القوقعة: شرّ مأساة السّرد العاري(ج1)

أوّلا : في جينيالوجيا القوقعة

إنطلاقا من فكرة الموسوعة أو ما يشبه الذّخيرة والتّراكم المعرفي والفكري  كانت تتشكّل فرضيات تأويليّة لتُحقّق عمليّة التّفاعل مع النّص. فخلال قراءاتي للقوقعة، وهي نصّ من أدب السّجون للكاتب السّوريّ مصطفى خليفة، كان يبدو لي أنّ هناك حفر عميق في تاريخ الانتظام الاجتماعيّ للمجتمعات العربيّة والاسلاميّة، يحضر باستمرار في سيرورة القراءة كموجّه إرشادي لمحاولة فهم “القدر” الاجتماعيّ السّياسيّ والثّقافيّ لشرّ المأساة الّتي لم تكن شيئا معطى طبيعي محتوم في صيرورة المجتمعات، بل كانت تُبنى في ظلّ شروط وظروف مبدأ التّناقض المجتمعيّ، وما ميّزه من جدليات القمع والنّضال، الإذعان وكلفة الحماية الباهظة الثّمن إلى حدّ  سلخ الوجه الانسانيّ والدّوس على كرامة مدهوسة. بمعنى وأنا أتأمّل الحقل اللّغوي الدّلالي، والثّقافي السّياسي الّذي يحتضن نصّ القوقعة، غالبا كنت أجد نفسي متورّطا في تخيّل ارتباطات نصيّة عميقة، وذلك تحت وقع الذّاكرة التّاريخيّة للكلمات والدّلالات وما تحيل إليه من سياقات شديدة التّركيب والتّعقيد والتّمفصل، ومختلف العلامات والخصائص المعنويّة والفكريّة للنّص في تشكّلاتها العميقة، الّتي تتجاوز النّص إلى ما هو مسطور بالدّم والألم في اللّوح التّاريخيّ لتجربة السّلطة والحكم في مجتمعاتنا عبر سيرورتها التّاريخيّة. لقد وجدت نفسي أمام نصّ، بوعي أو دون وعي من المؤلّف، يمتدّ في أدغال التّجربة التّاريخيّة السّياسيّة الثّقافيّة للمجتمعات العربيّة الاسلاميّة. وقد تبيّن لي أنّ غياب الإلمام بهذا المستوى المعرفي النّقديّ التّاريخيّ قد يضعف من عمق القراءة ويخنق أمل النّص في الإيديولوجيّ المباشر لسياقات الواقع الرّاهن وما يعتمل فيه من صراعات، ممّا يحول دون الانتباه إلى مدى كفاية النّص في إنتاج متخيّل فنّي قادر على إدراك جذور شرّ المأساة في سيرورة نشأتها وتكوّنها وتطوّرها عبر السّيرورة التّاريخيّة للمجتمعات العربيّة الاسلاميّة. فكيف أمكن لهذا العبء التّاريخيّ السّياسيّ في جهنّميته الرّهيبة للتّغلب والقهر، وفي العنف وسحق الانسان وتفكيك وجوده، وإلغاء أبسط أشكال حضوره الوجوديّ في المجتمع والتّاريخ والذّاكرة والثّقافة…، أن يحضر بقوّة في نسيج النّص ودلالاته وعلاقاته وارتباطاته المعقّدة كبعد فنّي جماليّ أدبيّ بتجربة الشّر في إنتاج الحياة العارية، حيث النّاس مهدّدون بموت غير مشروط يحرمهم من حقّ المأساة الإنسانيّة، وذلك لكونهم في نظر الطّاغية والعالم مجرّد بشر مستباحين، بتعبير جيورجيو أغامبين؟  هذا هو الموت المزدوج، إنّه لأمر مرعب أن يعذّب النّاس ويقتلون في السّجون إلى درجة إفنائهم، ثمّ يحرمون من جدارة تسمية هذا الموت الأحمر بالمأساة.

فالقهر والقتل ومختلف أشكال العنف الرمزيّ والدّموي، إلى جانب القسوة والخنوع والخضوع والذّل والمهانة وكلّ ما يندرج في الحقل الدلاليّ والثقافيّ السّياسيّ للعبوديّة والاسترقاق، المرتبطان بالاستبداد والتّغلب القهريّ والطّغيان السّياسيّ والدينيّ للبلاطات والعائلات الحاكمة في تاريخيّة مجتمعاتنا هو ما يشكّل البنى التّحتيّة والطّبقات العميقة للفراغات والأخاديد الّتي تملأ جوف القوقعة في صمت أقرب إلى الخرس. ففي النّص كمّ هائل من الآلام والمعاناة ومختلف أشكال القهر والتّعذيب الوحشيّ إلى حدّ القتل، وسلخ إنسانيّة الإنسان وتحطيمه كشيء تافه. وهدر حياة المئات، بل الآلاف من خلال التّعذيب، والتّحكم في الآخرين بما يتجاوز منطق التّملك والعبوديّة السّياسيّة والدينيّة في السّيطرة على الأجساد والقلوب، إلى التّحكم في الأرواح، بما يشبه القوّة الجبّارة الّتي ليس كمثلها شيء في تدبير شؤون الكون والعباد: في الرّزق والتّجويع، في الموت والحياة، في الإيمان والكفر، في الرّحمة والتّوبة والتّعذيب، في الإبعاد والقرب، في الولاء والبراء…

إنّنا إزاء التّجلي السّرديّ لتجربة رهيبة في تشكّل مجتمعاتنا حيث تضافر فيها التّكامل القهري الاستبدادي بين سيّد السّماوات وسيّد الأرض، وكانت هيبة كلّ واحد منهما في خدمة الآخر، ممّا جعل الحاكم فوق المجتمعات والتّاريخ البشريّ معلنا أسماءه الحسنى في الأبد والخلود والمُلك، وفي القهار الجبّار. وهو يتحكّم في أعمار النّاس إلى درجة يمكّنه لزبانيته تصفية ثلاثة إخوة دفعة واحدة لأب طاعن في السّن لم يكن يملك غير ألم الصّراخ.” يا ربّ.. يا ربّ العالمين، أنا قضيت عمري كلو صايم مصلّي وعم أعبدك، يا ربّ أنا ما بدي أكفر.. حاشا الله واستغفر الله العظيم.. بس بدي أسأل سؤال واحد: ليش هيك؟.. وبصوت عالي أقرب إلى الصّراخ وهو يلتفت إلى النّاس.. ولك ليش هيك؟؟ يا ربّ العالمين.. ليش هيك؟؟ أنت القوي.. أنت الجبّار.. ليش عم تترك ها الظّالمين يفظعوا فينا.. ليش؟…أنت ربّ العالمين.. معنا نحن وإلا مع ها الظّالمين؟ لحد الآن كلّ شيء يقول…إنّك معهم ..مع الظّالمين.” 1

هكذا تفتح القوقعة هذا الجحيم المسكوت عنه في ولادة ليس الاستبداد فحسب، وإنّما الطّاغية في مجتمعاتنا كإله اعتلى السّدة العالية للحكم ” تبارك الّذي بيده الملك وهو على كلّ شيء قدير” وهو يلعب لعبته الخطيرة في التّحكم في الحياة والموت: فالمرء مهدّد في أمنه وأمانه، وفي حياته في أي لحظة وذلك حسب مزاج الطّاغية ونواياه، أو وفق ما تراه زبانيته وشبّيحته انطلاقا من ثقافة الولاء وعشق القرب العبوديّ من الطّاغية.” كان في السّجن قرابة الألف سجين إسلامي، وفي يوم حزيراني قائظ، حطّت طائرات الهيليوكوبتر محمّلة بالجنود الّذين يقودهم شقيق الرّئيس، مدجّجين بالأسئلة، نزلوا من الطّائرات في ساحة السّجن، دخلوا على السّجناء في مهاجعهم وبالرّشاشات حصدوهم حصدا، جمعوا قسما منهم في السّاحات وقضوا عليهم جميعا.” 2 كانت الاعدامات بالجملة، والتّعذيب أيضا كان يتمّ بالجملة إلى درجة التّحكم في الجسد والفكر والرّوح والكلام…كما لو أنّنا في مطبخ الألوهة لعمليّة التّحطيم والتّدمير والإبادة للمتمرّدين ” الكفرة”، أو الخلق من جديد. هكذا يتمثّل المجتمع تجربة الاختطاف والاخفاء والتّغييب القسريّ للأفراد والجماعات في السّجون السّريّة والعلنيّة. وتبعا لهذه المعاني يسعى عنف السّلطة الغاشمة إلى تشكيل وجدان وفكر وخيال النّاس والسّجين تجاه نفسه وهو يقيم “حريّته” خارج السّجن: الدّاخل مفقود والخارج مولود. “إذا كان للاستبداد أكثر من مستوى ولون وممارسة ضمن الخطوط الحمر للسّلطة، فإنّ الطّغيان على العكس من ذلك هو نقيض هذه اللّعبة. إنّه السّلطة المحضة ليس على مستوى الحكم والسّياسة وحدهما، بل على مستوى المجتمع ذاته. الطّاغية باختصار يفترس المجتمع بما فيه من مؤسّسات وهيئات وناس. إنّه يلتهم الجميع ولا يقبل أن يترك شيئا خارجه قوّته، وسطوته تتغذّى من عمليّة الالتهام المستمرّة هذه حتّى ليصبح هو البلد والبلد هو…هم الطّغيان الاول ليس ردع خصومه، بل تدميرهم وإفناءهم. إنّه لا يكتفي إذا بالسّيطرة على النّاس من الخارج، بل يريد السّيطرة عليهم من الدّاخل، من داخل ذواتهم على مستوى السّلوك والفكر والإرادة وحتّى الوعي والكيان.”3 هذا ما تجسّده وتشخّصه وتبني سيرورة تدليله بوقع جمالي رائع حركة السّرد دون أيّة إضافات في تأكيد عري الفرد المهدّد بموت غير مشروط  في أيّة لحظة، إنّنا أمام حركة سرد حاف في حالة طوارئ قصوى تحسبا للحضور الوشيك للموت، من طرف السّجان/ السّيد الصّغير.

في الطّبقات الرّهيبة والمروّعة للقوقعة تتقاطع العلاقة بالسّلطة، في عنفها المرعب وقسوتها الجنونيّة في تحطيم الفرد، بالعلاقة مع الإله في جبروته وسلطان عظمة قوّته في النّيل من العصاة والكفّار والمشكوك في صدق عبوديتهم المفعمة بالذّل والمهانة. لا قدسيّة للحياة، فالموت هو سيّد الموقف في كلّ العلاقات حيث يخيّم باستمرار خارج السّجن وداخله بشكل مكثّف رهيب، إنّها علاقة مشحونة بالموت، حيث الشّبيحة أو الزّبانيّة من جنود وبلديات وشرطة تشتغل ليل نهار، وتجري على قدم وساق وهي تحصي حركات وسكنات المعتقلين في داخل السّجن وخارجه في شكل باذخ لتماهي حاكم الأبد  بالإله الذّي يتأسّس معنى خلوده في حكمه من خلال فناء النّاس، أي إبادتهم. لهذا كانت سطوة رعب الموت حاضرة في القوقعة بشكل مخيف ومفزع كشعور بالنّهاية الوشيكة الّتي تترصّد غفلة السّجين في حركاته وسكناته، وفي أبسط أشكال تواصله اللّفظيّ والجسديّ. وهذا ما يولّد في اللاّوعي نوعا من الخرس والخشوع الأقرب إلى الهروب في الذّات لحمايتها من التّهديد المحدق من خلال توسّط رمزي جسدي روحاني أخذ شكل القوقعة كتمثّل سردي لتجربة الموت في حضورها الطّاغي بهدف فرض الطّاعة والخضوع. هذا الحضور الجنوني والدّائم للموت في التّعذيب والاعدامات والمرض والتّجويع…، تؤسّس السّلطة من خلاله لوجودها كدليل على القوّة المطلقة الّتي لا تقهر. وفي سياق هذا الرّعب نفهم بشاعة العنف الّتي تميز العلاقة بين السّجين والسّجان الّذي يضطرّ هو الآخر مكرها وفق أساليب وحشيّة إلى التّماهي بالمعتدي والتّعلم الاجتماعيّ بين السّجان القديم والجديد الّذي سرعان ما يتخلّى عن انسانيته وتقزّزه وغثيانه بسبب الفزع من وحشية الاعدامات شنقا ليس للأفراد فقط، بل للقيمة الانسانيّة الّتي تسلخ منهم” وتخيّلت أن عناصر الشّرطة العسكريّة، هؤلاء الّذين أراهم أمامي، ذوو وجوه مسلوخة، أيّة قوّة سلخت هذه الوجوه؟…كيف سلخت؟…لماذا؟…أين؟…لست أدري لكن ما أراه أنّ الوجوه البديلة لا تشبه وجوه باقي البشر، وجوه أهلنا وأصدقائنا…مسحة غير بشريّة…غير مرئيّة، صحيح، ولكنّها قطعا موجودة.” 4الشّيء الوحيد الّذي ينمو في حركة السّرد العاري من أي توسّط رمزي للعلاقة بين السّجين والسّجان هو هلع الحضور القويّ والمكثّف للموت، أي قدرة السّلطة على منح الموت، دون أن تخشى لومة لائم في قتل المنبوذ، أو الانسان المستباح في هذه الحياة السّجنيّة العارية من بُعد الاعتداء والظّلم  والجريمة. هكذا تفجّر القوقعة صورا ذهنيّة لتراكم  في الذّاكرة حول السّيرورة التّاريخيّة لجنون السّلطة من الخليفة، ظلّ الله في أرضه، وصولا إلى حاكم الأبد، حيث الموت طقس يومي،” فقد يأتي الأمر بالموت علنا في غفلة من الحاضرين، والنّطع أو السّيف يرافقان الكلام الّذي لا نقاش فيه. والنّطع فراش من الجلد تقطع فوقه رؤوس من أمر بإعدامهم بحيث تقطع الرّؤوس لتوّها دونما مهلة، ودون أن يمكن لأي كان، من الحاضرين، الاعتراض على ذلك. يظلّ الخليفة في كلّ الظّروف” القايل” ذي القول النّافذ سواء كان في كامل وعيه وإدراكه، أو كان ثملا أشدّ الثّمالة يأمر بالموت أو بالحفاظ على الحياة. فقد شعر عبد الملك بن مروان  في حضرة رجل عرض عليه، فاشتهى قتله لما رأى من جسمه وهيئته، وقد يكون بسبب الاشمئزاز منه، أو بسبب الاحساس بالقدرة على القضاء عليه.”5

تخبرنا القوقعة بعدد هائل من المحاكمات الصّوريّة والعبثيّة وهي تُشرعن قتل الانسان من خلال الاعدامات شنقا بطريقة مروّعة ومؤلمة، كما لو أنّها الشّكل الغذائي لخلود سلطة الطّاغية، واستمرار سلطته وسطوته وتغلّبه القهريّ على النّاس وهو يرفع شعار الأبد في وجه الخصوم والمنافسين. وكأنّ متخيّل الكتابة في سيرورة القراءة الحيّة يمتصّ هذا التّاريخ الموبوء في ارتكاز الحكم في تاريخ مجتمعاتنا على الموت، أو في السّعي إلى السّلطة من خلال الموت، بأسماء برّاقة مخادعة للنّاس بين الشّهيد والمجاهد، والثّوري…، فالوقائع التّاريخيّة لاتزال تقطّر بدماء الأبرياء، والحكايات الكبيرة في هذا التّقاطع بين نصّ القوقعة والقراءة الموجّهة من خلال السّجل الثّقافيّ الخاصّ بتجربة التّسلط والحكم التّاريخيّة كثيرة ومؤلمة في استعباد الرّعيّة وقتل الخصوم والفتك بسبب أو دون سبب لزرع الخوف والرّعب، وفقا للنّص ( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) . فذاكرة السّجل الثّقافيّ  للقراءة تستحضر بألم ممارسة خلفائنا العظماء الأشاوس للعبة الموت بمختلف الأشكال من التّعذيب والإعدام وعرض الجثث، وتقرير ساعة الوفاة…، وهم يعبّرون عن قوّتهم في الانفراد بالامتياز الإلهي في منح الموت أو تأجيله، أو منح الحياة، وفتح باب التّوبة والعفو والمغفرة. ” فتهديد المرء في حياته، ثمّ إعطاؤه هذه الحياة من جديد، هو بمثابة إعادة خلق: فكأنّ الأمر يتعلّق، هنا، بنقل السّلطة بين السّماء والأرض .6 والقوقعة شاهدة على  الكثير من الحالات في القتل تحت التّعذيب، ليس قصد انتزاع اعترافات مّا، بل بهدف القتل السّاديّ والوحشيّ، حيث تجتمع الشّبيحة على السّجين كالكلاب الضّارية وهي تتلذّذ بالقسوة وبثّ الرّعب والألم والعذاب في الضحيّة وتحطيمه نفسيا وروحيا قبل الإجهاز عليه بشكل عدواني، أو من خلال ضرب السّجين الأعزل على الرّأس بشكل مفاجئ ممزوج بغدر التّوحش. ثمّ هناك حالات إنسانيّة كتبت بدمها طلب العفو والرّحمة بصورة فيها الكثير من الخنوع والقهر والذّل، ومع ذلك تركت بين مخالب الموت وعذابات الانتظار الّذي غالبا ما ينتهي بالشّنق، كما حدث بالنّسبة لشخص مرّ على اعتقاله سنوات دون أن يثبت في حقّه الجرم المشهود، لكن في يوم مفاجئ تمّ اعدامه. وفي هذا ما يناظر القدرة الإلهيّة في التّحكم في مصائر النّاس” ألم تر إلى الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه أن أتاه الله الملك، إذ قال إبراهيم ربّي الّذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت” هكذا هو الطّاغية العربي أبا عن جدّ.

بناء على هذه المعرفة والأفكار كانت تتكوّن وتطوّر سيرورة القراءة في حرقة أسئلتها القلقة حول الأساس والخلفيّة العميقة الجذور والأسس الّتي كانت تشرعن وتبرّر بناء طغيان الحكم من خلال إفناء وإبادة النّاس، بمعنى كيف أمكن للإبادة أن تكون إحدى الأدوات والآليات الرّهيبة في استمرار الحكم ومعاودة إنتاجه دون حاجة إلى الآليات الإيديولوجيّة والسّياسيّة؟ وانطلاقا من أيّة بنيات ثقافيّة اجتماعيّة سياسيّة انتقل الحاكم من مستوى الزّعيم والسّيد إلى مستوى القائد الخالد المفدّى وهو يسطو على امتياز إلهي، في التّحكم في مصائر النّاس من خلال قرار الإماتة” وهي صفة أساسيّة من صفات الألوهيّة باتت صفة له، وبذلك صارت الأرض والسّماء تلتقيان في شخصه.”7  ؟

هكذا كانت القوقعة تدقّ أجراس خطورة العنف الوحشي الّذي كانت سيرورة تكوّنه وتطوّره تلتهم كلّ شيء وهي تنشر التّصحر في كلّ ما كانت تطاله يد المطبخ الرّهيب للألوهة الأسديّة المستحدثة وهي تعيد الإنسان إلى عهده الأوّل العاري قبل أي توسّط رمزي لغوي أو إيمائي، إلى نوع من العراء والعري من كلّ قواعد القانون الأخلاقي، والتّواصل البشريّ الانسانيّ، في صورة أقرب إلى الإلغاء أو الموت الرّمزي خارج أي دلالة، أو تفاعل، أو علاقات مجتمعيّة طبيعيّة تعبّر عن حدّ أدنى من الحسّ الأخلاقيّ الانسانيّ، وخارج زمنيّة الشّرط البشريّ.” أمشي في الرّتل الدّائر حول السّاحة، منكّس الرّأس، مغمض العينين، ممسكا مطاط بيجاما من يتقدّمني، يجرّني خلفه…أتساءل أحيانا: أي كائن أنا؟ هل أنا إنسان؟ حيوان؟ شيء؟” 8 إنّها عذابات قلق الأجل والنّهاية المحتومة على يد سلطة اعتلت عرش السّماء دون أن يرفّ لها جفن الشّعور الانسانيّ وهي ممعنة في أفناء النّاس وحرق البلد، حيث لا يمكنها أن تكون وتضمن شروط ديمومتها، وتأبيد وجودها إلّا من خلال الإبادة وتدمير شروط حياة مجتمعيّة ينال فيها الانسان التّقدير والاعتراف. هكذا قتل النّاس صبرا في السّجون، حيث تمّ الاحتفاظ بهم في انتظار القضاء عليهم. واللّفظ – الصّبر – يعني في الأصل السّجن حتّى الموت، ” وتنقل الأخبار أنّ إحصاء للمقتولين صبرا تحت حكم الحجاج بلغ مائة ألف قتيل.”9

******

الهوامش

  1. مصطفى خليفة: القوقعة، يوميات متلصص، دار الآداب.
  2. المرجع نفسه.
  3. مصطفى حجازي: الإنسان المهدور، المركز الثقافي العربي، ط1س،2005، ص79.
  4. مصطفى خليفة: القوقعة.
  5. محمد النّاجي: العبد والرعيّة، ترجمة: مصطفى النّحال، المكتبة الوطنيّة،2009،ص265.
  6. المرجع نفسه، ص 269.
  7. المرجع نفسه، 269.
  8. مصطفى خليفة: القوقعة.
  9. محمد النّاجي: العبد والرعيّة، ص282.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. إيفو ريفول

    كيف ننتظر إنهاء التعذيب والاستبداد ونحن لا نصنع السلام أو نعرف ما هو السلام؟

أضف تعليق