فيلم “عن الأبدية”.. روي أندرسون يعيد اكتشاف الكون / عبد الكريم قادري

مخرج عصي عن التصنيف، ليس من السهل حصر أعماله في مدرسة أو تيار سينمائي معيّن، يُخيب أفق المتلقي في معظم أعماله، متمرد على عناصر بناء الفيلم وطرق صناعته، أفلامه صرخة تدوي في وجه الماضي، متمرد عليه إلى حد القطيعة، لا يعترف بتراكماته السينمائية، ولا بأدواته في التنظير وطرق المعالجة، ينظر له على أساس الشيء الذي يمكن الاستئناس به، ووجب مخادعته وتجاوزه بآليات جديدة، أفلامه لا تعترف بأساليب القصص التي تعتمد على البداية والعرض والنهاية، مخرج لا يؤمن بحاجة الإنسانية إلى أفلام تعكس واقعه مثل ما تفعله السينما الاستهلاكية، لهذا يصنع أفلاما تشبه أجواء الأحلام والهلاوس يصعب على الواقع تبينها، مثل ما كان يدعو له بيير باولو بازوليني في نظرياته، وتاركوفسكي في أفلامه، أو تعكس عبثية “ميرسو” في رواية “الغريب” لألبير كامو الذي يحبه، أو دانتي في جحيمه. يصنع في كل مشهد من مشاهد أفلامه لوحة فنية يسهل اقتطاعها وتعليقها على جدار ما، أفلامه عملية تجميع لهذه المشاهد المنتقاة، ولا يعيرها أي اهتمام إن كانت مترابطة تعكس تسلسلا منطقيا أو لا، بقدر ما تهمه الصرخة المدوية التي تختبئ فيها، كل مشهد نقل لزيف الحضارة التي تدوس على كرامة الإنسان وتذله، وتجعل منه قربانا لسلطتها وجبروتها ومجدها المُتخيل.

عندما يستلهم أندرسون من الفن التشكيلي
يواصل المخرج السويدي الكبير روي أندرسون (1943-) استكمال المسار السينمائي الذي خلقه، بداية من فيلم “أغاني من الطابق الثاني” الذي أخرجه سنة 2000، وأحدث به قطيعة مع أعماله القديمة، إذ عاد بهذا العمل بعد الغياب الذي دام حوالي 25 سنة كاملة، بسبب الأصداء السيئة التي وصلته بعد عرض فيلم “جلياب” 1975. وتكريسا لهذه البصمة قدّم سنة 2007 فيلم “أنت أيها العش” الذي يدخل في نفس اتجاهه الجديد، وبعده عرض فيلم “حمامة جلست على غصن تتأمل الوجود” 2014، الذي فاز بالأسد الذهبي بمهرجان فينيسيا السينمائي، ليؤكد بأنه مخرج يحمل رؤيا ومرجعية سينمائية قوية وبصمة أسس لها، ولم يدخل عالم الإخراج من باب الحظ أو الصدفة.
عاد روي اندرسون بعد خمس سنوات من إخراج آخر فيلم، بعمل جديد عنوانه “عن الأبدية” 2019، حافظ فيه على نفس مساحة الجمال والاختلاف والخلق، وهي السمات الضرورية التي عوّد جمهوره عليها. وقد عرض العمل أول مرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في القسم الرسمي خارج المسابقة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ41 التي انعقدت في 20-29 نوفمبر/تشرين الثاني 2019.
أبان المخرج وكاتب السيناريو روي أندرسون عن وعي جمالي كبير، تجسد في معظم مشاهد الفيلم إن لم نقل كلها، إذ يعكس كل مشهد اشتغالا بصريا مرسوما بغاية الدقة، سواء من ناحية اعتماده على الألوان الباهتة كالرمادي بدرجاته المختلفة، أو في تغييب الظلال في كامل الفيلم، ما ساعد على خلق حس التأمل والحزن والعزلة، وتعطيل مشاعر الفرح. وقد انعكست هذه المشاعر المتقلبة على شخصيات العمل التي تم اختيارها بعناية فائقة، إذ ظهرت شاحبة الوجوه تميل إلى الاصفرار، باردة لا تملك روح التواصل، غارقة في الشيخوخة واليأس والأمراض النفسية. ترافق هذه المشاهد موسيقى جنائزية تزرع رغبة الحزن لدى المتلقي، وهو الشعور الذي عمل عليه أندرسون من أجل إيصاله، حتى يصبح من السهل أن يقدم الأسئلة التي يريدها، ويُسهّل من عملية توصيل المعنى.
علاقة أندرسون مع الفن التشكيلي يمكن اكتشافها بسهولة في الفيلم، حتى أن كل مشهد يعكس لوحة فوتوغرافية، ومن بين أهم هذه المشاهد التي جسدها في العمل وتعتبر اقتباسا صريحا من الفن التشكيلي مشهد النهاية، الذي كان عبارة عن تحليق زوجين فوق المدينة، يعبر عن الحب والطمأنينة المفقودة، ويعكس الأحلام الوردية التي يتطلع لها البشر، وهو مقتبس من لوحة زيتية شهيرة للفنان الطليعي الروسي مارك شاغال، وأكثر من هذا هو اعتماد المخرج في مشاهده على الكاميرا الثابتة التي تنقل مشاهد لشخصيات قليلة الحركة، وفي الكثير من المرات لا تتحرك، مضبوطة داخل “كادرات” تم اختيارها بعناية فائقة، تعكس محمولا جمالية من ناحية، ومن جهة ثانية تقدم شعورا انفعاليا يخدم ما في الحدث.
يعالج الفيلم القلق من الأسئلة الدينية التي يعكسها القس الذي فقد إيمانه، وأهمها حمله لصليب خشبي كبير في الشوارع، فيما تقوم الجماهير بجلده

كسر الخط الدرامي لخلق مشاهد التأمل
في إحدى المقابلات سألت الصحافية المخرج الفرنسي جان لوك جودار عن غياب المقدمة والعرض والخاتمة في أفلامه، فقال هي موجودة لكن ليس بالترتيب الذي ذكرته. هذا الجواب يعكس مرجعية جودار في السينما التي تعتمد على مبدأ التجديد، وسؤال الصحافية يعكس الصورة الموروثة في ذهن شريحة واسعة من الجمهور، ولهذا جاء عمل أندرسون “عن الأبدية” ليخرج عن مفهوم المخرج والصحافية على السواء، فقد كسر في فيلمه مفهوم الدراما التي يتم تعريفها على أنها “سرد قصصي عادة ما ينطوي على صراعات وعواطف من خلال الحدث والحوار المصمم للأداء داخل العمل”، وقد جاء الكسر من أندرسون لأن عمله لا يحتوي على حبكة ولا ترابط وصلة بين شخصيات الفيلم وأحداثه، كما لا يعكس فضاء زمنيا أو مكانيا معينا، لهذا لو أمكن تقسيم مشاهد الفيلم ووضع كل حالة في إطارها القصصي والزمني المعينين، لتم خلق العديد من الأفلام القصيرة، لكن هذا لا يعني بأن هذه التركيبة لا تسمح بوجود ترابط ما بينها، هو موجود لكن ليس بمعناه الكلاسيكي، وفي حالة هذا الفيلم هذا الرابط هو معنوي بدرجة أولى، يعكسه القلق الوجودي الذي تتصف به كل شخصية، القلق من الحروب وخيباتها، يعكسها مشهد الجنود الأسرى، أو الجنود النازيون الذين تتساقط القنابل على مخبأهم لكن في المقابل هم في حالة سكر، في محاولة منهم للخروج من واقع نهايتهم المحتومة، والقلق من فوضى الحب، وتشظي العاطفة في اتجاهات وفضاءات لا تفيد البشر، وهي حالة يعكسها الشاب الذي يقف أمام واجهة مكتبة، فيما تخرج شابة جميلة من محل حلاقة لتقوم بري نبتة، فينظر لها الشاب بحب، وكأنه يقول “أنا من يستحق رعايتك، أنا بحاجة لمن تحبني وترعاني وليست تلك النبتة”، كما أن المشهد يعكس ثقافة الشاب من خلال وقوفه أمام واجهة المكتبة، ويعكس مرجعية الشابة التي تشتغل في مجال حلاقة شعر النساء، والقلق من الأسئلة الدينية التي يعكسها القس الذي فقد إيمانه، وأصبح يشك في وجود الله، لهذا أصبح يرى العديد من الكوابيس المرعبة، أهمها حمله لصليب خشبي كبير في الشوارع، فيما تقوم الجماهير بجلده، لهذا قرر الذهاب إلى طبيب نفساني، وهذا الأخير تعجب من هذه الحالة وفي نفس الوقت تمت زعزعة اعتقاده الديني، وقلق الرجل الذي كان يصد السلم، وحين رأى صديقا قديما حياه، لكن الأخير رفض الرد عليه، لأن بينهما عداوة قديمة جدا، وقلق الشابين من فكرة الوجود والأبدية، حيث يقرأ شاب لصديقته كتابا عن عملية الحلول، مثل أن تكون الروح التي تسكنه حاليا كانت طاقة روحية لشيء ما في الماضي، وربما عندما يموت ستسكن روحه عند شخص أو حيوان.
جاء فيلم المخرج روي أندرسون الذي يبلغ من العمر 76 سنة، كئيبا حزينا على الوضع الذي وصل له الإنسان والحضارة

مشاهد للأحزان وأخرى للأحزان أيضا
يحتفي الفيلم بالعديد من المشاهد التأملية الحزينة التي يجب الوقوف عليها العديد من المرات لمحاولة الوصول إلى جزء من مخزونها المعرفي، لأنها تحمل شحنة كبيرة من الأسئلة الحضارية والدينية والإنسانية التي تجول في خواطر البشر، وهي عبارة عن لوحات مصور ترويها امرأة غير مرئية في الفيلم، يظهر صوتها في كل مشهد تقريبا، تقول “رأيت رجلا…”، “رأيت امرأة تنتظر في المقهى…”، “رأيت قسا….”، لكن المخرج لم يقدم أي تفسير لصفتها أو علاقتها بهذه المشاهد، هل هي تقرأ من ملاحظات؟، أو في غرفة استجواب؟، أو تخضع لجلسة علاج عند طبيب نفسي؟، لكن المهم من كل هذا هو الانطباع الجميل الذي تخلقه في نفسية الجمهور من خلال هذا السرد.
جاء فيلم المخرج روي أندرسون الذي يبلغ من العمر 76 سنة، كئيبا حزينا على الوضع الذي وصل له الإنسان والحضارة، وفي نفس الوقت يحمل صبغة فلسفية عميقة من الصعب على غيره أن ينقلها بصريا، ويبحث في إفرازات “الأبدية” التي هي استمرار لحضارات وأزمنة غابرة، تورّث للبشر نفس الهموم والأحزان، وان كانت تختلف فيها آليات إيصالها. “عن الأبدية” هو الفيلم الذي توج مسيرة هذا المخرج الكبير، ما زاد من قيمته الإخراجية، وجعله لا يقل أهمية عن مواطنه إنغمار برغمان، إذ إنهما يملكان النفس الفلسفي والتأملي، وان كانت طريقة المعالجة تختلف بينهما.

*ناقد سينمائي من الجزائر

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق