الرّغبة عند سبينوزا: محاولة في الفهم

شكّلت قضيّة الرّغبة في الفكر الفلسفيّ موضوعا هامّا، حاول الفلاسفة منذ بداية فجر التّفكير الفلسفيّ مقاربته والإحاطة بإشكالاته، إلّا أنّ طريقة معالجة هذا الإشكال كانت موضوع اختلاف كبير بين المدارس الفلسفيّة، سواء في الفترة اليونانيّة أو الحديثة أو المعاصرة، خصوصا ذلك الاختلاف الحاصل بين منظور أفلاطون والمدارس المتأخّرة: (الرّواقيّة/الأبيقوريّة) الّتي اهتمّت بالأساس بالأخلاق العمليّة- الحياتيّة، وبين تلك الثّورة الفلسفيّة الّتي مثّلها سبينوزا في الفترة الحديثة، أوّلا، من حيث إعادة النّظر إلى الإنسان وموقعه في الطّبيعة، وثانيا: محاولته الجادّة للخروج بالرّغبة من شبح اللّعنة الأفلاطونيّة، الّتي تعدّ امتدادا- لتلك التّصوّرات التّقليديّة- اللاّهوتيّة ونظرتها التّحقيريّة لدور الرّغبة ومكانتها بالنّسبة للإنسان.

إنّ ما يهمّنا في علاقتنا بموضوع الرّغبة، هو الحديث عن مفهوم الرّغبة عند سبينوزا وكيفيّة تجاوزه للأطروحات الفلسفيّة القديمة وللثيولوجيا اللاّهوتيّة(اليهوديّة/ المسيحيّة) لكي نتعرّف عن قرب على الطّرح السّبينوزي الجديد و مكامن قوّته وجدّته(…)

بعد انتهاء سبينوزا من الحديث عن الله وصفاته في كتابه المعنون “بالإتيقا انتقل للحديث عن النّفس البشريّة في الباب الثّاني والثّالث من كتابه، تحت عنوان: طبيعة النّفس وأصلها/ والباب الثّاني: في أصل الانفعالات وطبيعتها، ويمكن أن نقف في مقدّمة البابين على رغبة سبينوزا القويّة في دراسة الطّبيعة الانسانيّة دراسة علميّة- هندسيّة، والبحث فيها، كما تبحث “الخطوط والمسطّحات والأجسام” ّأي على طريقة علماء الهندسة، بعيدا كلّ البعد عن تلك الرّؤى و التّصورات اللاّهوتيّة التّقليديّة الّتي كانت تنظر إلى الفعل الأخلاقي باعتباره موجّها أساسا لخدمة “غايات” معيّنة، محدّدة مسبقا، وتجسّد ضمن هذا الإطار الغاية النّهائيّة لسلوك الطّبيعة، ينتقد سبينوزا هذه الموقف الغائي(يرتبط الفكر الغائي بالفلسفة الأخلاقيّة الأرسطيّة) مؤكّدا على أنّ الطّبيعة خالية من القيم البشريّة، يقول في رسالة إلى اولدنبرغ: إنّي لا أعزو إلى الطّبيعة جمالا ولا نظاما ولا اضطرابا، فليس في وسع المرء أن يقول عن الأشياء أنّها جميلة أو قبيحة أو مضطربة إلّا من وجهة نظر الخيال[1] وهنا يكمن الفرق بين “الإتيقا كعلم يدرس ما هو كائن وبينالأخلاق الّتي تدرس ما ينبغي أن يكون، كمعيار تقويمي يحدّد قبليا غايات السّلوك الانسانيّ(…)

تكمن جِدّة سبينوزا مقارنة مع باقي فلاسفة العصر الحديث وبالذّات ديكارت، في إعادة تعريف الانسان، باعتباره كائنا راغبا، وبكون الرّغبة تشكّل الماهيّة الأصليّة له ولوجوده المحدود، ردّا على تلك التّعريفات الكلاسيكيّة سواء مع أفلاطون الّذي يعتبره حيوانا عاقلا، أو مع ديكارت حين جعل منه جوهرا مفكّرا(كوجيطو) لأنّ في هذا التّحديد الأفلاطونيّ أو الديكارتيّ تهميش للرّغبة وإقصاء لفاعليتها الحيويّة في حياة الإنسان، الشّيء الّذي سيجعل من سبينوزا يقف ضدّ هذه التّصورات معلنا عن تأسيس فلسفة محايثة Immanenceتضع الإنسان في منزلته الّتي يستحقّها كشيء جزئي محدود يخضع لنسق من القوانين والعلل الطّبيعيّة الّتي تعبّر عن قدرة الرّب اللاّنهائيّة.

إرتبطت الرّغبة قديما في فلسفة أفلاطون بالنّقص”manquerوالحرمان والعوز، الّذي يجعل الإنسان يسعى دوما إلى البحث عن ما ينقصه، و يفتقد له،  بغية ملء هذا الفراغ المرعب، الّذي يعد “حرجا” يصاحب الإنسان ويجعل منه عبدا ضعيفا لشهواته “الشّيطانيّة” إنّ الرّغبة ضمن هذا السّياق، سعي ذات طبيعة حيوانيّة، إندفاع أهوج، طاقة مرعبة ومخيفة، لأنّه لا يخضع لمتطلبات العقل ولا يأبه بسلطة القانون،  أو الواجب الأخلاقي(…) وهو الموقف الّذي سيمهد الطّريق لإعلان الحرب على الرّغبة حتّى من طرف السّلطة الكنسيّة اللاّهوتيّة المسيحيّة أو اليهوديّة أو الاسلاميّة (مع  فقهاء وفلاسفة مسلمين).

يقطع سبينوزا مع هذه النّظرة القديمة وامتداداتها الثّيولوجيّة، ويؤسّس لتصوّر فلسفي-علمي يجعل من الرّغبة ماهيّة الإنسان وليس جوهرا مفكّرا،  كما ذهب إلى ذلك الكوجيطو الديكارتي، لأنّ الجوهر ليس ممّا يؤلّف صورة الإنسان، بصيغة أخرى، الجوهر بطبيعته لا متناه، وثابت، ولا يتجزأ، وهو من صفات لا توجد سوى في الذّات الإلهيّة،  بينما الانسان فهو ماهيّة وحال من الأحوال المحدودة، الّتي تسعى إلى الاستمرار في وجودها لمدّة غير محدودة، إلى درجة يكون هذا السّعي هو ماهيّة الشّيء الفعليّة،  يقول سبينوزا: “فليس ما يؤلّف النّفس البشريّة غير فكرة شيء جزئي موجود بالفعل[2] فبأي معنى يعتبر الإنسان كائنا راغبا؟

 

يرى سبينوزا أنّ الرّغبة هي ذلك الجهد أو القوّة الّتي تدفع الانسان من حيث هو حال متناه إلى الاستمرار في الوجود، وضمان حفظ بقائه في الحياة، إنّها قوّة الفعل” puissance dagir الّذي تبذله الذّات الانسانيّة إلى إثبات كينونتها ووجودها ضدّ كلّ ما من شأنه أن يكون مانعا أو عائقا يضعف قدرتها على الفعل وتأكيد الذّات، إنّها نزوع إلى الدّوام، إلى الاستمرار في الوجود، هنا تصير ماهيته (الانسان) محدّدة بوصفها ميلا إلى هذا الإستمرار(…) لهذا كانت الدّيمومة في ذاتها هي (الاستمراريّة في الوجود دون حدّ) أمّا نهاية الدّيمومة، أي فعل الموت، فإنّه يأتي من تلاقي حال موجود مع حال آخر يفكّك تعالقاته(…)[3] يسمّي سبينوزا هذا الجهد/ الرّغبة بالكوناتوسconatus  من حيث هو يشير إلى تلك القدرة اللاّمحدودة إلى الاستمرار في الحياة، قوّة باطنيّة تفتح الإنسان على العالم وتلقي به في الوجود ليحقق لذاته الرّاغبة أعمالها ومشاريعها وما تتوق إليه دون كلل أو عوز، وضدّ كلّ الإكراهات والعراقيل، الّتي تكون في حالة ما استسلم لها الفرد عاملا في إنقاص قدرته على العيش، وسببا رئيسيا، في تولّد الانفعالات الحزينة، الكوناتوس بمعنى من المعاني مبدأ دينامي لدى الفرد الّذي يسعى إلى الوجود ويدأب عليه، ويبقى هذا الجهد قائما في الحال المحدود ضمن نظام الطّبيعة.

إنّ الرّغبة أي الكوناتوس يُعرّف الإنسان  ويحدّد موقعه ضمن نظام الطّبيعة فالإنسان جزء لا يتجزأ من هذا الكلّ، سعيه هو سعي جميع الكائنات على حدّ سواء، يرفض هنا سبينوزا نظام التّقسيم الأرسطي لأشياء الطّبيعة (الإنسان والكائنات) بحسب الجنس والفصل والنّوع (الكلب، حيوان، ينبح…)  والاختلافات النّوعيّة ويقترح تقسيما آخر (…) وهو القائم على تحديد الموجودات بحسب مستوى قدرتها على الفعل والانفعال،[4] أي تصنيفها وفق قدرتها على الفعل وعلى تلك المثيرات الّتي تتجاوز قدرتها، فتجعلها تمرض وتموت(..)وعلى الرّغم من توحّد الانسان بغيره من الكائنات إلاّ أنّه يتفوّق عليها بفعل تحويله الحاجات الضّروريّة إلى رغبات متعددة يحياها ويسعى جاهدا إلى تحقيقها، مع الوعي بها، وإخضاعها لقواعد الفكر أوالذّهن(..) خلافا لباقي الكائنات الّتي تبقى حبيسة نظام طبيعي- ضروري مبرمج مسبقا، لا تستطيع معه الحياد عنه(…) يذكر سبينوزا في الباب الثّاني والثّالث من كتاب الإتيقا بأنّ الانسان وحدة مركّبة من نفس وجسم ويعيد نقده للأطروحات الكلاسيكيّة في هذا الجانب،  معيدا الاعتبار لأوّل مرّة للجسد بوصفه نظاما يبعث على الغرابة، ومالكا لسرّ لم يحن الوقت بعد لدراسته دراسة دقيقة وعقلانيّة، لفكّ رموزه الّتي استعصت على المفكّرين القدماء، مؤكّدا في السّياق ذاته، أنّ الرّغبة تتعلّق بالنّفس والجسم معا ولا يمكن تصوّرها بدونهما لأنّهما كيان واحد أو بناء متكامل يستحيل الفصل بينهما، لأنّهما متحدّين إتّحادا لا يقبل الانحلال، ولا يسعنا أن نتمثلهما كما تمثّلهما أفلاطون والخطابات الدينيّة والفلسفة الديكارتيّة الّتي احتفظت بنفس التّقسيم الأفلاطوني وبنفس الرّؤية السّلبيّة للجسم، باعتباره سجنا للرّوح( أفلاطون) أو هو بمثابة السّفينة الّتي تحتاج إلى بصيرة القبطان (الوعي) كما هو الحال مع ( ديكارت).

يجعل سبينوزا من الرّغبة الواعية بذاتها، الرّابط القوي الّذي يجمع بين النّفس والجسم، من حيث هي تعي جهدها عبرهما، فإذا تعلّق هذا الجهد بالنّفس سمّي إرادة وإذا تعلق بالنّفس والجسم معا سمّي شهوة(…) كما أنّه لا توجد فرق بين الشّهوة والرّغبة عدا أنّ الرّغبة تتعلق عموما بالانسان من حيث هو يعي شهواته، ولذلك يمكن تعريفها كما يلي: ” الرّغبة هي الشّهوة المصحوبة بوعي ذاتها[5] وانطلاقا من هذا التّحديد الدّقيق للرّغبة يمكن أن نفهم تصوّر سبينوزا للرّغبة وارتباطاتها بالنّفس والجسم، فالإنسان على الرّغم من أنّه عنصر طبيعي داخل الطّبيعة، يخضع كما تخضع باقي الكائنات الأخرى للقوانين الضروريّة الحتميّة، فإنّ وجوده يتميّز بامتلاكه لكوناتوس فريد، مُميّز، لسبب وجيه وجوهري، ذلك لأنّه إذا كانت الكائنات الطّبيعيّة الأخرى أجساما في معظمها، أكانت أجسما عضويّة (حيوانات نباتات) أو غير عضويّة، فإنّ الإنسان جسم حي مالك للوعي. فالانسان جسم ووعي في آن، إنّه جسم ووعي بالجسم[6] وبهذا يكون سبينوزا هو المؤسّس الحقيقي لفلسفة الجسد وتأثيره سيكون واضحا في الفلسفات المعاصرة بداية مع نيشته وميرلوبونتي ودولوز، يقول الفيلسوف والشّاعر المعاصر ميخيل دي أونامونو : ما يجعل من الإنسان إنسان هو أنّ حقيقته تتجلّى بالأساس في جسده، فأن نسأل إنسانا عن أناه son moi يعني أن نسأله عن جسده[7]

يبيّن سبينوزا أنّ الهدف الرّئيسي للرّغبة هو السّعي إلى ما تراه خيرا وتحجم عمّا تراه شرّا، وضمن هذا السّعي ينتقل الانسان من حال إلى حال، من وضع إلى وضع آخر، تحدث تغيرات وتحوّلات متجدّدة  على الفعل، تعبّر عن مدى قوّة الكوناتوس أو ضعفه، يطلق سبينوزا على هذه التّغيرات اسم (الانفعالات) “les passionsويعرّفها بأنّها ما يطرأ على الجسم من تغيرات تزداد به القوّة الفعاّلة لهذا الجسم أو تنقص وتنمى أو تعاق(..) فأساس التّمييز بين الانفعالات هو ما يؤدّي كلّ منهما إلى زيادة أو إنقاص قدرة الكائن على حفظ ذاته، أي المساعدة على الاستمرار في وجوده أو الحيولة دون ذلك، ومعه تتغيّر القدرة على الفعل تبعا لأثر العلل الخارجيّة، وفق استمرار معين من الانفعال، فالمرور إلى كمال أكبر أو الزيادة في القدرة على الفعل يسمّى انفعالاإحساسا بالغبطة la joieوالمرور إلى كمال أقل، أو إلى تناقص في القدرة على الفعل يسمّى حزنا،[8] تحصل هذه التّغيرات نتيجة التّلاقيات والتّرابطات الّتي تحدث في علاقاتنا مع نظام الطّبيعة، ومعها ترتسم صورة الانسان وأحاسيسه ومشاعره، وسعادته أيضا، كما أنَّ مسألة تقييمنا لهذا الفعل، سواء كان حسنا أو قبيحا، لذّة أو ألم، لا تنبع من علة خارجيّة مفارقة، أو من قيم أخلاقيّة غائيّة/ دينيّة، وذلك لمجموعة من الاعتبارات أهمّها كون الحسن والقبيح مثلا، انفعالات لا توجد إلاّ من حيث إرتباطها بالانسان، فلا يوجد شرّ في ذاته، وإنّما يوجد شرّ أو قبح كما تتمثّله الذّات، وكذلك مسألة الخير والطّيبوبة، فلا يوجد خير في حدّ ذاته وإنّما الانسان هو من يضفي الجمال والطّيبوبة على الأشياء الّتي يرغب فيها، ويحكم عليها أخلاقيا وجماليا، فيعتبرها جميلة لأنّه يرغب فيها وقبيحة لأنّه ينفر منها، يقول سبينوزا: إنّنا لا نسعى إلى شيء ولا نريده ولا نشتهيه ولا نرغب فيه لكوننا نعتقده شيئا خيرا، بل نحن، على العكس من ذلك، نعتبره خيرا لكوننا نسعى إليه ونريده ونشتهيه ونرغب فيه.[9]

إنّ المشكلة الّتي تواجهنا في فهمنا  للطّرح السّبينوزي في مقاربته للرّغبة يتجلى أساسا، في تقاطعاته المفصليّة مع مفاهيم اخرى كالسّعادة، والحريّة، إنّه بناء متماسك متشابك مبني بشكل هندسي يصعب تجزيئه وفق قوالب معزولة، فعلى الرّغم من كون الرّغبة/ الكوناتوس قدرة واعية بذاتها، إلاّ أنّها لا لاتستطيع إدراك أو فهم الأسباب والعلل الخفيّة التّي توجّه مجموع رغبات الإنسان، وبناء على ذلك، يحكم النّاس على الأشياء وفق مبدأ غائي مسبق، يجعلهم يدركون ويعون النّتائج (خير/ ألم/ لذّة/ حزن..)ولكنّهم لا يفكّرون في الأسباب والعلل والدّوافع الّتي تجعلهم يرغبون ويفكّرون، نظرا لجهلهم بهذه الأسباب، فالشّروط الّتي بمقتضاها نعرف الأشياء ونعي ذاتنا، تجبرنا ألاّ ندرك إلا النّتائج مفصولة عن عللها الخاصّة( الكتاب الثّاني الأخلاق)  فالوعي هنا لا يدرك سوى الآثار (النّتائج) ويبقى قاصرا عن إدراك كلي للأسباب والعلل الّتي دفعت الذّات إلى  النّزوع إلى هذا الموضوع دون موضوع آخر، الوعي أعمى بطبيعته لأنّه يجهل نظام العلل والقوانين، أي نظام العلاقات وتكوينها، ويكتفي بتلقي آثارها، إنّه يجهل كليّة الطّبيعة، كما ـأنّه ليس إلاّ حلما: “هكذا فإنّ الصّبي يظنّ نفسه حرّا عندما يرغب في الحليب، والشّاب الحانق عندما يريد الانتقام، والجبان عندما يلوذ بالفرار(…)[10]   هكذا فالانسان يثبت نفسه كقوّة واعية بذاتها، يفعل في حدود المعاونة والمساعدة الموجّهة من الخارج، فهو يخضع لسلسلة لا متناهيّة للأسباب المحدودة، والسّبب في ذلك كون الإنسان جزء بسيط من نظام الكون اللاّمحدود ينتسب إلى سلسلة لا محدودة من العلل الضّروريّة، وهي سلسلة مرتبطة بعدد لا محدود من السّلاسل اللاّمحدودة الأخرى الّتي تكون معا الوجه الكلي للكون[11]

إنّ الإنسان في الكون ليس سوى كائنا مثله الكائنات الأخرى يشغل مكانا محدّدا، إنّه لا يحتلّ مكانة مرموقة ومركزيّة في الكون، كما ادّعت نزعة الإنسيّة الحديثة، إنّه بالفعل يستطيع أن يعي ذاته ورغباته لكنّه يجهل عللها الخفيّة، لأنّه جزء من نظام لامحدود من العلل، الّتي يستحيل إدراكها في كليتها، وبالتّالي فالقوّة الّتي بها يحيا إنّما هي قوّة محدودة تتجاوزها قوّة الأسباب الخارجيّة بصورة لامحدودة[12]   ينتقد سبينوزا بعض الميتافيزيقيين الّذين يؤكّدون على فاعليّة الإرادة الانسانيّة يقول:  فالنّاس مخطئون حين يتصوّرون أنفسهم أحرارا ثمّ يضيف : يقولون أنّ أعمال النّاس تخضع للإرادة، إلاّ أنّ كلامهم هذا لا معنى له. إذ ما عسى أن تكون الإرادة، وكيف تحرّك الجسم، فكلّهم يجهلون هذا الأمر(…)[13] والسّبب في ذلك كما قلنا هو وهم امتلاك أسباب الأفعال البشريّة في حين ليس بوسعنا سوى إدراك النّتائج الغائيّة، ويشرح سبينوزا اعتقاد الإنسان بحريّة إرادته عن طريق مثال الحجرة المتحرّكة الّتي تعتقد أنّها تتحرّك بإرادة حرّة واعية بهذا الجهد، على حين أنّها تجهل العلل الخارجيّة الّتي تسير حركتها، لربّما يمكن أن نفسر هذه الضّرورة الّتي تتحكّم فيها من الخارج، مثلا، في الجاذبيّة الكونيّة، وبموازاة مع ذلك،  فلا توجد إرادة حرّة إلاّ في الذّات الإلهيّة، وحده الإله من يملك إرادة حرّة ولكنّها خاضعة أيضا للشّروط العامّة للكون، بينما الإنسان فهو يشكل جزءا من نظام العلل الكونيّة-الحتميّة، إرادته إرادة ضروريّة أو مقهورة، يقول سبينوزا: فلا يمكن لأي فعل إرادي أن يوجد ويُحدّد لإنتاج معلول مّا إلاّ من قبل علّة معيّنة، وهذه العلّة بدورها من قبل علّة أخرى وهكذا دواليك إلى ما لانهاية.”[14]

ليس من السّهل حقيقة مقاربة هذا الإشكال الفلسفيّ ببساطة وسطحيّة، لأنّ الاشتغال على النّص السّبينوزيّ يفرض مسبقا اطلاعا على فلسفة سبينوزا وسياقها التّاريخيّ والثّقافيّ، وكذا الوقوف عند تمفصلات وخيوط تقاطعات المفاهيم، لقد حاولنا في هذا المقال فقط الإشارة إلى الثّورة الفكريّة الّتي أحدثها سبينوزا في دراسته للطّبيعة الانسانيّة، ولم نتوقّف مطوّلا عند الكثير من الأفكار والمفاهيم كالشّر والخير، الحسن والقبيح(…)

*********

[1]  فؤاد زكرياء: سبينوزا، ص 205.

[2]  سبينوزا: علم الأخلاق، القضية 11 ص 95. ترجمة: جلال الدين سعيد.

[3]  دولوز: اسبينوزا فلسفة عملية، ترجمة عادل حدجامي، ص 79.

[4]  دولوز: نفس المرجع السابق، ص 59.

[5]  علم الأخلاق: القضية 9 ص 159

[6]  فاطمة حداد: الفسلفة النسقية، ونسق الفلسفة السياسيّة عند سبينوزا، ترجمة: جلال الدين سعيد، ص 41.

[7]  عبد الصمد الكباص: الرّغبة والمتعة، ص 89.

[8]  دولوز: فلسفة عملية، ص 64.

[9]  علم الاخلاق، ص 160.

[10]  دولوز: فلسفة عملية، ص 31.

[11]  سبينوزا: رسالة في إصلاح العقل، ص 71.

[12]  علم الأخلاق، القضية 3، ص 238.

[13]  سبينوزا، علم الاخلاق، الباب الثاني.

[14]  علم الأخلاق، ص 67.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This