المسجونون

الهائم وظلّه، الفقرة ٨٤

ذات صباح خرج المسجونون إلى فِناء العمل، ولم يكن الحارس موجودًا، فمنهم من استمرّ في عمله، جريًا على عادته، ومنهم من وقف خاملًا، ونظر حوله بعناد. وهنا تقدَّم أحدهم وصاح: «لتعملوا كما تشاؤون أو لا تعملوا على الإطلاق؛ فالأمران سيَّان. إنّ ضرباتكم الخفيّة قد تكشَّفت، وقد استمع إليها سجانكم أخيرًا، وسوف يُصدر عليكم حكمًا رهيبًا في اليوم التّالي. إنّكم لتعرفونه، في جبروته وبطشه، ولكن لتنتبهوا الآن إلى ما أقوله لكم، فقد أخطأتم فهمي حتّى اليوم؛ فلست كما أبدو لكم، وإنّما أنا أكثر من ذلك بكثير، فأنا ابن حارس السّجن، ولي عليه تأثير كبير. وإنّي لقادرٌ على أن أخلِّصكم، وأريد أن أخلِّصكم، ولكنّني بالطّبع لن أخلِّص منكم سوى أولئك الّذين يؤمنون بأنّني ابن حارس السّجن. أمَّا الآخرون، فليجنوا ثمرة عدم إيمانهم.»

وبعد قليل من الصّّمت، قال مسجون قديم: «ولكن ماذا يفيدك أن نؤمن بك أو لا نؤمن؟ لو كنت ابنه حقًّا، ولو كنت قادرًا على أن تفعل ما تقول، فلتقل له في حقّنا كلمة طيّبة، فهذا حقًّا أخلَقُ بك وأجدر؛ ولتدع مسألة الإيمان وعدم الإيمان جانبًا!» وفي تلك اللّحظة صاح شابّ: «بل إنّني لا أُومن به، فهو قد تشبّث بشيء في رأسه فحسب. وإنّني لأراهن على أنّنا سنظلّ هنا أيَّامًا ثمانية على حالنا هذا، دون أن يعلم حارس السّجن شيئًا.» وهنا قال آخِر المسجونين، وهو الّذي لم تطأ قدمه ساحة العمل إلاّ في تلك اللّحظة: «ولو كان قد علم شيئًا في وقت مّا، فإنّه لم يعُد يعلمه الآن؛ فقد مات حارس السّجن فجأة.» فهتف الكثيرون معًا: «مرحى! مرحى! يا سيّدنا الابن! يا سيدنا الابن! كيف حال ميراثك! ربّما كنّا الآن مسجونين لديك أنت؟» فقال المخاطَب بلهجة ذليلة: «لقد قلت لكم من قبلُ، إنّني سوف أُطلِق سراح كلِّ مَن يؤمن بي، ويؤمن بأنّ أبي ما زال حيًّا.» ولم يضحك المسجونون، وإنّما هزُّوا أكتافهم، وتركوه حيث هو.

*******

المصدر:

فؤاد زكريا: نيتشه، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف، مصر، الطّبعة الثّانية، ص187.

يمكنكم قراءة الكتاب كاملا من خلال هذا الرابط:

https://ia801601.us.archive.org/11/items/ketab4ar004/459.pdf

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This