ثورة الشباب في العراق: رمزية الحدث وحدود الصراع / لؤي حمزة عباس

في الوقت الذي انشغل فيه العديد من مثقفي العراق بتوصيف ما يحدث، هل هو ثورة، أو حراك، أو احتجاج، أو انتفاضة بسبب الفساد الحكومي المستشري، وفقدان الوظائف، وغياب الخدمات الأساسية، التي شكلت أهم العوامل المحركة للغضب الجماهيري، والطبيعة السلمية المرادفة لكل من تلك التوصيفات، حدودها وأساليب عملها ومدى تأثيرها؛ واصلت جموع بشرية شابة كتابة تاريخها الخاص في الشارع العراقي الذي لم يكن تفجره فجائيًّا، بعيدًا عن مخاوف الآباء الذين أنهكتهم الحروب والملمّات، وأخذتهم الدروب التي سلكوها بعيدًا عن نظام صدام حسين ونزواته المهلكة كلَّ مأخذ، عزيمة الأبناء تأتي على الدوام بما هو خارج الحسابات وفوق التوقعات، وذلك بالضبط ما حدث في ثورة أكتوبر العراقية، فالحاجة المتفاقمة لتوظيف مئات الآلاف من الخريجين الذين يعانون ويلات البطالة، وتردِّي الخدمات الأساسية في البلاد عامة، فضلًا عن الفساد الذي أصبح سمة مُعلَنة من سمات إدارة الدولة، الآفة التي حوَّلت العراق في سنوات قليلة من دولة تنموية ذات خطط فاعلة إلى دولة فاشلة ينظر لها عالميًّا بكثير من الريبة والازدراء، لم تَعُدْ تلك الأسباب وحدها عوامل التحول الدرامي للوضع العراقي، وإن كانت تملك تأثيرًا حاسمًا فيه، إن ملاحظة مقدار الهدر المالي منذ سقوط نظام صدام حسين في التاسع من نيسان 2003م حتى تاريخ الاحتجاج الذي يقاربُ الأربع مئة وخمسين بليونًا، الرقم الذي يبدو أقرب إلى الخيال وغالبًا ما وصف بأنه رقم فلكي، وهو المبلغ الذي يمكن إذا ما أُحسن استغلاله أن يرتقي بأحوال قارة بكاملها، ناهيك عن أحوال بلد بحجم العراق، مع تعطيل شبه كامل لمنظومة القانون، ذلك ما يبدو منطقيًّا وحقيقيًّا تمامًا، فكيف يمكن التلاعب بمثل هذا المبلغ مع وجود قانون فاعل؟

إن غياب القانون جعل الفساد قانونًا سائدًا، له أعراف ونظم وآليات، في دولة يقوم نظام الحكم فيها على المحاصصة بين الطوائف التي شرعنتها سلطة الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر، وأقامت بموجبها آلية حكم أُريد له أن يكون وطنيًّا بآليات ديمقراطية، وهو الذي أنتج بدوره دستورًا أُسس على مبدأ المصالح المشتركة، كل ذلك وكثير غيره عمل على إدامة الغضب في نفس المواطن العراقي وهو يلمس وبشكل يومي غيابًا كاملًا لدولة المؤسسات، وإحلال دولة الأحزاب وميليشياتها بديلًا منها، ذلك الغضب الذي أخذ يتفجر بشكل دوري في بغداد ومحافظات الجنوب، البصرة خاصة، منذ عام 2011م؛ بسبب حالة المدينة القريبة الشبه بعراق مصغر، فهي المصدر الأساس للنفط العراقي وصاحبة الموانئ البحرية والمنافذ البرية على العالم، وهي في الوقت نفسه مدينة الفساد الأولى التي تعيش على بنية تحتية مهدمة وانهيار في مؤسساتها التي أصبحت مملوكة على نحو شبه كامل للأحزاب؛ لذلك صار من المعتاد أن تتفجر الاحتجاجات في البصرة على نحو سنوي، في فصل الصيف خاصة حيث يصل معدل درجات الحرارة إلى الخمسين، وهو الوقت الذي تكون حاجة المواطن للخدمة الكهربائية على أشدها مقابل تهاوي قدرة الدولة على توفير اليسير منها، الصيف في البصرة موعد تقديم القرابين البشرية أمام إصرار الحكومة على إبقاء الحال على ما هو عليه، فالفساد لم يعد مظهرًا عارضًا يمكن معالجته بتقديم مسؤول رسمي أو أكثر إلى القضاء، وإنما هو كتلة جهنمية صلبة، حاكمة متحكمة، أنتجت خلال أكثر من عقد ونصف شبكات كبرى من اللصوص والمنتفعين التي أنتجت بدورها دولتها الخاصة، وليس لمؤسسة السلطة الحاكمة في العراق سوى مهمة وحيدة تتمثل في إدارة منظومة الفساد، وتوزيع الوظائف والأدوار بين الفاسدين، فكلُّ شيء يدور فيما يشبه العلن وفي وضح النهار، على مرأى ومسمع من الشعب الذي بقي خارج الخطط والحسابات، لكن للجيل الفتي حساباته وأهدافه الواضحة، وهو جيل ولد معظم أبنائه بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003م، وعاش سنواته في ظل تردي مؤسسات الدولة وانحسار أدوارها، وشهد على نحو يومي مظاهر الطبقية الجديدة التي لا تخفي ثراءها الفاحش السريع فاصلًا بين طبقتين؛ طبقة المالكين المتخمين وطبقة المعدمين!

كل تلك العوامل راكمت أسباب الغضب في نفوس الشباب العراقيين، فكانت بمثابة ذاكرة احتجاجية تغذي الرفض في نفوس الشباب، فكلُّ يوم يمرّ يحمل مدخولًا إضافيًّا فاحشًا لثروات الفاسدين ويحمل، بالمقابل، ما يقوي الغضب ويديم أسبابه في النفوس.

إن ثورة أكتوبر الشبابية أعلنت قوانين جديدة لإدارة الدولة في العراق تتوافق مع طبيعة الحراك وديمومته، أهمها التأكيد على قوة اللاعب الوطني الذي لم يجد ما يستند إليه في التعبير عن غضبه واحتجاجه غير معنى الوطن والوطنية، فكان شعار الثورة المركزي «نريد وطنًا» يختزل ضروب المواجهة بين قوى الفساد التي لم تُحسن تقدير التغيير الحاصل في الوعي الشاب بعيدًا عن محاذير الآباء وتوجيهات الأحزاب ذات الصبغة الإسلاموية التي انخرطت تحت خيمة الفساد وأسلمت قيادها لرموزه وأركانه. لم يعد الأمر، بعد ذلك كله، سوى مواجهة رمزية بين وطنين، وطن كهل أنهكته سياسات التبعية وآليات الفساد، ووطن فتي وجد تحققه الفعلي في ساحات التحرير على امتداد خارطة العراق؛ إذ شكّل الصعود لأعلى عمارة المطعم التركي بالنسبة للشباب العراقي الثائر، ارتقاءً على اللحظة الراهنة في سبيل تغييرها، فعل الصعود أصبح قرينًا للحرية، مطلبهم الأساس الذي لا ينفصل عن هدفهم بتحقيق حياة كريمة آمنة تليق بهم، وذلك ما يمكن أن تقوله مواجهة العمارة/ الجبل لنصب الحرية، المنجز الفني الأهم في العراق على امتداد ستين عامًا، في حين يعمل رموز السلطة على قتل الزمن العراقي وتحنيطه بسوءاته جميعًا، إن استعادة الوطن بالنسبة لجموع الشباب قد تحققت بالفعل، منذ اللحظة التي بدأ فيها شباب الحراك يفكرون بتأمين فاعلية حراكهم وإدامة تأثيره وقد أدركوا، مع إصرار حكومة الفساد على البقاء لأطول وقت ممكن، أنهم مقبلون، على سياسة المطاولة وكسب الوقت؛ إذ تراهن الحكومة على تهاوي قوة الاحتجاج وانحسار طاقته، لكن إرادة قادة الميليشيات، المُحْتَمِين بعباءة السلطة، لها خيارات أخرى، وهي الخيارات التي يمكن إدراك طبيعتها مع تصاعد أرقام الجرحى والشهداء في صفوف الشباب، من هنا كانت المواجهة الرمزية سبيلًا فاعلًا لقوى الشباب في توجيه خيارهم نحو حياة أفضل مركزها ساحة التحرير بحضورها الرمزي في الحياة العراقية عامة، وفي عمارة المطعم التركي التي طالما استغلت السلطة موقعها المركزي لتصفية التظاهرات السابقة، لكن المبادرة الشابة هذه المرّة أسقطت خيار السلطة لتتحكم القوى الثائرة بالمكان وتحيله من مبنى مهجور معتم إلى عراق مصغر يتوفر على سبل الحياة كافة، وفي القلب كان للمرأة على اختلاف تخصصاتها موقعها الفاعل، إنه الموقع الذي اختارته لها إرادة التغيير مقابل موقع التابع الذليل الذي أرادته لها السلطة وثقافتها، ثورة الشباب في العراق استعادت كثيرًا من المفاهيم من تحكم السلطة وأعادت إحياءها، هذه السلطة التي تبدو اليوم عارية، منزوعة القدرة، بلا بوصلة تهديها لسبيل الخروج من كارثة طالما وصفتها بالأزمة العابرة.

عن مجلة الفيصل

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق