّد الشّخصيّة، ومنها الشّرودات، والسّير النّومي، وفقدان أو تقطع واضح في الذّاكرة، يؤدّي إلى قصص مختلقة. ومن الاضطرابات الحشويّة نجد التّشنجات، لا سيّما البوليّة، والمهبليّة، والآلام من كلّ الأنواع، واضطرابات غذائيّة، كالشّره، أو الامتناع عن تناول الطّعام.[xxv]

*******

[i] د. رالف رزق الله: فرويد والرغبة، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1986، ص 12.

[ii] د. رالف رزق الله: فرويد والرغبة، مرجع سابق، ص 13.

[iii] د. رالف رزق الله: فرويد والرغبة، المرجع نفسه، ص 16.

[iv] د. رالف رزق الله: فرويد والرغبة، المرجع نفسه، ص 24.

[v] س.  فرويد: التّحليل النّفسي للهستريا، حالة دورا، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1995، ص 60.

[vi] س. فرويد: التّحليل النّفسي للهستريا، حالة دورا، مرجع سابق، ص 34.

[vii] ج . بروير – س. فرويد: الهستيريا دراسة في علم النفس ج2، ترجمة: فارس ضاهر، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1986، ص142.

[viii] أوتو فينخيل: نظريّة التّحليل النّفسي في العصاب ج2، ترجمة: د صلاح مخيمر – عبده ميخائيل رزق، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة، 2006، ص 162.

[ix] أوتو فينخيل: نظريّة التّحليل النّفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 166.

[x]  ج . بروير – س. فرويد: الهستيريا دراسة في علم النّفس ج2،  ترجمة: فارس ضاهر، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1986، ص 119.

[xi] ج . بروير – س. فرويد: الهستيريا دراسة في علم النّفس ج1،  مرجع سابق، ص 35.

[xii] د نيفين زيور: في التّحليل النّفسي، مكتبة الأنجلو مصريّة، ط1، 2012، ص 52.

[xiii] ميشيل غودفريد: الأمراض الذّهنيّة عند الرّاشد، ترجمة: محمد حسن إبراهيم، وزارة الثقافة، دمشق، 2000، ص 27.

[xiv] نيفين زيور: في التّحليل النّفسي، مرجع سابق، ص 66.

[xv] نوربير سيلامي وآخرون: المعجم الموسوعي في علم النّفس، ترجمة: وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق، 2001، ص 2683 وما بعدها .

[xvi] ميشيل غودفريد: الأمراض الذّهنيّة عند الرّاشد، مرجع سابق، ص 31.

[xvii] ج . بروير – س. فرويد: الهستيريا دراسة في علم النّفس ج2، مرجع سابق، ص 124.

[xviii] د . فرج عبد القادر طه وآخرون: موسوعة علم النّفس والتّحليل النّفسي، القاهرة، ط3، 2005، ص 869.

[xix] د نيفين زيور: في التّحليل النّفسي، مرجع سابق، ص 50.

[xx] ميشيل غودفريد: الأمراض الذّهنيّة عند الرّاشد، مرجع سابق، ص 28.

[xxi] ج . بروير – س. فرويد: الهستيريا دراسة في علم النّفس ج2، مرجع سابق، ص 58.

[xxii] ج . بروير – س. فرويد: الهستيريا دراسة في علم النّفس ج1،  المرجع نفسه، ص 94.

[xxiii] ج . بروير – س. فرويد: الهستيريا دراسة في علم النّفس ج1 – المرجع نفسه، ص 19 وما بعدها.

 [xxiv]أوتو فينخيل: نظريّة التّحليل النّفسي في العصاب ج2، مرجع سابق، ص 147.

[xxv] ميشيل غودفريد: الأمراض الذّهنيّة عند الرّاشد، مرجع سابق، ص 30.

[xxvi] س ز فرويد: التّحليل النّفسي للهستريا، حالة دورا، مرجع سابق، ص 48.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This