ميشيل فوكو وجاك دريدا : تواصل فلسفي ونقد معرفي / هيثم سرحان

يعدُّ السِّجال الذي دار بين جاك دريدا وميشيل فوكو واحداً من أبرز السِّجالات التي شهدتها الفلسفة الغربية في نصف القرن العشرين الثاني· وقد قام هذا السِّجال ردّاً على ما أفضت إليه البنيوية التي كانت تعصف بكافة المناشط المعرفية الغربية حيث استطاعت وبسرعة عجيبة أنْ تخترق جميع أشكال الممارسات النقدية·
بيد أنَّ حركة مناهضة عنيفة قامت احتجاجاً على شمولية البنيوية المتجسِّدة في عزل بنيات النشاط الإنساني عن الظواهر والنصيَّات المدروسة استناداً إلى الرِّهان المستند على البنية بوصفها عناصر ومكونات ثابتة ترتبط فيما بينها بعلاقات تشكّل وحدة البنية وجوهرها·
لقد نقض ميشيل فوكو الطابع الميكانيكي الذي تصدر عنه البنيوية، ورأى أنَّ البنية لا تقف عند حدود العلاقات، وإنما هي ممتدة في الممارسات والخطابات المُقصاة والأرشيف الأسود· لذلك فقد أخذ يبحث عن مديات بنيوية جديدة لدفع الشمولية والتمركز عن نسخة البنيوية التقليدية· ورغم أنّ فوكو لم يكن بنيوياً من وجهة نظره الخاصة لاعتقاده بأنّ صفة ”بنيوي” رفيعة وتمنحه شرفاً، إلاَّ أنه كان يرى أنه لا يستحقُّها· مما يعني أنه كان مُتحفِّظاً على أداءات البنيويين الذين انخرطوا في ممارسة بنيوية تقليدية وشوهاء·
إنّ ممارسة البنيوية الخلاقة، كما يراها فوكو، تتمثل في تجاوز الثابت وعدم التسليم بمنطق التطابق الفجّ الذي كانت تنجزه البنيوية في نسختها التقليدية، إنها الانحياز للتحوّل القادر على إنتاج علاقات متوارية وخفية· وبما أنَّ للبنيوية طابعاً لمَّاساً يمنحها قدرة ملامسة الحقول المتنوعة فإنّ ذلك يمنحها قدرة مجابهة ما يحيط ببرامجها من انتظام وتماثل·
وهنا يعود فوكو إلى نقد المفاهيم السوسيرية التي تمنح الدال فرصة الإدلاء والتمركز، ويرى أنَه لابدَّ من تشقيق الدوال والبحث عن مدلولاتها المطمورة بفعل الأنظمة المهيمنة، وتحرير الخطابات من قراءات السلطة التي نجحت في احتكار الدوال وإنتاج تأويلها· والطريق إلى ذلك يكون بالكشف عن الدوال والنصيَّات المستبعدة التي تمَّ حجبها وجعلها لا نصّاً، وعبر أركيولوجيا تعيد رصد المستبعد والخفي·
أما جاك دريدا فقد واصل نقد البنيوية متكئاً على إرث فلسفي عريق يستمدُّ مفاهيمه من نيتشه وهايدجر، ورأى أنَّ البنيوية هي ابن شرعيٌّ للميتافيزيقيا تلك الفلسفة التي ظلَّت تهيمن على مختلف النظريات والبرامج الفلسفية التي استندت إلى التقسيم الثنائي الذي قامت عليه الميتافيزيقيا· لذلك فقد بدأ دريدا بتوجيه ضرباته إلى أشد الحلقات الفلسفية قوة ومتانة، مُخلخلاً بذلك مفهوم العلامة اللسانية بشقيها السيميولوجي السوسيري والسيميولوجي البارتي· لقد استبدل دريدا مفهوم الكتابة بالعلامة اللسانية، وقام بوضع كشطة تحت العلامة، وهو استبدالٌ يتضمَّن خلخلة للميتافيزيقيا الغربية التي أعلت من شأن الدوال وانحازت انحيازاً مطلقاً للكلام· إنّ تفكيكية دريدا لا تكتفي بوضع الكشطات تحت العلامات وإنما تقوم بمساءلة التعارضات الثنائية في حين أنَّ أركيولوجية فوكو تبحث في منطق التعارضات وتعيد الاعتبار لأطراف الثنائيات المُستبعدة·
لقد سدد دريدا نقده للبنيوية في مقالتين شهيرتين؛ الأولى: ”البنية واللعب في خطاب العلوم الإنسانية” وهي البحث الذي قدمه في مؤتمر ”لغات النقد وعلوم الإنسان” الذي نظَّمه مركز الأبحاث في جامعة هوبكنز عام 1966 وفيه أعلن موت البنيوية، والثانية: ”الكوجيتو وتاريخ الجنون” حيث نقد فيها كتاب ميشيل فوكو ”تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي= الجنون والحضارة”· وقام دريدا بمهاجمة فوكو من خلال دفاعه عن التحليل النفسي الذي كان فوكو قد نعته بـ”منولوج العقل عن الجنون”· ويرى دريدا أنَّ فوكو يتحدَّث عن الجنون كما لو أنه يعرف ما يعنيه الجنون، وهي مغالطة فلسفية نتجت عن موقف فوكو وانحيازه الكامل لشق الثنائيات المستبعد· ويشكك دريدا في وجاهة التعارضات الفوكوية ويرى أنها موضعُ شكٍّ؛ لأنّ فوكو يتحدث من منطقة العقل ويتحدَّث بلسانه· وإذا كان العقل وجه الجنون الآخر، حسب فوكو، فإنَّ ذلك يفقد فوكو صفة الأركيولوجيا التي يدَّعيها لخطابه؛ إذ إنَّ كتابة الصمت والمقصي لا تكون بالإقامة في الكلام والمتمركز، ثمّ إنَّ هذه الأركيولوجيا تفقد جدواها طالما أنها تفرض كلام العقل على صمت الجنون، وطالما أنها تدعي كتابة تاريخ الجنون قبل أن تستولي عليه المعرفة·
لقد رأى دريدا في أركيولوجيا فوكو حول الجنون إساءة قراءة لديكارت الذي اعتقد فوكو أنه أول من أقام فصلاً بين الجنون والعقل· وردّاً على إساءة قراءة فوكو الأركيولوحية لديكارت قام دريدا بإعادة قراءة ديكارت تفكيكيا حيث رأى دريدا أنّ ديكارت منح الكوجيتو اسم الجنون قبل أنْ يبدأ بتدشين مقتربه ”أنا أفكر”· فـ”أنا أفكر” والكوجيتو مفهومان قابلان للتبادل حيث يمكن لكل منهما أنْ يحل محل الآخر·
ومن جانبه قام فوكو بكتابة مقالة يردُّ فيها على مقالة دريدا ضمّنها في الطبعة الثانية لكتابه ”تاريخ الجنون”، عنوانها ”جسدنا: هذه الورقة، هذه النار” أشار فيها إلى إساءة قراءة دريدا التي تركزت على الكوجيتو قبل إدراكه في حين أنَّ قراءة فوكو تشدِّد على استبعاد ديكارت للجنون وعدم استبعاد الحلم· وفي النهاية فإنَّ فوكو يرى أنَّ قراءة دريدا لديكارت تتضمن تعميماً للشك الذي يُقصي اليقين الديكارتي عن ديكارت·
إضافة لذلك قام فوكو بنعت دريدا بكونه ممثل النظام الكلاسيكي الأكثر حسماً؛ حيث إنه ”يختزل الممارسة المنطقية إلى آثار نصية، ويستبعدُ الأحداث التي يُنتجها النص كي لا يُبقي على شيء سوى إشارات من أجل القراءة، ويبتكر أصواتاً وراء النصوص لئلا يحلل أشكال تضمين الذات في الخطاب، وينسب المنطوق وغير المنطوق في النص إلى مكان أصلي كي لا يُعيدَ الممارسات المنطقية في مجال التحويلات إلى الموضع الذي يظنه تأثيرها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق