البربريّة المتنوّرة.. الأرض كمتحف للهباء!

“فجأةً لم نعد قادرينَ على السّخريّة

فالمكان معدٌّ لكيْ يستضيفَ الهباءَ”

محمود درويش

***

لو لم تكن النّظريات الاجتماعيّة المختلفة والتّيارات الفكريّة الّتي حفل بها مجال الفلسفة والعلوم الاجتماعيّة تخاطب الإنسان، فإنّها في الأساس موجودة من أجله؛ ابتغاء مساعدته في تجاوز الأزمات المختلفة الّتي أمسى يرزح تحت نيرها، والّتي أثقلت كاهله، سوى أنّ التّفكير في قضيّة الإنسان تتطلّب فكرًا مركّبًا، منفتحًا على الاختصاصات المختلفة وشتّى ميادين المعرفة الإنسانيّة؛ وذلك نظرًا لتعقّد موضع يرتبط بالإنسان، تتداخل في تركيبته عوامل شتّى؛ اجتماعيّة، واقتصاديّة، وسياسيّة.

وفي هذا الصّدد يمكن الدّفع بنظريّة “تحليل النّظم الدّوليّة World Systems Analysis “ (*) الّتي طرحها “إيمانويل والرشتين Immanuel Wallerstein  ” وكذلك الحال بالنّسبة لكتابات فيرناند بروديل(**)، إلى الحدّ الّذي يجعلها تعلمنا ضرورة التّفكير الكونيّ، واعتبار الأرض بيتًا مشتركًا نتقاسم أجزائه جميعًا، ومن ثمّ سيمسي الجنس البشري برمّته مُفَكرًا فيه.

وعليه فلن يتمّ التّفكير لصالح فئة، أو زمرة، أو جماعة وإنّما هو تفكير في الجنس البشريّ وله أيضًا، ولا مجال للقول بأنّ هذا الضّرب من التّفكير بات محتّمًا؛ إذ أنّ كلّ واحد منّا، كما يقول إدجار موران Edjar Morin، حيثما يوجد في أنحاء العالم المعمور، أمسى محكومًا بمصير أرضي جماعي، طالما أنّنا نواجه المشكلات الحيويّة ذاتها الّتي تعرض للنوّع البشريّ كافّة، وتقع علينا التّهديدات المميتة نفسها، وقد صارت سرعة المركبة الفضائيّة الّتي نستقلّها “الأرض” في تزايد، وفي سباق متفرّد له أوجه متعدّدة هي: العولمة، والتّقريب، والتّطور، والنّمو([1]).

والمؤكّد أن نظريّة “تحليل النّظم الدّوليّة”_ سالفة الذّكر_ لها تخوم عدّة، ويمكن الدّفع بها إلى كثير من منصّات الفكر والمعرفة ومنها مثلًا: مدى أهميّة وضرورة الدّولة القوميّة والوطنيّة، لاسّيما إذا اعتبرنا الأرض برمّتها دولة لنا نحن بني البشر؟ وما هي صحّة الحقائق والاستخلاصات الّتي تستنتج من دراسات علميّة قابعة في تخصّص معيّن لا تتعدّاه؟ لكنّ كلّ هذه الأسئلة وغيرها خارجة عن مجال استقصائنا هنا، فما يهمّنا الآن أنّ الخطر صار معممًّا، وأنّ الكارثة أمست شائعة؛ فكلّ ما نحرزه من ضروب التّقدم ندفع ثمنه بالعملة النّادرة، من خوف وقلق وتوتر، والأرض الّتي نغزوها، نحن بني البشر، وننوّرها ليست إلاّ أرضًا ضائعة ([2])، وعمّا قريب ستغمرها الكارثة، لكنّها، وللمفارقة الغريبة، كارثة متنوّرة؛ إذ لم يشنّها همج أو رعاع، بل أناس على أعلى قدر من التّعليم والثّقافة والتّقدم، ناهيك عن أنّ الحروب والاستعمار والقمع تتمّ بحجج عقلانيّة وعقلانيّة تمامًا.

فالقرن الرّاهن، كما النّصف الأخير من القرن الّذي سبقه، شهد العديد من النّكبات الإنسانيّة العامّة، بما في ذلك التّهجير الشّامل والقسري لشعوب برمتها، ولبعض الأعراق والإثنيات، والتّطهير العرقي، وما نتج عن ذلك من خوف ورعب، إلى حدّ يمكن معه القول إنّنا عشنا ما يشبه الموت الأسود الّذي انتشر في العصور الوسطى ([3]).

والحروب الّتي يستعر لهيبها في الكثير من بقاع العالم وأقطاره لم تعد قاصرة على العسكريين وحدهم، وإنّما طالت المدنيين أيضًا، بل إنّ هؤلاء المدنيين لم يصبحوا الضّحايا فحسب، وإنّما غدوا هدف العمليات العسكريّة أو العسكريّة السّياسيّة الأوّل وإن لم يكن الأخير([4])، ومرد ذلك أنّ الحروب لم تعد قاصرة على الدّول الرسميّة وإنّما صار يقوم بها وكلاء رسميون من أولئك الّذين كانوا مدنيين سابقًا، فضلًا عن أنّ الخطّ الفاصل بين الحرب والسّلم لم يعد قائمًا؛ وذلك نظرًا لكثرة الحروب وتفشيها، فالعالم برمّته، كما يؤرخ إريك هوبزباوم، لم يشهد سلامًا ولم ينعم به منذ عام 1914م وحتّى الآن.

كارثة العولمة والمجتمع المفتوح:

ونظرًا لهذا الوضع الإنسانيّ المتردي ندّد “زيجمونت باومان” بأطروحة “المجتمع المفتوح (***)“؛ فانفتاح المجتمع سيكون ذريعة للظّلم الاجتماعيّ؛ إذ أنّ العولمة سوف تبسط جناحيها ليس على هذا المجتمع أو ذاك وإنّما على العالم برمّته، ولن يكون ثمّة مهرب ولا ملجأ منها إلاّ إليها، كما أنّ هذا المجتمع المفتوح سوف ييسّر دخول آليات العولمة، وبالتّالي إحداث فروق هائلة بين سكان المجتمع الواحد، فضلًا عن تلك الفروقات بين هذا المجتمع كلّه وبين المراكز الميتروبوليتانيّة وحواضر رأسمال المال. فـ “أسواق بلا حدود، والكلمة لباومان، وصفة للظّلم والخلل العالمي الجديد”([5]).

فالعولمة، يقول إريك هوبزباوم، في نموذج رأسماليّة السّوق الحرّة، الّذي بات الآن طاغيًا، جلبت زيادات رهيبة في التّفاوت الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وهو ما قد يؤدّي إلى انفجار على الصّعيدين المحليّ والدّوليّ ([6]).

وقد وصفت “باسكال بروكنر” مفارقة العولمة بفصاحة منقطعة النّظير بأنّها “التّماثل في الحال دون التّرابط في المآل”([7])، وهي هنا تشير إلى ما أشار إليه “أولريش بيك”، حين كان يتحدّث عن المخاطر الّتي تهدّد العالم الحديث، ولكن بطريقة أخرى، فالكوارث باتت تجتاح العالم برمّته؛ نظرًا لأنّ العولمة شوّهت الزّمان والمكان، ولأنّها، أي العولمة “تغيّر في السّلَم وفي الحدّة وفي السّرعة”([8])، ولكن كلّ منّا يمكنه حماية نفسه من هذه الكوارث بطرائقه الخاصّة، وحسب موقعه الاجتماعي، وبما يمتلكه من قدرات وإمكانات.

وعلى الرّغم من ذلك فإنّ “زيجمونت باومان” يعظنا بعدم الوقوف في وجه العولمة، فمضادّاتها والوقوف في وجه سيرورات تحقّقها غير مجديّة على الإطلاق، فـ “السّؤال، حسب “باومان” بطبيعة الحال، ليس عن كيفيّة إعادة نهر التّاريخ، ولكن عن كيفيّة الكفاح ضدّ تلوّثه بالبؤس الإنسانيّ، وكيفيّة توجيه تدفّقه؛ لكي يحقّق توزيعًا أكثر تساويًا لما يحمله من فوائد”([9]).

وباختصار يتمثّل الأمر أو بالأحرى المهمّة الواقعة على كاهلنا في اختراع نظام عالمي جديد تُداوى فيه جراحات الجنس البشري وتتحسّن فيه شروط وجوده، ويجمع بين طياته محاسن كلّ الأنظمة والأيديولوجيات السّابقة عليه من رأسماليّة واشتراكيّة …. إلخ.

“إن ردًا على العولمة، يقول باومان، لابدّ أن يكون عولميًا، ومصير ردّ عولمي كهذا يعتمد على ظهور وتمترس ساحة سياسيّة عولميّة، ….، إنّ ساحة كتلك هي ما يفتقد بشكل واضح اليوم “([10])،

يتعيّن علينا، إذًا، أن نتّبع نصيحة الروائي الإيطالي “إيتالو كالفينو”، وأن ندرك الجحيم، وأن نراها بعمق، لنتعلم كيفيّة التّعامل معها، لا أن ندفن رؤسنا في الرّمل ونهرب من ميدان المواجهة.

التّقدم المفرط وإفراز الأضداد:

ما قيل حتّى الآن ليس معناه أنّ الحضارة لم تتقدّم، وإنّما تقدّمت تقدّمًا مفرطًا، وهذا الإفراط في التّقدم، هو الّذي أدّى إلى كلّ هذه الكوارث الّتي يرزح النّوع البشري تحت نيرها؛ فما أن درات عجلة التّقدم حتّى انطلقت بسرعة هائلة غير متوقّعة، لكنّها، وللأسف، انحرفت، وبنفس السّرعة، عن القضبان.

وهو الأمر الّذي يعني أنّ المأمول صار واقعًا متحققًا، وهنا مكمن المشكلة، فالتّقدم أمسى “وضعًا قائمًا أكثر من كونه وعدًا آتيًا”([11])، و “بدلًا من أن نسير بخطى سريعة في مدارج المستقبل بتنا نرزح تحت وطأة حركة جامدة شرسة”([12]).

لقد سار التّاريخ البشري في وضع منحرف لم يكن أحد يتمنّى أن يسير فيه، وها هي كلّ القيم والتّعاليم الّتي رفع التّنوير لوائها، وكان أنصاره مستعدين للعيش من أجلها بل والموت في سبيلها انقلبت في عصر ما بعد الأنوار وأفرزت الضّد تمامًا، حتّى إنّه ليمكننا القول، وعن طيب خاطر، أنّنا في عصر البربريّة الجديدة لكن المتنورة.

لم تعد فكرة التّقدم هي القانون النّاظم للتّاريخ، وإنّما تخلّت عن مكانها لصالح اللايقين والمخاطر وصنوف التّهديدات ([13]). فلقد تبدّلت كلّ المقولات الكبرى، وفقدت الكثير من بريقها؛ فلم تعد تجذب الأسماع كما كان في الماضي، فالكثير منها بات ينطوي على تناقضات جمّة وخليط من الخير والشّر.

فما يسمّيه “إدغار موران” محرّكًا رباعيًا قاصدًا به: العلم، والتّقنيّة، والاقتصاد والرّبح، كان من المفترض أن يخلق التّقدم، لكنّه صار يدفع مركبتنا الفضائيّة (الأرض) إلى موت مزدوج؛ موت المجال الحيوي، والموت النّووي. وإذا كان من الثّابت أنّ العلم ينير العيون فإنّه في الوقت الحاضر يعمي الأبصار ([14]).

وإزاء هذا الوضع المتردي على شتّى الأصعدة الإنسانيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة على حدّ سواء بات في مقدورنا الحديث عن ثلاثيّة متماسكة صلبة تجمع “التّقدم والخوف والخطر” فهذا ثالوث مقدّس، يحيل بعضه إلى بعض، من دون وجود بداية أو نهاية محدّدة.

ففي ملاحظة متبصّرة يلفت “باومان” الإنتباه إلى أنّ مبالغتنا في حماية أنفسنا وأجسادنا من خطر الجريمة، والعيش في أماكن مغلقة وصناعة المسافات بيننا وبين الآخرين الّذين لا ينتمون إلى نفس طبقتنا أكبر دليل على فقدان الأمن والاستقرار، وحتّى تعاملنا مع الخوف بتجاهله لا يني يفضح خوفنا، ويكشف أسرارنا الّتي دفناها داخل أنفسنا ([15]).

إنّ تبصّرًا معمّقًا في القرن الرّاهن وما يشهده من قضايا وأحداث جسام ومخاطر جمّة تهدّد باقتلاع الجنس البشريّ ليجعل مقولة هوركهايمر الّتي كتبها عام 1947م ” ثمّة شعور كوني بالخوف وخيبة الأمل “([16]) ماثلة، وتملك كل الكثاقة الدّلاليّة الّتي كانت تتمتّع بها وقت كتابتها.

دورة الخوف:

وعلى الرّغم من أنّ “دورة الخوف”، الّتي يتحدّث عنها “زيجمونت باومان”، تبدو وكأنّها تستمدّ قدرتها من داخل ذاتها، إلّا أنّها، في الحقيقة، تستمدّ قدرتها على الاستمرار والبقاء من “الهزّات الوجوديّة”([17]) وهي هزّات رافقت البشريّة منذ أزمان بعيدة، حين كانت خاضعة لضربات القدر الّتي لا تعرف للرّحمة اسمًا ولا عنوانًا.

كلّ هذه التّحليلات والتّحديدات تشير إلى شيء واحد ووحيد أنّ “وضع الإنسان ليس على ما يرام”([18])؛ فهذا الإنسان مشروع حضاري لم ينجز بعد، فكلّ شيء على ما يرام في هذا العالم إلاّ الإنسان الرّازح تحت ويلات الحروب ونير الأنظمة السّياسيّة الّتي تستعبده بمقولات التّحرر والحريّة.

إنّ أزمة الإنسان المعاصر أزمة مركّبة. وهذه الأزمات والنّكبات الّتي يعاني منها بنو البشر تتطلّب فكرًا كونيًا، لاسيّما وأنّه بات من الثّابت والمعروف أنّ وحدة المصير البشريّ واحدة، فالكوارث والخيبات والنّكبات تعمّ الجميع، وتطال كلّ بقاع كوكبنا الأرضيّ دون تمييز أو تفرقة، لاسيّما في عصر العولمة وثورة الإتّصالات والمواصلات واندغام الزّمان والمكان وتقليص الحدود والمسافات.

 

*****

الهوامش:

(*) ترجم هذا الكتاب إلى العربيّة عام 2015م، وصدر عن الدّار العربيّة للعلوم ومركز الجزيرة للدّراسات، وقد ترجمه أكرم حمدان.

(**) فرنان بروديل 1902م: 1985م: مؤرّخ ومفكر فرنسي له العديد من الدّراسات مثل: ديناميكة الرأسماليّة، المتوسّط والعالم المتوسّطي، تاريخ وقواعد الحضارات، وثلاثتها مترجم إلى العربيّة، والأخير ترجم مرّتين، وقد كان بروديل معني بالتّأريخ للحضارات المختلفة والتّفكير فيها، ومن ثمّ ليس غريبًا أن يكون المركز الّذي ترأسه إمانويل والرشتين مسمى بـ “مركز فرناند بروديل للدّراسات بجامعة بينجهامتون” وهو ما يعد دليلًا على تأثره به تأثرًا شديدًا.

(***) المجتمع المفتوح هي أطروحة نظريّة كان كارل بوبر قدمها في كتابه ” المجتمع المفتوح وأعداؤه ” ترجمة السّيد نفادي، بيروت، دار التّنوير، عام 1998م.

*****

المراجع:

1-إدغار موران: هل نسير إلى الهاويّة، ترجمة عبد الرحيم حزل، المغرب، افريقيا الشرق، غير مبين رقم الطبعة، عام 2012م، ص 5.

2-باسكال بروكنر: بؤس الرفاهيّة: ديانة السّوق وأعداؤها، ترجمة: السّيد ولد أباه، السّعوديّة، مكتبة العبيكان، عام 2006م، ص 253.

3-إريك هوبزباوم: العولمة والدّيمقراطيّة والإرهاب، ترجمة أكرم حمدان ونزهت طيب، بيروت، الدّار العربيّة للعلوم ناشرون، عام 2009م، ص 45.

4-    المرجع نفسه، ص 18.

5-زيجمونت باومان: الأزمنة السّائلة: العيش في زمن اللايقين، ترجمة: حجاج أبو جبر، تقديم هبة رؤوف عزت، بيروت، الشبكة العربيّة للأبحاث والنّشر، عام 2017م.

6-إريك هوبزباوم: العولمة والدّيمقراطيّة والإرهاب ….، ص 44.

7-باسكال بروكنر: بؤس الرفاهيّة …..، مرجع سابق، ص 31.

8-المرجع نفسه، ص 29.

9-زيجمونت باومان: الأخلاق في عصر الحداثة السّائلة، ترجمة: سعد البازعي وبثينة الإبراهيم، أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 2016م، ص 106.  وتجدر الإشارة هنا إلى أن زيجمونت باومان ليس له كتاب بهذا العنوان، وإنما اختار المترجمان ترجمة كتابه المسمّى بـ” Does Ethics Have a Chance in a World Of Consumers ”  تحت عنوان ” الأخلاق في عصر الحداثة السّائلة ” من باب التّقريب والتّيسير وتمشياً مع مشروع السّيولة الّذي يطرحه المؤلف.

10-زيجمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السّائلة، مرجع سابق، ص 107.

11-باسكال بروكنر، بؤس الرفاهيّة … مرجع سابق، ص 250.

12-المرجع نفسه، والصّفحة نفسها.

13-إدغار موران، هل نسير إلى الهاويّة ….، مرجع سابق، ص 5.

14-المرجع نفسه، ص 42.

15-زيجمونت باومان، الأزمنة السّائلة ….، مرجع سابق، ص،ص 34، 35، 40.

16-  Max Horkheimer: Eclipse of reason, Oxford, University press, New York, 1947, p 1.

17-زيجمونت باومان، الأزمنة السّائلة ….، مرجع سابق، ص 33.

18-جياني فاتيمو: نهايّة الحداثة، ترجمة: نجم بو فاضل، بيروت، المنظمة العربيّة للترجمة، أبريل/ نيسان عام 2014م، ص 43.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق