هكذا قرأت كتاب الصّمت (ج2)

إلى صفية سعيد ومحمد أُوعسو لأنّهما تركا في صمتا عميقا...

3 – آداب الصّمت

إنّ جدليّة الكلام والصّمت تفرض على الإنسان قواعد صارمة تجاه ما يمكن قوله وما يمكن السّكوت عنه، إنّنا بإزاء معنى آخر للكلام والصّمت.” الكلام يجد قيمته ليس فقط في الكلام المقول وإنّما بالأخص في الكلام المحبوس. فمنطق المضمر يكون فعّالا وقصديا وقابلا للتّغيير، وهو يندرج بالأحرى في ما لا يقال لا في ما لم يقل.”153 ففضح الصّمت، أي كشف السّر في مواقف معيّنة يمكن أن يقلب نظام العلاقات الاجتماعيّة، كما أنّ كتمان الكلام يشكل حماية للذّات والآخر في وضعيات تتطلّب ذلك. لأنّ في هذا السّياق من التّقدير للذّات يُشكّل الغير، وتصان فردانيّة المرء في شكل من السّر له مظهر الصّمت والتّعتيم لما هو شخصي وحميمي، ممّا يؤسّس للاختلاف، وبناء المسافة عن الغير، في إطار علاقات اجتماعيّة تكتنفها الكثير من الأسرار والأشياء المسكوت عنها بصمت يعبّر عن “التّحكم في النّفس والوعي بالمدى الأخلاقيّ والاجتماعيّ للّغة.”158 وقد يكون الصّمت ناتجا عن تهديد بموت لا يطاله القانون في حماية الفرد، كالمافيا، والعصابات. بالموازاة مع ذلك نجد الصّمت المهني: الأطباء، المحامون، البنكيون والمحلّل النّفسي…

هكذا نلاحظ مدى ارتباط السّر بالصّمت خاصّة في المجتمعات التّقليديّة الّتي كانت أو لا تزال تؤسّس وجودها الاجتماعي على كتمان السّر، كتمايز  وتراتبيّة اجتماعيّة بين من يعرفون ومن لا يعرفون. ويترافق ذلك مع لعبة السّلطة الّتي تغذّي الأسرار، لمعاودة إنتاج العلاقات الاجتماعيّة نفسها، والقيم الثّقافيّة الانغلاقيّة، حيث يعاش السّر كامتياز معرفي، يخوّل الصّمت الّذي يحيط به السّلطة لصاحبه ويبعد الآخرين عنها.” فمعرفة الكتمان عبارة عن صورة اجتماعيّة للصّمت تحمي التّنظيم الاجتماعي وتستهدف خلوده”165. وإذا كان كتمان السّر في مواقف معينّة عادلا وشكلا لحماية الذّات أو الآخر، فثمّة وضعيات للسّر لا ينفع معها الكتمان لأنّ كلفته النّفسيّة مؤلمة لجميع الأطراف، العارفون ومن يعتقد حمايتهم من تكرار الفاجعة.” المدافن العميقة عبارة عن مجال مسكون باللاّوعي يخزن فيه بشكل غير ثابت وفي توازن هشّ ” اللاّمفكّر فيه الجنيالوجي” الّذي يحافظ بذلك على قوّة الموت على أجيال لاحقة، وذلك من خلال تسربات لا تعدّ ولا تحصى.”168 .

ويعتبر التّحليل النّفسي في صمته الممارس شكلا مختلفا عن الوجوه الصّريحة، والأقنعة، والمضامين الباطنة المختلفة للصّمت الّتي أتينا على ذكرها سابقا. فهو صمت بعيد عن الخرس والفراغ، بمعنى هو صمت فعّال متحسب يقظ لا يكتفي بالإنصات لما يقال فقط، بل ينتبه بعمق للصّمت أيضا في حركاته وإشاراته، إنّه انصات لصمت مشحون بالكلام وقوّة الحضور.”  الصّمت هنا ليس فجوة في المعنى، إنّه مليء بالحضور الفعّال، وبالانفتاح على الآخر إذ هو متقبّل للمعنى.”171 وفي هذا السّياق لا يمكن اعتبار صمت المريض توقّفا للكلام أو مجرّد دفاع ينبغي تخطّيه، بل هو شكل ملائم  لدلالة مكتفية بذاتها في غنى عن الكلام، إنّها طريقة أخرى” ليحمل المرء في ذاته حضور العالم”175

ومثلما هناك صمت الأفراد والجماعة، هناك أيضا صمت المؤسّسات الّذي يتميّز بضغوط وشروط وقواعد يتعذّر انتهاكها: في المستشفيات والمسرح والمكتبات…، عكس الصّراخ الّذي يعربد في قاعة الرّياضة بشكل جنوني ترافقه الطّقوس الجسديّة. كما أنّ هناك فضاءات تتميّز بصمت حافر في الأعماق كالمقابر، وأمكنة ذكرى المآسي…

4 – مظاهر الصّمت

يصعب جدّا الحديث عن الصّمت الّذي يرخي سدوله في البادية والجبال والغابة…، لأنّ مظاهر الصّوت كثيرة رغم قلّتها، وخفوت حفيفها. إنّ الأمر ليس أكثر من تأويل عاطفي للمكان، وقراءة نفسيّة ثقافيّة للفضاءات. إلاّ أنّنا نكتشف روعة الصّمت وجماليّة الأصوات الّتي تمنح للصّمت تضاريسه في الأماكن الّتي يسود فيها صمت سادر: في البادية والجبال…، صمت لا كالصّمت يختلف من لحظة لأخرى، كما لو أنّنا لا نستطيع السّباحة في الصّمت مرّتين، له صيرورته في اختلاف دلالاته وآثاره. إنّه صيغة للمعنى تتطلّب جهدا للبحث عنه كسبيل للقاء الذّات والمصالحة مع العالم “إنّه مخزون للمعنى، وخزّان معنوي قبل العودة لجلبة العالم وللهموم اليوميّة.”94 هكذا يتعرّف الإنسان قيمة الصّمت كإدراك داخلي مرتبط بحاسّة خفيّة يجذبها سحره ويغمرها بسعادة تخشى أن تمزّق غلافه الفاتن إنّ فتحت للكلام ثغرة جدّ صغيرة وتدنّس هذا ” المقدّس الحميم المعرّض لخطر أي دردشة مهما كانت صغيرة”198.  لا شيء يلائم الصّمت غير اللّيل، حيث يمنح الصّمت القدرة على التّأمل والعودة إلى الذّات والالتحام بالعالم مع توسيع الإنسان لوجوده.” والفرد، وهو يتناغم مع صمت الأشياء، ينهل منها ويمتلئ بذاته تاركا العالم يلجه…إنّه يستعيد رمزيا الوحدة المفقودة الّتي يعدمها انبثاق الضّجيج.”199 لكنّ روعة الصّمت هذه تشكّل قلقا حادّا عند البعض إلى درجة الرّغبة في إبعاده. ويثير من ناحية أخرى غموض المقدّس في سكينته، أو رعبه السّاحق حسب الأفراد وظروفهم. الشّيء الّذي يولّد ردود فعل متباينة في السّعادة أو الصّخب. هكذا يجد كلّ فرد طمأنينته إمّا في الصّمت أو في الكلام إلى مستوى الضّجيج الحامل لوظائف رمزيّة في الهرج والمرجح كما هو في طقوس الزّواج وخسوف القمر ونهاية السّنة…، وفي هذا السّياق “يفضّل البعض الآخر الضّجيج، لأنّهم يجدون فيه موردهم في تجميع أشلاء الذّات، والحماية ضدّ محيط يتمّ إدراكه كمحيط عدواني أو غريب، ودرء الجزع والقلق والوحدة. قد يوفّر الضّجيج بهجة ويسمح أيض  بهيكلة الهويّة الشّخصيّة.”205  لأنّ الصّمت لدى هؤلاء مخيف ومرعب يجعل الإنسان في مواجهة نفسه، وهو يتأمّل كلّ ما ترسّب في جوفه من عذابات وآلام، ويضعه في حالة ترقّب قصوى للخطر المحدق.

وما لا يعرفه الكثير من النّاس أنّ الصّمت ليس في متناول أي كان إلّا إذا استطاع امتلاك الموارد الرمزيّة، وإلاّ فإنّ المكبوت سينفجر من جرّاء انهيار جدار المعنى الّذي يوفّره الكلام. بمعنى أنّ الصّمت يقلب الطّاولة إزاء المألوف والعادي المطمئن للذّات، وهي ترى الواقع الملموس ينفلت منها. ” وكم أنّ المعنى الّذي يجعل العالم مألوفا ليس سوى مواضعة ضروريّة، غير أنّه من الهشاشة بحيث يكفي شيء بسيط كي يتفكّك.”208

هكذا تتباين دلالات الكلام والصّمت بين الأحسن والأسوأ حسب الأفراد والظّروف. فالصّمت في أبشع صوره يكون معلنا عن الهشاشة والنّهاية وإنهاك جذري للمعنى، خاصّة أمام خراب الحرب. لكن مهما كانت التّأويلات المتعلّقة بالصّمت في سعادة طمأنينته، أو في مأساويته” فإنّ صمت العالم يجعل من الإنسان صانعا للمعنى، لأنّ لا شيء يُفرض عليه.”217

ومثلما تكون الأصوات والضّجيج شكلا للحماية من القلق، فيمكن للصّمت في حالة التّواطؤ ألا يكون مقلقا، بل يكتسب قيمة، ويفتح بعدا آخر من الوجود. والأكثر من ذلك أنّ الضجّيج الخالي من المعنى يمكن في وضعيات الصّمت أن يتحوّل إلى عدوان يجرّد الإنسان من سلاحه. لكنّ مسألة الصّمت والضّجيج هي مسألة معنى متعلّق بالظّروف والأفراد والأمكنة والسّياقات الثّقافيّة الحضاريّة. فما يتحّمله الحضري من الضّجيج، وما يسعد القروي في الصّمت هو نتيجة سياقات معيشيّة تبعث على الخوف والقلق، أو الطّمأنينة والسّكينة.  والهدف من ذلك هو بحث الفرد عن المعنى إمّا في الضّجيج أو في الصّمت. حيث هناك من المجتمعات والأفراد من لا يشكّل له الصّخب والضّجيج أي عائق، إنّها تربية أخلاقيّة حيث ” الخلوة الباطنة تحمي من غمغمة العالم”227. لكن يصعب اليوم في عالم التّقنيّة وقف الهجوم العدواني على الصّمت، فهو معرض من قبل التّقنيّة الحداثيّة  لعمليّة تشويه لا تهدأ لكلّ الفضاءات بما في ذلك فوق الغيوم الّذي تطاله الطّائرات، ممّا جعل الانسان في ورطة تطلّبت قوانين صارمة للحدّ من هذا الفيضان المرعب للصّخب اليوميّ. وهكذا اكتسب الصّمت أنصاره المتضرّرين ودخل على الخطّ  تجّار الصّمت من الشّركات والوكالات السّياحيّة باعتباره ثروة نادرة ومهدّدة بالانقراض.

5 – روحانيات الصّمت

ولغة الدّين وجميع الرّوحانيات هي في عمقها لغة الصّمت حتّى ولو اتّكأت على الكلام لبلوغ أهدافها التّأمليّة العميقة الوجد والتّوحد النّادر. وكلّ الأشكال التّعبديّة تزداد صمتا وطويّة وتنكّرا للحواس، إلى درجة لا يثيرها الكلام والضّجيج. حيث توصي الأتباع والمريدين بالغرق في الصّمت الدّاخليّ في جميع أشكال التّعبد والصّلوات. لكنّه صمت غير مجاني يناله أي كان، بل هو السّهل الممتنع في ” المواجهة الباطنيّة للوحدة والصّمت، فلا هذه ولا ذاك بديهيان، إذ يلزم أحيانا تأدية الثّمن من النّفس لتحمّلهما.”253 لأنّ الأمر لا يتعلّق بصمت سلبي، بل بصمت بنّاء تعسر سيرورة امتلاكه لأنّه وسيلة شاقّة نحو الرّب، حيث تعجز كلّ الوسائل الرمزيّة الأخرى الماديّة المحسوسة والكلاميّة عن تحقيق ذاك، لهذا يحسم الصّمت ضرورة هيمنته، على كلّ أشكال التّواصل  المدنّسة بالأهواء حتّى ولو كانت باطنة، في حضرة الرّب. والشّيء نفسه تقوم به الممارسات التّأمليّة غير الدينيّة الّتي تجعل من الصّمت موردها ومصدر طويتها العميقة  كالبوذيّة  والتّصوف الدنيوي عند جورج باطاي.

6 – الصّمت والموت

ومن الوجوه المرعبة للصّمت، هو ذاك الّذي يحضر بقوة شرسة في سيرورة ألم كحداد مؤقّت أو دائم للذّات. ولهذا يعسر القول، حيث تبدو اللّغة عاجزة عن ترجمة المواقف الصّعبة في المرارة والانفصال والموت…، كمديّة في الرّوح تحبط إمكانيّة الكلام، وينهار الفكر لتنتصر الانفعالات الرّهيبة المولّدة للعذاب المخنوق في الأنين والدّموع، أو في الصّمت السّادر الأقرب إلى تخوم الموت، إذ لا شيء في الحركة أو الكلام يقوى على خدش سطوة الصّمت الّتي تحفر في الأعماق مخلخلة كلّ التّوازنات والخيارات، بنوع من الرّيبة والحيرة والارتباك في معرفة الخطوة المناسبة إزاء المسكوت عنه في وضعيات مرعبة أمام تهديد الموت الّذي يجعل الكلام عسيرا وصعب المنال. وعندما يرخي الموت سدوله وهو يعلن نهاية الإنسان، يسود الصّمت المستحيل على القول.” عند قرب الموت يصاب الكلام بالاختناق، ويتبدّد في الصّمت أو ينشرخ في الصّرخة…يتفكّك الكلام ويستدعي بالأحرى الخرس… تتفكّك الشّاشة الهشّة للكلمات أمام المستحيل على القول، وفي تأجج يخنق الحلق كما لو كان ذلك للإفصاح عن تفاهة الكلام.”329 وفي مثل هذا الموقف تختلف الجماعات والمجتمعات في السّبل الّتي تسلكها للتّغلب على الفاجعة. إمّا بالغرق في صمت رهيب يعزل الإنسان عن ذاته والآخرين حسب ما تمليه التّصوّرات والمعتقدات، أو بالتّحرّر من سطوة صمت الفاجعة بأشكال مختلفة من الطّقوس والتّعبيرات الشّعبيّة لكسر الصّمت، والاعتراف بالإنسان في حياته ومرضه، وموته وألمه ومشاركته سرّ عذابه لمد الجسور والارتباط من جديد بالحياة بالاندماج في الرّابطة الاجتماعيّة.

*******

الهوامش:

دافيد لوبروطون: الصّمت لغة المعنى والوجود، ترجمة: فريد الزّاهي، المركز الثقافي للكتاب، الطّبعة الأولى، 2019 .

جميع الهوامش مأخوذة من الكتاب، والأرقام تحيل إلى صفحاته.

أمّا بالنّسبة لكتابه: تجربة الألم فقد قدّمت عنه قراءة بموقع الأوان.

https://www.alawan.org/2019/06/05/%d8%aa%d8%a3%d9%88%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%91%d8%a7%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%aa%d8%ac%d8%b1%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%84%d9%851-%d9%85%d9%862/

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق