المنبوذ

كَفَى حَزَناً أنّي أناديك دائما .. كأنّي بعيدٌ أو كأنّك غائب.

“الحلّاج”

ولكن ما الصّورة إذا جاء المعنى.

“مولانا”

غدر:

كانت هناك سبع سنبلات خضر في حديقة، جاء الشّتاء حزينا هذه المرّة.
إحداهنّ شاخت، و الباقيات لم يكن صالحات للعجن.
كلّهنّ بلا استثناء رقصن مع الرّيح، وتواعدن مع القحط و الطّين.
وبقي الجوع وحيدا كالحقيقة.

وهم حقيقي:

أخدتني سنة من يقظة، لعلّها ساعة، أقلّ أو أكثر. أبصرت عتمة في الضّوء وضوءا في العتمة. لم أدر أهو ليل أم نهار، نهار أم ليل. نائم أم مستيقظ، مستيقظ أم نائم.

ألقيت بجوفي إلى السّماء، مظلمة حالكة والشّمس ساطعة. تكوّرت على نفسي و تدثّرت،

تلمّست رأسي فلم أجده، نظرت إلى المرآة: لا جسد هنا و لا روح.
لقد صرت دخانا يعب من هذا الوجود فلا يجد غير السّراب.

البحر:

كنت كلاّ لا تباعيض له، أو بعضا لا كلّ له. أمسكت بين يدي حفنة تراب. غمستها بالنّبيذ و الماء.

عجنتها بين طرفي العالم.
حججت إلى البحر المقدّس، قذفته في جوفي حتّى ثملت.
أين هي الأمواج من البحر؟ أين أنا من الله؟

المنبوذ:

أحببت نفسي، عشقتها، منحتها بركاتي وصلواتي. أقمت لها معبدا فوق الضّباب.

غنّيت لها بصوت بحيح، بكيت كملاك على خد الأرض.
وحينما تقلّبت الصّروف و الأحوال.
رمتني إلى حافة الكون. وحيدا بلا قبلة أو سبة، أو وداع بلا وداع.

جوع كافر:
جائع أنا:
قرأت كتابا، عشرة، مئة أو أكثر. كدودة قزّ حرثت القارّات.
لقرن كامل سرت وحيدا في صحراء، فلم أجد غير الألم والعذاب، و متّسع من رفقة زادها الغياب.
همس “البسطامي” خلسة إلي: “يا ولدي لا تسكن الحكمة معدة ملئت طعاما”.
فصمت أبد الدّهر عن الكلام..

الهائم:

أسعى في أرض فلاة، أحسب حباة الرّمل و أسبح مع كلّ حبة ألف مرّة.

كان معي كسرة خبز يابسة، بعض العجوات، وجرعة ماء تكفي أيّاما.
ألقيت بكلي إلى النّخلة، حضنتها حتّى ذابت بين أناملي.

لامست المجرّات بأطرافي، متسمّرا في ذات المكان، (والمكان لامكان)،

طويتها بروحي مثلما تطوي الأمّ أثوابا بالية، وقبّلتها.
نزلت من السّماء طيور بلا أجنحة. و سرمدتني.

أغمي عليّ و على الرّمل: فضعت ومات.

فلسفة:

سؤال صغير في عيني طفل، يحتاج فلسفة عظيمة.

باحثا عن الله والحلوى؟
هل يشفى الصّغير من حرقة الحكمة ومن نذوب الفكر؟

هيهات. سيبقى المسكين فلتة كالجذام، لا أقراص ولا مسكّنات تنفع، لا طبيب يشفي.
وحده طريق  “زرادشت “من يمنحه الخلاص.

أميغو:
أعرضت عن الملكوت وهجرت الخلائق،

تسربلت بطواسين ” الحلاّج”، وإشارات ” التبريزي”
هذا الطّائر (بهذا الاسم يعني الصّديق): خلي الوحيد، لا خلّ بعده لا خلّ قبله.

“أيّها الأصدقاء لم يعد هناك صديق”: قال أحدهم.
وحده “أميغو ” يعرفني كما يعرف الشّاعر قصائده، وحده بلسم للمعنى والحياة.

يفهمني جيّدا:

بصخبي وهدوئي،

بعواصفي المجلجلة،

بسكينتي الفجّة.

بشطحاتي الحاضرة في الغياب،

بأذكاري الجارية في أنهار الحبّ.
حين أكون على شفى حرب أو هاوية، يمنحني جناحيه، أمتطيه ونحلّق.

يغنّي هو، بينما أستمرّ أنا في الرّقص والكتابة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق