الأزهر مرجعيّة الإسلام التّقليديّ: التّهديدات و”السّكينة في الدّين” (ج1)

شهدت العقود الأخيرة صراعاً على المرجعيّة الإسلاميّة الّتي يحظى بها الأزهر. لا يعود التّنافس على المقدّس وإدارته في العالم العربيّ، إلى ضعف أداء المؤسّسات الدينيّة الرسميّة، في القيام بدور مؤثّر وفاعل، بغية الحدّ من فوضى المرجعيات فحسب؛ فثمّة أسباب وعوامل وتوظيفات أخرى، حالت دون ضبط تنامي النّاطقين باسم الإسلام.

لعب الإسلاميون والحركيون دوراً خطراً في محاصرة الأزهر؛ كبرى مؤسّسات التّقليد، تحديداً إثر الأحداث الّتي شهدتها مصر بعد “ثورة يناير” 2011، ووصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم. واجه الأزهر في السّنوات الماضية تحدياتٍ عدّة، لا تنحصر بمحاولات الاختطاف من قبل إسلاميين ورجال دين فقط، يسعون إلى بناء سلطة دينيّة رمزيّة موازية له، إذ هناك تحوّلات سياسيّة هائلة وقعت في مصر والإقليم بعد موجات “الرّبيع العربيّ”، أدّت إلى تفجّر العصبيات والمذهبيات والسّلفيات والأصوليات بشكل غير مسبوق. رافق هذا التّفجر تراجع كارثي لخطاب الوسطيّة في أزمنة عربيّة تنهار فيها الحدود ويتصاعد فيها العنف الديني والسّياسي.

اضطلع الأزهر* في تاريخه الطّويل، بأدوار وطنيّة وسياسيّة ووقف أمام تحديات عدّة، ظهرت إرهاصاتها الأولى “مع الدّعوات إلى الخروج على التّقليد وفتح باب الاجتهاد” تلاها نمو “الإحيائيات الّتي نشأت معظمها خارج الأزهر فتحدّثت عن شرعية المجتمع والدّولة”.[i]

لعلّ التّحدي الأبرز الّذي يعترض الأزهر اليوم يتمثّل في معطيين: الأوّل، حال الاضطراب والتّوتر المذهبي المسيطرة على المنطقة؛ والثّاني، محاولات التّغلغل الإسلاموي عبر منافسته على المرجعيّة في الدّاخل والخارج. سعى الجامع الأزهر في المرحلة الّتي أعقبت عام 2011؛ -على الرّغم من بعض المآخذ حول “إشكاليّة العلاقة/ التّرابط بين الدينيّ والسّياسيّ” وتعقيداتها على المستويات السّياسيّة والدينيّة والمجتمعيّة، ودخوله في حلبة الصّراع على هويّة مصر الّتي احتدمت مع “حمى الثّورات”_ إلى إنجاز استحقاقين: أولهما، السّعي لإعادة الإسلام إلى الوسطيّة** والاعتدال الّتي تبدّت مع الوثائق الهامّة الصّادرة عنه، خصوصاً و”ثيقة منظومة الحريّات الأساسيّة” (8 كانون الثاني/ يناير 2012) و “وثيقة الرّبيع العربيّ” (31 تشرين الأول/ أكتوبر 2011)؛ ثانيها، الجهد المبذول لاستعادة دور الأزهر بوصفه مرجعيّة دينيّة، بعدما أرهقته السّلطات المتعاقبة والإحيائيات المتفاقمة.

كشفت الوثائق الصّادرة عن الأزهر عن وعي مؤسّساتي جديد، وعي إسلامي تنويري. ولم تمنح حقّها في الدّرس والتّحليل. يمكن القول إنّها ببنودها وخلاصاتها تتقدّم على المجتمع والسّياسة.

فرض المشهد المصري المتشكّل بعد “ثورة 30” حزيران/ يونيو 2013 أدواراً جديدة على إمامة الأزهر، ما أدّى إلى تداخل في أدواره بين السّياسيّ والدينيّ. ويمكن اعتبار هذا التّحدي حلقة من حلقات التّحديات الّتي تواجه الأزهر في ظلّ الصّراعات على الرمزيّة الدينيّة والإسلام التّقليدي. ولا شكّ أنّ تعامله مع المتغيّرات _ ومن ضمنها الدّور الجديد على صعيد هويّة الدّين والدّولة _ سيحدّد له دوره المستقبلي ويرسم وظائفة القادمة، ويحسم صراعه مع الفاعلين الجدد في إدارة المقدّس(3).

تحاول هذه الدّراسة للإجابة عن إشكاليّة أساسيّة: كيف ولماذا يسعى الإسلاميون (جماعة الإخوان المسلمين والسّلفيين) لاختطاف ومزاحمة الأزهر على مرجعية؟ وهي تنقسم إلى ثلاثة محاور: الأول، الأزهر والإخوان المسلمون..التّقدم والتّآكل؛ الثّاني، الأزهر والسّلفيون؛ والثّالث، الأزهر: تحديات ومراجعات.

 أولاً: الأزهر والإخوان المسلمون..التّقدم والتّآكل

تفاعلت جماعة الإخوان المسلمين مع الأزهر في بداية النّشأة عام 1928، ورسمت له صورة فحواها أنّه “الجيش الرّسمي العامل للإسلام، والإخوان من ورائه الجيش الاحتياطي”، ولم تنقطع رسائل حسن البنّا*** إلى الأزهر، الّذي تجاوب معها. ولمّا تولّى البنّا مجلّة “المنار” رحّب شيخ الأزهر المراغي، وكتب يقول: “إنّ البنّا يعرف مواضع الدّاء في جسم الأمّة الإسلاميّة”. وإذا وقع هجوم على الأزهر كانت الجماعة ترسل الاحتجاجات للقصر وتردّ في صحفها. بيد أنّه حدث أن تورّطت الجماعة في سلسلة من العنف، بسبب التّنظيم الخاصّ، كان أشهرها مقتل القاضي الخازندار في 22 آذار/ مارس عام 1948، ورئيس الوزراء النقراشي في 28 كانون الأول/ ديسمبر عام 1948.(4)

لا تعود محاولات الجماعة منافسة الأزهر على المرجعيّة إلى فترة إعتلائها الحكم بين عامي 2012 _ 2013 بل لها جذور تاريخيّة أبعد؛ “فمنذ ثلاثينات القرن العشرين يتصارع “الإخوان” مع الأزهر حول المرجعيّة في الدّين والمجتمع الإسلاميّ العامّ. سبق خلافهم مع الأزهر خلافَهم مع الدّولة المصريّة في زمني الملكيّة والجمهوريّة. فقد نظر البنّا، إلى الأزهر باعتباره مؤسّسةً تقليديّةً عاجزةً عن أداء المهمّات الّتي أوكلها المصريون والمسلمون عموماً إليها. وذلك لأنّ جمعيّة الإخوان والجمعيات المشابهة والّتي قامت في مصر منذ مطالع القرن العشرين، كانت تعتبر نفسَها وارثةً للشرعيّة أو قائمةً عليها، وخصوصاً بعد سقوط الخلافة العثمانيّة وإلغائها على يد مصطفى كمال. تطوّر هذا النّوع من الوعي إلى الحدود القصوى بعد الحرب العالميّة الثّانية، لأنّ الإخوان صاروا يعتبرون أنفسهم بديلاً عن الدّولة الوطنيّة المصريّة. أمّا الأزهريون فظلُّوا يعتبرون أنفسهم قبل إلغاء الخلافة وبعدها قائمين على التّعليم الإسلامي وعلى الفتوى وعلى الإرشاد العامّ، ولا يرون أنّ بينهم وبين السّلطات القائمة منافسةً من أي نوع. بل إنّ كثيرين منهم اعترضوا على مطامح الملك فؤاد واستخداماته للأزهر لتسنّم منصب الخليفة الّذي تخلَّى عنه الأتراك. وقد اعتبر الأزهريون (وهم حلفاء الدّولة المصريّة دائماً) أنّه لا يمكن تحت أي ظرف تسليم الدّعوة والتّعليم والفتوى إلى الحزبيين، وتجادلوا عَلَناً مع الإخوان ومع الجمعيّة الشرعيّة وجمعيّة إحياء الكتاب والسنّة أيّام الملكيّة، في رؤى تلك الجمعيات للتّعليم الدينيّ وللعلائق بالدّولة المصريّة كما بشأن العلائق والصّلاح للفتوى والإرشاد. ورغم الإزعاجات الكثيرة الّتي مارستها السّلطات الملكيّة والجمهوريّة تجاه الأزهر؛ فإنّ قلةً قليلة فقط من الأزهريين انتسبت لـ”الإخوان” مثل الباقوري والغزالي وسيد سابق والقرضاوي. وقد شكا هؤلاء الشّيوخ دائماً من أنّ “التّنظيم” هو صاحب السّلطة المطلقة في الجماعة، وأنّهم معزولون عن ذلك، رغم وجود بعضهم في مكتب الإرشاد، وهو السّلطة العليا في الجماعة ظاهراً. إنّ النّزاع بين “الإخوان” والأزهر كان نزاعاً على أمرين اثنين أساسيين: لمن المرجعيّة في الدّين؟ وأنّ نظام الحكم في الإسلام مدني لا ديني”.(5)

أدى تفاقم الاتّجاه الراديكالي إلى التّصادم بين الأزهر والإخوان، خصوصاً إثر لجوء الجماعة إلى العنف الّذي تمظهر في التّنظيم السريّ وفي تسرب أفكار سيّد قطب إليها. يعد سيد قطب (1906_1966) مفكّر جماعة الإخوان المسلمين ومؤسّس الكثير من أطروحاتها النظريّة، وتعتبر كتبه المرجع الأساسي لفهم خلفياتها الفكريّة. “ترك آثاراً فكريّة متعدّدة أثّرت في فكر الإخوان وغيرهم من الحركات الإسلاميّة المعاصرة. ويعتبر تفسيره للقرآن المعروف باسم “في ظلال القرآن” مرجعاً أساسياً لفهم فكره. وقد طوّر مفهومين أساسيين فيه: مفهوم الحاكميّة ومفهوم الجاهليّة المعاصرة. يلقى قطب تعاطفاً كبيراً في أوساط الإسلاميين على اختلاف فئاتهم، يقابله خصومة شديدة من بعض الأطراف الّتي تخالف الإسلاميين عموماً، ويرى البعض فيه ابتعاثاً لفرقة الخوارج الّتي ظهرت في القرن الهجري الأوّل، ورفعت شعار لا حكم إلاّ لله، وخرجت على الإمام علي بن أبي طالب. ويرى آخرون أنّه أسّس للتّشدد الدينيّ ومهّد لحركات التّكفير والهجرة الّتي عرفتها السّاحة العربيّة والإسلاميّة في ثمانينات القرن المنصرم وما بعدها”. (6)

أدلى القيادي السّابق في جماعة الإخوان المسلمين عبد السّتار المليجي بشهادة قال فيها: “إنّ الإخوان يعتبرون أنفسهم بديلاً عن الأزهر، ويعتبرون علماء الأزهر أقلّ شأناً وعلماً، وأنّ أعضاء مكتب الإرشاد كانوا يعملون على التّقليل من شأن علماء الأزهر لدحر مرجعيته، ويحاربون مجمع البحوث الإسلاميّة، ويسعون دائماً لتأسيس جبهات موازية لمؤسّسة الأزهر كصورة من صور الصّراع على المرجعيّة، ومنها “جبهة علماء المسلمين” الّتى يرأسها يوسف القرضاوي، و”جماعه أهل السنّة”، وغيرهما”. ويشير المليجي إلى أنّ كلّ المناهج الّتى يتربّى عليها هؤلاء مخالفة للمنهج الأزهري، لافتاً إلى أنّ تلك الجبهات الموازية تتمسّك بأنّها جماعات دعويّة، بينما هذا مجرّد ستار يخفون خلفه أطماعهم السّلطويّة. ويضيف: لقد ساهمت أوضاع الأزهر خلال النّظام السّابق فى تنامي هذه المطامع، وخصوصاً مع عدم وجود استقلال مادي”.(7)

احتدم الصّراع بين الأزهر والإخوان المسلمين على فترات متقطّعة ولأسباب عدّة في مقدمتها الخلاف حول هويّة المجتمع والدّولة. ففي الوقت الّذي اعتبرت فيه الجماعة، أنّ هويّة مصر والدّولة يجب أن تكون هويّة إسلاميّة محضة، ما يعني الإخلال بفقه العيش، شدّد الأزهر على الأخذ بكامل التّركيبة المصريّة الّتي تنهض على مبدأ التّعايش بين الأقباط والمسلمين. وإذا عدنا إلى فترة ما قبل “ثورة 25 يناير” تتّضح معالم القلق لدى الأزهريين من محاولات الإخوان مصادرة المجتمع وأخونته، وعلى الرّغم من هواجس الأزهر من “تغوّل السّلطات والتّوجس من السلفيّة الجهاديّة والدعويّة” لكنّه “ما أقلق الأزهريين كما أقلقهم صعود الإخوان، وزيادة جاذبيتهم منذ الثّمانينيات من القرن المنصرم(…) ويمكن ذكر أمرين زاد من توجّس الأزهر من هذا النّفوذ: النّجاح الّذي أحرزه الإخوان في عمليات تحويل المفاهيم، وتصاعد نفوذهم في أوساط الطّبقة الوسطى المتعلّمة والمتدينة، بما في ذلك الشّيوخ الشبّان بجامعة الأزهر ومعاهده الدينيّة”(8). تفاقم التّوتر بين الطّرفين خلال سنوات (2011_ 2013) خصوصاً مع المحاولات الإخوانيّة الدّؤوبة لاختطاف مرجعيّة الأزهر وأخونة مؤسّساته ومؤسّسات الدّولة.

إنّ قاعدة انطلاق الأزهر قائمة على فكرة “التّعايش المترتب على قبول هويات أفرزتها التّراكمات”، وقاعدة انطلاق الإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان “قدسيّة الفكرة”، الّتي يترتّب عليها اكتساح المشهد باللّعب على وتر الدّين، ومصادرة العمل الإسلاميّ بمساراته ذات الوجوه المتعدّدة لصالح مسار واحد أكثرها كلفة عند الفشل هو المسار السياسي، و”ظهور الفتن، وضياع التراث الوسطيّ للأمّة، والتّقوقع، ورفض الآخر”(9).

قدسيّة الهويّة هذه والخوف من فقدان التراث الأزهريّ الوسطيّ نتيجة تصاعد خطاب التّطرف إثر “ثورة 25 يناير”، دفع الأزهر لاتّخاذ إجراءات مهمّة لحفظ العيش المشترك واستعادة الهويّة الجامعة والحفاظ على مكاسب المجتمع والدّولة، فأصدر “وثيقة مستقبل مصر” لسدّ المنافذ أمام الإسلاميين من إخوان وسلفيين حيث شدّدت الوثيقة الّتي تضمّنت 11 محوراً على: “دعم تأسيس الدّولة الوطنيّة الدستوريّة الديمقراطيّة الحديثة، الّتي تعتمد على دستور ترتضيه الأمّة، يفصل بين سلطات الدّولة ومؤسّساتها القانونيّة الحاكمة. ويحدّد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكلّ أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التّشريع فيها لنوّاب الشّعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلاميّ الصّحيح، حيث لم يعرف الإسلام لا في تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه ما يعرف في الثّقافات الأخرى بالدّولة الدينيّة الكهنوتيّة الّتي تسلّطت على النّاس، وعانت منها البشريّة في بعض مراحل التّاريخ ، بل ترك للنّاس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسّسات المحقّقة لمصالحهم، شريطة أن تكون [المبادئ الكليّة للشّريعة الإسلاميّة هي المصدر الأساس للتّشريع]، وبما يضمن لأتباع الدّيانات السّماويّة الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينيّة فى قضايا الأحوال الشّخصيّة. اعتماد النّظام الديمقراطيّ، القائم على الانتخاب الحرّ المباشر، الّذي هو الصّيغةَ العصريّة لتحقيق مبادئ [الشّورى الإسلاميّة]، بما يضمنه من تعدديّة ومن تداول سلمي للسّلطة، ومن تحديد للاختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسؤولين أمام ممثلي الشّعب، وتوخّي منافع النّاس ومصالحهم العامّة في جميع التّشريعات والقرارات، وإدارة شؤون الدّولة بالقانون – والقانون وحده- وملاحقة الفساد وتحقيق الشّفافيّة التّامة وحريّة الحصول على المعلومات وتداولها. الالتزام بمنظومة الحريّات الأساسيّة في الفكر والرّأي، مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والمرأة والطّفل، والتّأكيد على مبدأ التّعدديّة واحترام الأديان السماويّة، واعتبار المواطنة مناط المسؤوليّة فى المجتمع. الاحترام التّام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار، وضرورة اجتناب التّكفير والتّخوين واستغلال الدّين واستخدامه لبعث الفرقة والتّنابذ والعداء بين المواطنين، مع اعتبار الحثّ على الفتنة الطائفيّة والدّعوات العنصريّة جريمة في حقّ الوطن، ووجوب اعتماد الحوار المتكافئ والاحترام المتبادل والتّعويل عليهما في التّعامل بين فئات الشّعب المختلفة، دون أيّة تفرقة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين . تأكيد الالتزام بالمواثيق والقرارات الدوليّة، والتّمسك بالمنجزات الحضاريّة في العلاقات الإنسانيّة، المتوافقة مع التّقاليد السّمحة للثّقافة الإسلاميّة والعربيّة، والمتّسقة مع الخبرة الحضاريّة الطّويلة للشّعب المصريّ في عصوره المختلفة، وما قدّمه من نماذج فائقة في التّعايش السّلمي ونشدان الخير للإنسانيّة كلّها. الحرص التّام على صيانة كرامة الأمّة المصريّة والحفاظ على عزتها الوطنيّة، وتأكيد الحماية التّامة والاحترام الكامل لدور العبادة لأتباع الديانات السّماويّة الثلاث، وضمان الممارسة الحرّة لجميع الشّعائر الدينيّة دون أيّة مُعوِّقات، واحترام جميع مظاهر العبادة بمختلف أشكالها، دون تسفيهٍ لثقافة الشّعب أو تشويهٍ لتقاليده الأصيلة، وكذلك الحرص التّام على صيانة حريّة التّعبير والإبداع الفنّي والأدبيّ في إطار منظومة قيمنا الحضاريّة الثّابتة”.(10)

كانت “ثورة 25 يناير” إيذاناً ببداية عَهْدٍ جديد، ولكن مع تطوّر الأحْداث بدأت الجماعاتُ الأصوليَّة الراديكاليّة في الظّهور على السّطح داعيةً إلى الأفكار الأكثر جموداً وانغلاقاً، فكان على الأزْهَر أنْ يتصدَّى لذلك موضّحاً صورة الإسلام الوسطي وأنَّه مِلْكٌ للأمَّة كلِّها، وأنَّه يقِفُ على مسافةٍ واحدةٍ من الجميع، ولن ينطوي تحت أي تيَّار أو فكر معيَّن، وأنَّه مصدرٌ للفكر الإسلامي الّذي يعتمد على القرآن والسُّنَّة وما اتَّفَقَ عليه علماءُ الأمَّة، وأنَّه المعبِّر الأمين عن المذاهب الفكرية والفِقْهِيَة في المدرسة الإسلامية.(11)

عزّز تأييد الأزهر لـ “ثورة 30” حزيران / يونيو 2013 التّناقض المرجعي، وأشعل احتداد الإخوان على الأزهر، ذلك التّأييد المدعم بالتراث الفقهي القائل بشرعيّة “إمارة الحاكم المتغلّب”، كما أفتى الشّيخ علي جمعة، مفتي الجمهوريّة المصريّة السّابق، “وما كان الأزهر ليغامر بالانحياز لإرادة الجماهير على حساب “الصّندوق الانتخابي” إلاّ عندما وصلت الدّولة تحت حكم الإخوان إلى أقصى درجات فاشيتها وفشلها في حماية التّعايش بين الهويّات المختلفة، والتّهوين من الدّماء، وتقديم نسخة مشوهة من فهم الشّرع الشّريف، و”تقديم دعوة غير منتجة لنموذج من خطاب ينتمي إلى سياق الدّولة”، ومن هنا اختار الأزهر قاعدة :”أخف الضّررين” في بيان خريطة الطّريق”.(12)

ظلّ الأزهر في تاريخه يستند إلى خطاب الوسطيّة لمواجهة خطاب التّطرف الّذي تمظهر لدى جماعات عنفيّة جهاديّة تكفيريّة ولدى تيّارات الإسلام السّياسيّ وفي طليعتها جماعة الإخوان المسلمين. وعلى الرّغم من قول البعض إنّ الأزهر يحتاج إلى ورشة إصلاح داخليّة تقلّل من منسوب التّشدد الحاضرة في عدد من مقرراته الدينيّة ولدى بعض مشايخه، يبقى أنّ وسطيّة الأزهر هي الصّفة الغالبة عليه، وهو في الفترة الأخيرة شدّد على النّهج الوسطي لحماية المجتمع والدّين والدّولة: “وسطيّة الأزهر الشّريف تنطلق من وسطيّة الإسلام الّتي هي تحصين للمجتمع من الإفرازات الّتي يمكن أن توجد بسبب التّضييق من المتطرّفين الّذين يعتمدون على نظرة ضيّقة للكون وللحياة، وينطلقون منها إلى تخطئة كلّ رأي مخالف لهم باسم الدّين، ويدينون كلّ فكر مخالف لفكرهم باسم الدّين، الأمر الّذي ينتهي بهم إلى تكفير النّاس، بل والنّيل من أعراض العلماء، ووصمهم بصفات غير لائقة. وعليه فالغلوّ في الدّين باب إلى التّطرف الّذي يقود إلى العنف والسّعي إلى إلزام المخالف رأيه بالقوّة، وتبنّي الأزهر لمبدأ الاعتدال ووسطيّة الإسلام هو سرّ بقائه إلى الآن شامخًا لم تؤثّر فيه حوادث الدّهر، وهو سرّ التفاف النّاس حوله، فهو الملاذ للجميع وهو الحصن والمدافع عن الدّين”.(13)

تآكلت شرعيّة الإخوان المسلمين ومشروعهم الديني والسّياسي بعد الأخطاء الجحيميّة الّتي سقطوا فيها خلال فترة وجودهم في الحكم. حاولوا أوّلاً مصادرة الدّولة وأخونة مؤسّساتها؛ وسعوا ثانياً إلى كسر مرجعيّة الأزهر ومنافسته من خلال مسالك مختلفة من ضمنها التّغلل في وزارة الأوقاف الإسلاميّة والسّيطرة على المساجد الكبرى والجمعيات الأهليّة.

بعد سقوط نظام الإخوان، استعاد الأزهر مرجعيته، بدعم رسمي وشعبي، واتّجهت الجماعة الّتي دخلت في صدام مع الجيش والدّولة، نحو مزيدٍ من العنف وتكفير الخصوم – خصوصاً بعد حظرها في مصر وعدد من الدّول العربيّة-، وهي مرشحة إلى تصعيد الاتّجاه العنفيّ (14) وغير قادرة على إجراء مراجعات جادّة والقيام بانقلاب على أدبياتها الحركيّة الراديكاليّة؛ فلا يوجد في تاريخ الحركات الإسلاميّة منظرون ثوريون أسّسوا لأفكار نقديّة خارج عباءة التّنظيم.

 

*****

* تمّ إنشاء الجامع الأزهر عام 359 هجرية الموافق 970 ميلادية، وأقيم الصلاة فيه أوّل مرّة يوم الجمعة في 7 من رمضان سنة 361 هجريّة الموافق 972 ميلاديّة. أنشأ الفاطميون الجامع الأزهر ليكون المسجد الرّسمي الجامع للقاهرة العاصمة الجديدة. وقد عُرف الجامع الأزهر في أوّل الأمر باسم _ جامع القاهرة_ ثمّ سُمّي باسمه الحالي، نسبةً إلى السّيدة فاطمة الزّهراء. (انظر: السّيد، أحمد محمود، مستقبل الأزهر بعد الثورات العربية، المركز العربي للدراسات الإنسانية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2013، ص ص 13_ 14). نحيل على مجموعة من المراجع نقلاً عن أحمد محمود السيد: بينها: سرور، جمال الدين: تاريخ الدولة الفاطمية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1994؛ خفاجي، محمد عبدالمنعم: الأزهر في ألف عام، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1988؛ قراعة، سنية: تاريخ الأزهر في ألف عام، مكتب الصحافة الدولي للنشر والتوزيع، القاهرة، 1968.

[1] السّيد، رضوان: الأزهر.. الحاضر والتّحديات المستقبليّة، ضمن كتاب: الأزهر مرجعيّة التّقليد السُنّي في أزمنة التّغيير، مركز المسبار للدّراسات والبحوث، دبي، الكتاب الثامن والثمانون، أبريل (نيسان) 2014.

** أطلق الأزهر في  شهر أيلول/ سبتمبر 2014 “منتدى الوسطية والحوار لمواجهة التّطرف“، وقد نظّمته الرّابطة العالميّة لخريجي الأزهر في القاهرة  تحت رعاية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيّب، بعنوان “الفكر المتطرّف.. أسبابه وعلاجه“. شارك في المنتدى الّذي عقد في مركز الأزهر للمؤتمرات نخبة من العلماء والدّعاة، لـ”بحث أسباب الفكر المتطرّف وسبل مواجهته والتّخلص منه، ونشر صحيح الدّين بمنهجه المعتدل الّذى يجسده الأزهر”. إنّ المناداة بالوسطيّة وترك التّشدد والغلوّ كانت ومازالت من أهداف الأزهر خلال تاريخه، وخير مثال على ذلك أنّ الأزهر لا يقتصر على دراسة مذاهب أهل السّنة، بل تتمّ فيه دراسة المذاهب الأخرى الموثقة والثّابتة. فقد اعتمد فى دراساته مذاهب الشّيعة الزيديّة والشّيعة الإماميّة، والإباضية، والظّاهريّة، بالإضافة إلى المذاهب السنية الأربعة ( الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية ). يذكر المقريزي أن أول أستاذ جلس للتّدريس في الأزهر هو قاضي القضاة أبو الحسن على بن النّعمان القيرواني ( ت 371 ه) وأوّل كتاب درّسه هذا الأستاذ هو كتاب الاختصار فى فقه الشّيعة أو فقه آل البيت فى بعض التّسميات، وهو من مؤلّفات أبيه: أبي حنيفة النعمان ( ت 360 ه) صاحب الكتاب المشهور المسمّى ” دعائم الإسلام ” بل إنّ المؤرّخين لم ينسوا أن يثبتوا أسماء الحاضرين فى هذا الدّرس. وبعد أربع سنوات جلس الوزير يعقوب بن كلس في رمضان سنة 369 ه ( ٩٨٠ م) ليدرس كتابه ” الرسالة الوزيريّة ” فى الفقه الشيعي على المذهب الإسماعيلي وكان من بين التّلاميذ الّذين استمعوا لهذا الوزير– فيما يذكر إبن خلكان – الفقهاء والقضاة والأدباء وأكابر القصر والدّولة.

انظر: الطيّب، أحمد: المخطوطات الألفيّة في مكتبة الأزهر، متوافرة على الإنترنت؛ انظر أيضاً: الأزهر بين اختراقين، مجموعة باحثين، تقديم رفعت سيد أحمد، متوافر على شبكة الإنترنت، على الرابط الآتي:

http://yafacenter.com/PubDetails.aspx?PubID=1008

(3) الحداد، محمد: وثائق الأزهر.. المضامين والدّلالات، ضمن كتاب: الأزهر مرجعيّة التّقليد السُنّي في أزمنة التّغيير، م.س، ص 40.

*** يرى رضوان السّيد أن دافع حسن البنا لإنشاء جماعة الإخوان المسلمين، تصوّره أنّ «الشّرعيّة» قد انحسرت عن الدّولة والمجتمع، وأنّ «الشّرعيّة» هذه تركزت في تنظيمه، الّذي يكون عليه أن يعمل على نشرها في المجتمع من جديد، وأن يعمل من جهة ثانية على الوصول إلى السّلطة لفرض تطبيق الشّريعة استعادة للمشروعيّة في دولة إسلاميّة خالدة. واعتبر السّيد أنّ «الإخوان» ما كانوا يريدون اصطناع مرجعيّة دينيّة في مواجهة الأزهر أو الاستيلاء على الأزهر فحسب. بل كان همهم تحويل التّنظيم إلى مرجعية عليا للإسلام، لكي يتمكنوا من خلال ذلك من الاستيلاء على الدّولة المصريّة باسم الدّين، لإعادتها «دولة إسلاميّة». انظر: السّيد رضوان: “ماذا يريد “الإخوان” تخريب الأزهر؟ صحيفة الشّرق الأوسط، 13 كانون الأول/ ديسمبر، 2013، على الرابط الآتي:

http://www.aawsat.com/home/article/13025

(4) انظر نقلاً عن القاضي، حسين: الأزهر والإخوان المسلمون… الماضي والحاضر، ضمن كتاب: الأزهر مرجعيّة التّقليدي السُنّي في أزمة التّغيير، م.س: مجلة النذير، العدد 3، السّنة الثّانية، 7 آذار/ مارس 1939، ص 17؛ عن رسائل حسن البنّا للأزهر يمكن مراجعة: الوثيقة رقم 48، دار الوثائق القوميّة، وكتاب حديث الثّلاثاء لحسن البنا، تقديم أحمد عيسى عاشور، مكتبة القرآن، القاهرة، 1985؛ البنّا، حسن، مذكرات الدّعوة والدّاعية؛ حمادة، محمود إسماعيل: حسن البنّا وجماعة الإخوان المسلمين 1928 _ 1949، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010.

(5) السّيد، رضوان: الأزهر و«الإخوان»»… ومصائر الصراع، صحيفة الاتّحاد الإماراتيّة، الأحد 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، على الرابط الآتي:

http://www.alittihad.ae/wajhatdetails.php?id=75565

(6) سيد قطب، موقع الجزيرة نت، على الرّابط الآتي:

http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/36b685ad-5e2d-4931-a41c-5469743f83cf

لمزيد من التفاصيل حول العلاقة بين الإخوان المسلمين وسيد قطب ومدى تأثر قادتها بالأفكار القطبيّة، نحيل على كتاب: المولى، سعود: الجماعات الإسلاميّة والعنف، موسوعة الجهاد والجهاديين، مركز المسبار للدّراسات والبحوث، دبي، الطبعة الأولى، 2013.

(7) منصور، إيمان، صراع الإخوان التّاريخي على الأزهر من البنّا إلى بديع، 20 أيلول/ سبتمبر، 2014، موقع مسبيرو، على الرّابط الآتي:

http://www.maspiro.net/files/7647-2013-07-11-23-27-49.html

(8) السيد، رضوان: الأزهر.. الحاضر والتّحديات المستقبليّة، م.س، ص 22.

(9) الأزهري، رشوان: الأزهر وأثره في تكوين الشّخصيّة المصريّة، إصدار مكتب رسالة الأزهر، رمضان 1432، ص14.

(10) وثيقة الأزهر الشريف حول مستقبل مصر، موقع الأزهر الشّريف، البوابة الإلكترونيّة للمعلومات والخدمات، على الرّابط الآتي:

http://www.alazhar-alsharif.gov.eg/Item/1116/2

(11) سيد، أيمن فؤاد: وَثائِقُ الأزْهَر وصَوْنُ الدِّين والمجتمع في الزَّمَنِ الحاضِر، مجلّة التّفاهم العمانيّة، العدد 40، 2013، على الرابط الآتي:

http://altafahom.net/index.php/nums/view/10/204

(12)الأزهر والإسلاميون.. صراع المرجعيّة”، موقع نبأ نيوز، 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 على الرابط الآتي:

http://www.nabanews.net/2009/43404.html

(13) شوقي علام مفتي الديار المصريّة: “الأزهر بين وسطيّة الإسلام .. وتشدّد خصومه“، الموقع الرّسمي على الرّابط الآتي: http://shawkyallam.com/ViewArticle.aspx?ID=64

(14) تمام، حسام: تسلف الإخوان: تآكل الأطروحة الإخوانيّة وصعود السّلفيّة في جماعة الإخوان المسلمين، وحدة الدّراسات المستقبليّة، الإسكندريّة، سلسلة مراصد، العدد الأوّل، الطّبعة الأولى، 2012.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This