عَرَق العافية المنهوب / مصطفى أبو شمس

حوادث منفصلة يربطها المكان
مرت خلال الشهرين الماضيين ثلاثة حوادث لاستهداف الطائرات أسواق الهال في محافظة إدلب، كان آخرها في الخامس عشر من كانون الثاني الحالي باستهداف سوق الهال في مدينة إدلب وراح ضحيتها نحو تسعة عشر مدنياً، سبقها استهدافان لسوق الهال في مدينة سراقب، كذلك في معرة النعمان، أوديا بحياة ما يزيد عن عشرة أشخاص وجرح عشرات آخرين من أصحاب المحال التجارية في السوق ورواده.

في خبر منفصل، لم أتقصد البحث عنه، كانت الإدارة المحلية في حكومة النظام قد سلبت إدارة أسواق الهال من مجالس المدن والبلديات التي تخضع لإدارتها، قاصدة بذلك -حسب صحف موالية- القضاء على المافيات التي تتحكم بهذه الأسواق، وتنظيم عملها.

ليس ببعيد عن حال أسواق الهال، تم الإقرار بتحويل سوق الهال الرئيسي (القديم) في حلب إلى سوق تجاري لكل شيء عدا الخضار والفاكهة، والتي تصدرت حياة هذا السوق منذ ستينيات القرن الماضي، ونقله إلى مكان جديد في حي العامرية.

قبل كل ذلك، لم تعد أسواق الهال تحمل ذلك التنوع الجغرافي في قلبها، فمنذ بداية الثورة بات إيصال البضائع من المزارع إلى «الكومسيونية» في سوق الهال أمراً بالغ الصعوبة، عليه أن يمر بمعابر وحواجز ودول ورشى وأتاوات، مخالفاً بذلك المقولة التي تفيد بأن «المعدة لا تفقه في السياسة»، إذ بات من الضروري أن تتدخل السياسة في طعامنا اليومي، الذي غابت معظم ملامحه القديمة إثر غلاء الأسعار وارتفاع أسعار الدولار من جهة، ومكان المنشأ من جهة ثانية، بما يحمله هذا المكان من التصاق بفكرتي «الإرهاب والمسلحين» و«الخيانة والموالاة».

الحادثة الأخيرة تتعلق بمسألة شخصية، إذ لم يخطر في بالي يوماً وأنا أتعلم الفرنسية أن يكون اشتقاق اسم سوق الهال يعود إلى تلك اللغة، قبل الدخول في جدل الآرامية وآلهة الشمس السورية القديمة، وارتباطها بالاسم ذاته، في معادلة قديمة ما تزال حاضرة في كل مناسبة؛ هل نملك نحن حقاً أول سوق هال في العالم؟ أم أننا استعرناه كما اللفظ الذي حوّرناه من الفرنسية ليناسب لغتنا؟

سطوة الاسم
تسعفك ويكيبيديا كخيار أول عند البحث في كلمة سوق الهال بتعريفه بـ «أحد أسواق مدينة دمشق، يقع بين سوق ساروجا وشارع الملك فيصل، أقيم بين السنوات 1928- 1930م، تمت تسميته تيمناً لوجود سوق الهال الموجود بباريس».

يُدخلك التعريف في عوالم جديدة ترتبط بحالة التنافس، وربما العداء الأزلي في القدم والأحقية، بين دمشق وحلب؛ والذي انتقل في الآونة الأخيرة إلى صفحات التواصل الاجتماعي، بين الكرم والبخل والطبخ والتجارة والصناعة والجودة والإتقان…

تجد ضالتك كـ «حلبي» في كلام يُنسب للباحث والمؤرخ عامر رشيد المبيض، يقول فيه إن «باب الجنان»، أو «باب جنين» كما يلفظه الحلبيون، هو أول سوق هال في العالم، وإن اسمه مشتق من كلمات آرامية سورية «هال -هيلانة -هيلاس»، التي تعني نضوج الثمار والفاكهة وسنابل القمح. والهال تعني الإله، أما «هالة وهيلانة» فهي من صفات الشمس، مستنداً على ما ذكره ابن المعجمي من وجود «معبد النار» أو «هيلانة الشمس» في باب الجنان بحلب، ومنها انطلقت حضارة الهال، وأن كل المدن التي عبدت الشمس كانت تحتوي على سوق للهال.

يرد ذكر سوق الهال في رواية بلزاك رجل كبير من المقاطعات في باريس، التي نُشرت في العام 1839، وترجمها ميشيل خوري، الذي وضع في الهامش تعريفاً لسوق الهال بأنه سوق شهيرة ببيع المواد الغذائية بالجملة في الدائرة الأولى في باريس.

كما يورد الدكتور فؤاد خضرة في ورقة بحثية نشرها في مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية في العام 2013 أن كلمة «لو هال» ذات أصل غير موثق، فمنهم من يعتبرها «بطن باريس»؛ وغيرهم «فتحة ميتافيزيقية يمكن أن تجاري كل الأهواء وقتها»؛ وبعضهم ينسب الاسم «للحمّالين الذين كانوا يرفعون على ظهورهم الخضار والفاكهة من ساحة السوق الرئيسية لبيع منتجات الفلاحين».

الأكيد أن سوق الهال موجود في باريس، ويقع وسط أهم أحياء المدينة، تمر به أربعة شوارع شهيرة (بوليفار سباستوبول -ايتيان مارسيل -اللوفر -ريفولي)، وتم تنظيمه للمرة الأولى في العام 1854 بإدارة فيكتور بالتار وفيلكس كاليه.

أبتسمُ لمقاربة جديدة غير تلك التي ارتبطت في ذهني عن سوق الهال، والذي كنت أرجعه إلى حَبّ الهال، ذلك النوع من التوابل الذي يُضاف للقهوة والأطعمة ليزيد من نكهتها. وأميلُ إلى نسف اللغة الفرنسية، فـ «الهال» مرتبط بالقهوة المرّة العربية منذ زمن لا أستطيع تحديده، وفي مطبخ الأمهات في حلب قبل أن يولد كاليه وبالتار بزمن بعيد.

المقاربة الثانية ارتبطت في ذهني بالشمس، إذ لم تعد الشمس مرتبطة بالخصوبة ونضج الخضار بقدر امتلاء السماء بالطائرات والرعب القادم معها. في إدلب يخاف السكان أيام الصحو، إذ تقصف الطائرات «معابدَ الشمس» وأسواق هالها.

لغة خاصة
يُشبّه بلزاك في روايته لغة «العاملات الدميمات» بالماكرة وفقاً لـ«عادات ولغة سوق الهال»، ويرتبط سوق الهال في الذاكرة السورية كاستخدام مجازي للفوضى والعشوائية وانعدام النظافة ويتعدى ذلك لـ«الألفاظ البذيئة»، وتنتشر في حلب مقارنات للنيل من الأماكن والأشخاص بتشبيهها بسوق الهال، «مشفى متل سوق الهال»، «هي مباراة ولا مصارعة متل سوق الهال»، «روح تحمَّم كأنك جاي من سوق الهال». وفي الثورة السورية، استعار بعض الأشخاص عبارات كان يطلقها بائعو الخضار للدلالة والرمزية؛ «آخر أيامك يا بيتنجان -خاين يا طرخوم -ريانة يا ثورة»، وغيرها من العبارات التي باتت تُطلق أو تُكتب على لافتات يحملها المتظاهرون.

يروي الحاج أبو أحمد، وهو واحد من أقدم الحمّالين في سوق الهال بحلب، أنَّ بداية تأسيس السوق قريباً من حي المشارقة بعد نقله من باب جنين كانت في العام 1962. كان على مساحة تقدر بخمسة هكتارات تضم 162 محلاً، وكان منظماً في بداية تأسيسه، إلا أن المكان ضاقَ مع تقدم الزمن وزيادة عدد سكان حلب، ما تسبب بالفوضى التي استدعت تلك الرموز الإيحائية.

ويكمل أبو أحمد أن معظم أصحاب المحلات كانوا من عائلات حلب العريقة، وأن لسوق الهال أعرافاً وقوانين خاصة تحكم المكان، من أكبر صاحب محل حتى أصغر «كومسيوني وحمّال»، ولا يخلو الأمر من بعض الإشكالات التي سرعان ما كانت تُحلَ، فللسوق رجاله العقلاء وحكامه أيضاً.

في معرة النعمان، وبعد استهداف سوق الهال، يخبرنا الحاج محمود، أحد أصحاب المحلات، أن الأعراف والقوانين لا تختلف باختلاف المكان، فكل أسواق الهال تدار بطريقة واحدة تقريباً، سلاح الجميع فيها «دفتر الحسابات والقلم»، والأهم من ذلك ثقة المزارعين الذين يأتون بمحاصيلهم إلى محلات الجملة لبيعها في المزادات.

يقول الحاج محمود «نحن لسنا إرهابيين لنُقصف بالطائرات، كل ما نفعله كان الحفاظ على لقمة العيش، فسوق معرة النعمان الذي استهدفته الطائرات يضم نحو ثلاثين دكاناً، يعمل فيها ما يزيد عن مئة وخمسة وسبعين عاملاً، ناهيك عن المزارعين وأصحاب السيارات ومحلات المفرق والسكان الباحثين عن طريقة لتأمين قوت يومهم بأسعار معقولة».

سوق الهال في حلب
يمر بنا أبو أحمد في معالم سوق الهال القديم في حلب، والمتمركز عند أطراف المدينة القديمة، ويمتد من باب أنطاكية ليحاذي منطقة بستان القصر وينتهي عند أطرافها، ويضم عدة أقسام، منها السوق الأول والثاني والأوسط وسوق الكومسيون والمعرقين والأكشاك المرخصة، كما يستعيد معنا «القبان أبو جنزير وخشبة- الجاكية (كلابات وجنازير) – البيضة النحاس- الغمزوي» وغيرها من المعدات التي كان يستخدمها عمال السوق في التقبين والحمل. أما الأسماء المكتوبة بخطوط متشابهة على واجهة المحلات، فقد كان يكتبها ثلاثة خطاطين قديماً؛ وحيد حامد وحكمت شعبان وأبو قدري مسلماني، ليلحق بهم فيما بعد محمد جبسة ومحمد الحسيني وعمر قباني.

لسوق الهال خصوصيته، يكمل أبو أحمد، حتى بائعي الأطعمة الذين اعتدنا على ما يقدمونه لنا من وجبات، وأصبحوا جزءاً من الذاكرة التي لا يمكن محوه: الحوري بائع التمر الهندي مع الكعك، علي بصل بائع الكرابيج مع الناطف، أبو صبحي وعمار طاووس ملوك الفلافل، كزعور بائع المشاوي، أبو عمر بائع العجة، حج توفيق بائع الكولا، يحيى بائع «البوظة بكرز»، أبو رافع بائع «الفشافيش»، حمدية بائع الشاي والقهوة، وغيرهم الكثير الكثير ممن مروا على سوق الهال.

سوق الهال مدينة بحد ذاته، ينقسم إلى طبقات وفئات اجتماعية، بين الغنى والفقر، صاحب الدكان والأجير والحمال، المتعلم والجاهل، أبناء العائلات الراقية والمتوسطة والفقيرة وحتى مجهولو النسب.

في مساحته التي لا تزيد عن خمسة هكتارات، يجتمع عشرات الآلاف من الأشخاص يومياً ومن مختلف المدن والمحافظات السورية. في سوق الهال، من السهل أن يكون لك صديق في كل مكان، وبيت في كل مدينة، شبان ورجال يخرجون قبل ضوء الشمس من بيوتهم لتحصيل رزقهم، رائحة العَرَق تفوح من المكان، أشخاص ما يزال النعاس يسكن أجفانهم، آخرون تسلحوا بـ «الغمزوي» استعداداً للحمولة، محاسبون يملؤون «نصياتهم الخضراء أو السوداء» بالنقود، خلف آذانهم أقلام «البيك» الزرقاء، مزادات تُدار هنا وهناك، وتجار صغار يتنافسون على جودة البضائع وسعرها، نكات وألفاظ بذيئة، يقابلها التزام ديني من البسملة والمعوذات، كل ذلك مجبول بـ «عَرَق العافية».

المشهد اليوم
يسيطر تجار جدد على المشهد اليوم، وتغيب التقاليد والأعراف القديمة الحاكمة، يخبرنا أبو أحمد، لا «حكام في السوق»، معظم المتحكمين بمصير الناس اليوم من محدثي النعمة والمعفشين والشبيحة، هم اليوم من يمتلك القرار والقدرة على إدارة المكان الجديد الذي تم إنشاؤه، السوق القديم سيصبح «حدائق ومحلات تجارية ومولات». لقد سُرق «سوق الهال» كما سُرقت المدينة.

للمدن شرايينها التي تبث الدماء في عروقها، ولعلَّ أهمها سوق الهال الذي شكَّلَ بوجوده فرصة عمل لعشرات الآلاف من الأشخاص على امتداد الجغرافية السورية، عمل لا يحتاج فيه ممتهنوه إلى شهادات وسيرة ذاتية وشروط مسبقة، كل ما في الأمر أن تتمتع بـ «العافية والنشاط». آلاف البسطات الموزعة في شوارع المدينة، ومثلها محلات الخضار والفاكهة التي يرتاد أصحابها السوق للحصول على بضائع الجملة، مئات من المحاسبين والتجار، يضاف إليهم مئات الآلاف من المزارعين الذين يجدون في السوق مكاناً لتصريف منتجاتهم.

ليست الأشهر الثلاثة الأخيرة وحدها من حمل الموت إلى أسواق الهال، عشرات المجازر ارتكبت في هذه الأمكنة، كان أكثرها وجعاً يوم استهداف سوق الهال في مدينة دوما بريف دمشق، حينها سقط نحو 115 من الضحايا المدنيين في آب 2015، تبعها مجزرة أيار 2015 في مدينة الباب، والتي سقط فيها نحو ثمانين شخصاً في السوق الذي استُهدف بالبراميل المتفجرة، كذلك في معرتمصرين وحمص ودير الزور ودرعا وسراقب وأريحا والقائمة تطول…

لا يمكن لـ «عَرَق العافية» أن يكون شريكاً للملامح الجديدة في أسواق الهال، تلك أمكنةٌ للخير والفقراء لا «سلاحُ حرب على لقمة العيش»، الحرب التي انتهجتها قوات الأسد وحلفاؤها لإخضاع المدن الثائرة، من جوع وحصار وتدمير لشرايين الحياة فيها. الأسواق الجديدة بأوجه الغرباء والشبيحة لا تمثل بحال من الأحوال رائحة «حَبّ الهال» وآلهة الخصب، بل تعبر بشكل صارخ عن سوريا الجديدة التي لا قيمة «للعَرَق» في تكوينها الجديد الذي لا تحكمه القوانين والأعراف، بل الولاء والتبعية والعبودية.

عن موقع الجمهورية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق