الأزهر مرجعيّة الإسلام التّقليدي: التّهديدات و”السّكينة في الدّين” (ج2)

 

ثانياً: الأزهر والسّلفيون

يحاول السّلفيون اختراق الأزهر ومنافسته على المرجعيّة الدينيّة. تحدّث كثيرون عمّا أسموه اختراقاً سلفياً وهّابياً لجدران الأزهر، وقد حذرت دعوات من التّمدد السّلفي في البنيّة الفكريّة للأزهر، غالبيتها صادرة عن أزهريين، تحديداً من قبل الملتحقين بالعقيدتين الأشعريّة والماتردية، اللتين تدين بهما غالبية الأزهر منذ تسنُنه****، بموازاة التيّار الصّوفي الذّي ناصبته السلفيّة العداء منذ ظهور الجماعات السلفيّة الأولى في مصر ممثلةً في جماعة أنصار السُنّة المحمديّة والجمعيّة الشرعيّة، اللّتين دشّنتا في الأساس بتأثير سلفي للوقوف أمام هذا التّوجه الصّوفي الّذي اتّشحت به الجماعة الأزهريّة. (15)

من المعروف أنّ عقيدة الأزهر هي العقيدة الأشعريّة وهي عقيدة أهل السُنّة والجماعة. يعتبر ابن تيمية الأب الرّوحي للسّلفية، فما هو موقفه من الأشاعرة؟

ردّ شيخ الإسلام ابن تيميّة على الأشاعرة في مسائل العقيدة، وهذه الملاحظات لم تمنعه من أن يقول عنهم: “إنّهم من أهل السُنّة، وإنّهم ليسوا كفّاراً باتّفاق المسلمين”. وقد انتقد مذهب الأشاعرة ووضع كتباً. يقول في معرض ذكره لذمّ السّلف لأهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم: ” وإن كان في كلامهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السُنّة ما لا يوجد في كلام عامّة الطّوائف، فإنّهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السُنّة والجماعة والحديث، وهم يعدون من أهل السُنّة والجماعة عند النّظر إلى مثل المعتزلة والرّافضة وغيرهم، بل هم أهل السُنّة والجماعة في البلاد الّتي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرّافضة ونحوهم”. ويفضّل ابن تيمية أقوالهم على أقوال غيرهم من المعتزلة والجهميّة والفلاسفة؛ وهو يذكر أنّهم أقرب إلى السُنّة من غيرهم، ويقول: “إنّ الكلابيّة والكراميّة والأشعريّة أقرب إلى السُنّة والحقّ من جهيمة الفلاسفة والمعتزلة ونحوهم باتّفاق جماهير المسلمين”. ويقول عن الأشعريّة بعد ذكر مجمل عقائدهم: “فكان هؤلاء بينهم وبين أهل الوراثة النبويّة قدر مشترك بما سلكوه من الطّرق الصّابئة في أمر الخالق وأسمائه وصفاته، فصار في مذهبهم في الرّسالة تركيب من الوراثتين، لبسوا حقّ ورثة الأنبياء بباطل ورثة أتباع الصّابئة كما كان في مذهب أهل الكلام المحض المبتدع _ كالمعتزلة_ تركيب ولبس، بين الإثارة النبويّة وبين الإثارة الصّابئة، لكنّ أولئك أشدّ اتّباعاً للإثارة النبويّة وأقرب إلى مذهب أهل السُنّة من المعتزلة ونحوهم من وجوه كثيرة”.(16)

دافع ابن تيميّة عن شيوخ الأشاعرة وعلى رأسهم ابن كلاب، وكثيراً ما يقرن الأشعري بابن كلاب والكلابيّة. فيقول مثلاً: “لهذا كان المتكّلمة الصفاتية كابن كلاب والأشعري وابن كرام خيراً وأصحّ طريقاً في العقليات والسّمعيات من المعتزلة، والمعتزلة خيراً وأصحّ طريقاً في العقليات والسّمعيات من المتفلسفة، وإن كان في قول كلّ من هؤلاء ما ينكر عليه وما خالف فيه العقل والسّمع، ولكن من كان أكثر صواباً وأقوم قيلاً كان أحقّ بأن يقدّم على ما هو دونه تنزيلاً وتفصيلاً”. يرى شيخ الإسلام أنّ الباقلاني فحل الطّائفة الأشعريّة، ويقول عنه إنّه: “أفضل المتكلّمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيه مثله، لا قبله ولا بعده” ويذكر عنه أنّه: “أكثر إثباتاً بعد الأشعري في الإبانة”. (17) ردّ ابن تيميّة على الأشاعرة في مسائل العقيدة مثل قضايا توحيد الربوبيّة والألوهيّة والصّفات عموماً وكلام الله والعلو والاستواء والقدر.(18)

وصف الإمام الأكبر الشّيخ الدكتور أحمد الطيّب “السّلفيين الجدد” بأنّهم خوارج العصر، محذّراً من وجود مخطّط لاختطاف الفكر والمنهج الأزهري الوسطي المعتدل الّذي حافظ الأزهر عليه لأكثر من ألف عام. جاء كلامه في سياق الأحداث الّتي شهدتها مصر بعد هجوم السّلفيين على الأضرحة ومقامات الأولياء عام 2011، حيت أكّد أنّ هذه العمل يخالف صحيح الإسلام”، وأنّ “الأزهر سيبقى أشعريّ المذهب ومحافظاً على الفكر الصّوفي الصّحيح الّذي انتمى إليه عشرات من شيوخ الأزهر على مدى تاريخه؟”.

دخل التيّار السّلفي في حال من الصّدام مع الأزهر، وثمّة خلافات عقديّة بين الطّرفين. تعتبر الدّعوة السلفيّة بالإسكندريّة (الّتي انبثق عنها حزب النّور وشارك في أوّل انتخابات برلمانيّة بعد ثورة يناير)(19)، أبرز ممثل للسّلفيين، نشأت في سبعينيات القرن الماضي (بين عامي 1972 _1977) على أيدي مجموعة من الطّلبة المتدينين، كان أبرزهم: (محمد إسماعيل المقدم، وأحمد فريد، وسعيد عبد العظيم، ومحمد عبد الفتاح)، ثمّ ياسر برهامي وأحمد حطيبة فيما بعد، التقوا جميعاً في كليّة الطبّ بجامعة الإسكندريّة، إذ كانوا منضوين في تيّار (الجماعة الإسلاميّة) الّذي كان معروفاً في الجامعات المصريّة في السّبعينيات، أو ما عرف بـ”الفترة الذهبيّة للعمل الطلاّبي” في مصر. رفضوا جميعاً الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين متأثّرين بالمنهج السّلفي الّذي وصل إليهم من طريق المطالعة في كتب التراث الإسلامي، ومجالسة شيوخ السلفيّة السّعوديين خلال رحلات الحجّ والعمرة، ثمّ تأثرهم بدعوة محمد إسماعيل المقدم، الّذي كان قد سبقهم إلى المنهج السّلفي من خلال سماعه لشيوخ جمعيّة (أنصار السنّة المحمديّة) منذ منتصف الستينيات، وقراءاته لكتب ابن تيميّة وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم. وبمرور الوقت تكوّنت النّواة الأولى للشّباب السّلفيين تحت اسم “المدرسة السلفيّة”، عام 1977 بعد انسحاب هؤلاء الطلاّب المتأثرين بالمنهج السّلفي من الجماعة الإسلاميّة، الّتي هيمن عليها طلاب الإخوان و”فرضوا منهجهم”، حيث شرع محمد إسماعيل في تأسيس النّواة الأولى من خلال درس عام كان يلقيه كل يوم خميس في مسجد “عمر بن الخطاب” بالإبراهيميّة، وكان هذا الدّرس بمثابة الملتقى الأسبوعي لهذه المجموعة الصّغيرة إلى جانب حلقة أخرى بمسجد “عبّاد الرّحمن” في “بولكلي” صباح الجمعة، ولم يكن مع المقدم أحد في هذه الفترة غير زميله أحمد فريد، الّذي يحكي في مذكّراته عن هذه الفترة، قائلاً: “كان الحضور في هذه الحلقة لا يتجاوز عشرة أفراد، ولم يكن معنا أحد من قادة الدّعوة السلفيّة الآن، وكان الشّيخ محمد يحفظنا متن “العقيدة الطحاويّة”، وكذا “تحفة الأطفال”، وكلفني بتدريس كتاب “مدارج السّالكين”.(20)

تقرّ “الدّعوة السلفيّة” بالفضل لشيوخ السّلفية السّعوديين، لا سيّما:  عبد العزيز بن باز، ومحمد بن صالح بن عثيمين، وعبد الرزاق عفيفي، وعبد الله بن قعود، وأبو بكر جابر الجزائري، اللّذين زارا الدّعاة السّلفيين في الإسكندريّة عام 1986 وجالساهم وحاضر في مساجدهم، وكان لهذه الزيارات أثر كبيراً في تدعيم موقف السلفيّة، خصوصاً الزيارة الّتي قام بها الشيخ أبو بكر الجزائري الّذي زار كلّ مساجد الدّعوة السلفيّة تقريباً، وألقى محاضرات قويّة في المنهج السّلفي بالإسكندريّة، كما جرت مناقشات منهجيّة بينه وبينهم .(21)

إنّ لكتابات شيخ الإسلام ابن تيميّة، وتلميذه ابن القيم، ثمّ دعوة محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربيّة، قيمة كبرى لدى السلفيين، يتداولونها فيما بينهم، ويتدارسونها، ويستقون منها أسس المنهج، واعتبروا كتب ابن تيميّة وابن القيم وغيرهم من الأئمّة الّذين نقلوا منهج السّلف ودونوه وشرحوه كالأئمة الأربعة أصحاب المذاهب والإمام الطبري وابن كثير والشوكاني والبغوي وابن رجب، هي القوام الأساسي للمنهج العقدي والفكري والفقهي للاتّجاه السلفي. يقول ياسر برهامي: “إنّ الدّعوة تقدر جميع علماء أهل السنّة القدماء والمعاصرين، والمواقف الّتي اتّخذتها (…) كانت نتيجة دراسات في ضوء كلام أهل العلم ولا تخرج في مجموعها عنهم في معظم قضايا المنهج، منظرة تنظيراً متقناً في كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة الّذي يمّثل مرحلة مهمّة جداًّ في تنظير كلام السّلف، وعند تنزيل كلامه على أرض الواقع رجعنا لكلام العلماء المعتبرين من المعاصرين”.(22)

كرّست الدّعوة السلفيّة أدبيات تقف أمام المنهج الأزهري “المنحرف” كما كانوا يصفونه، معتبرين الأشاعرة والماتريدية انحرافاً عن المنهج السُنّي الّذي عرفه الأزهر على فترات متواصلة من التّاريخ. كان من الطّبيعي عدم التّلاقي الفكري والمنهجي بين الأزهر كمؤسّسة علميّة دينيّة ومرجعيّة أساسيّة وبين السلفيّة ” الوافدة _ بعدما حصرت نفسها في أدبيات محدّدة ولم تأخذ بالاعتبار مناهج التّفكير والتّأمل والتّدبر في التّراث الإسلاميّ _ ما أدّى إلى أن تتعدّد محطّات التّصادم بينهما وتتّخذ أشكالاً شتّى من السّجال، وانتفاء الالتقاء بين المنهجين.(23)

إثر المتغيّرات الّتي شهدتها مصر بعد العام 2011، حدث تحوّل بين الأزهر وبعض أطياف السلفيّة لا سيّما حزب النّور المنبثق عن الدّعوة السلفيّة بالإسكندريّة. بعدما انتفت العداوة القديمة بين الطّرفين/ الخصمين وإثر التّدشين لخريطة الطّريق أكّد حزب النّور أنّ الأزهر هو المرجعيّة الأساسيّة له، وتمنّى وأمل أن يخرج الحزب قادة سياسيين يعملون في الدّولة بمرجعيتهم الوحيدة وهي الأزهر.(24)

ليس التيّار السلفي في مصر طيفاً واحداً. ثمّة الشّتات السلفي الّذي رفض الدّخول في المشهد السياسيّ الجديد، ونظر إلى العلاقة الطّارئة بين الأزهر والدّعوة السلفيّة وحزبها على أنّها محاولة خارجيّة، وظّفت سياسياً بهدف إفشال تجربة الإخوان المسلمين في الحكم. من بين التّكتلات السلفيّة، الّتي ناصبت شيخ الأزهر العداء “حزب الفضيلة” الّذي ينتمي إلى المدرسة السّلفية في القاهرة والقريب من الفكر القطبي، فقد اعتبر الحزب مباركة الأزهر لثورة “30 يونيو” أنّها اجتثاث لمشروع الإسلام السّياسي. ورأى حزب الأصالة السّلفي، أنّ شيخ الأزهر الّذي كان عضواً في لجنة السّياسات في الحزب الوطني زمن الرّئيس حسني مبارك، مارس ما يشبه التقية السّياسيّة عقب الثّورة المصريّة، للوصول إلى أهدافه من أجل بلوغ يوم الثالث من تموز/ يوليو والّتي بدت من خلال محطاته الدّائمة لعرقلة مرسي في حكمه. أمّا رئيس حزب الفضيلة السّلفي محمود فتحي فقد طالب بضرورة ما أسماه تطهير الأزهر من ما وصفهم بـ “رموز النّظام السّابق” وقال إنّه يتجسّد بشكل كبير في شيخ الأزهر الإمام الدكتور أحمد الطيّب.(25)

في 9 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2011، استقبل شيخ الأزهر أحمد الطيّب وزير الأوقاف السّعودي صالح بن عبد العزيز آل الشّيخ، وجاء في البيان الصّادر في ختام اللّقاء أنّه تمّ “التّفاهم بين علماء أهل السّنة لتقوية الموقف الإسلامي، وخصوصاً بين أهل السنّة والجماعة، والتّصدي لأية محاولاتٍ تهدف إلى المساس بالمجتمعات الإسلاميّة السنيّة تحت أي شعارٍ مخالف”. وممّا قاله الوزير آل الشيخ: أنّ “السعوديّة وعلماءها ينظرون إلى الأزهر على أنّه المرجعيّة الإسلاميّة الشّامخة، وأنّ رمزيّة الأزهر لأهل السنّة والجماعة لا تقبل المساس أو المزايدة على المستوى الدينيّ والسّياسيّ”. هذا التّحول المفاجئ بين الأزهر والسعوديّة فرضه المعطى السّياسي، فلم يصدر عن المؤسّسة الدينيّة الرسميّة في المملكة ما يفيد بمراجعات عقدية حيال الموقف العام من الأزهر ومشيخته والّذي شهد في فترات كثيرة حالات من السّجال من ضمنها تشكيك ابن باز المفتي السّابق في السعوديّة في عقيدة الأزاهرة ورموزهم، خصوصاً بعد مطالبته مراجعة تحقيق ابن حجر لكتاب البخاري، لكون عقيدة ابن حجر تحتاج إلى مراجعة، عدا تواجد الكثير من الكتب في مكتبات المدينة المنوّرة والّتي ترد على ابن حجر في فتح البارين وهي شواهد نظر إليها الأزهر على أنّها بمثابة الاختراق للمصريين. (26)

ثمّة عوامل ساعدت السعوديّة على الدّخول إلى حرم الأزهر، من بينها: وجود عدد من علماء الأزهر في الجامعات السعـوديّة وخـضوعهم تحـت تأثير المنهج السّلفي؛ تسامح الأزهر إزاء نشاط التيّار السّلفي داخل الأزهر، حيث شكّلت “جماعة النّور” الطلابيّة، وأصبح له حصّة وازنة في هيئة التّدريس الأزهريّة، يضاف إلى ذلك عامل النّشر للكتب السلفيّة، فشهرة كتب الشّيخين ابن تيمـيّة وابن القيم في المجال العلمي الأزهري، تكاد تفوق شهرة كتب أتباع الإمام الشافعي أو الإمامين الأشعري والماتريدي.(27)

ثالثاً: الأزهر تحدّيات ومراجعات

إلى جانب سعي الأزهر للتّصدي لمحاولات مصادرة مركزه ومرجعيته؛ بوصفه كبرى المؤسّسات الدينيّة التقليديّة، أمامه تحديات عدّة، يمكن لنا إدراجها على النّحو الآتي:

أ- دخوله بشكل أعمق في الحياة السياسيّة المستجدة بعد التّحولات الّتي عرفتها مصر بدءاً من العام 2011 ، علماً أنّه حاول في الفترات الماضية الابتعاد قدر الإمكان عن العمل السّياسيّ عبر الحفاظ على استقلاليته وإدارة المجال الدينيّ. هذا التّدرج أتى بغطاء سياسي حاولت من خلاله السّلطة المصريّة النّاشئة بعد اسقاط نظام الإخوان، منح الأزهر الأحقيّة في تمثيل الإسلام الرسميّ المصري إثر محاولات الاختطاف والّتي مصدرها عاملين: تراجع دور الأزهر، وتنافس الإخوان والسّلفيين على إدارة المقدّس. غير أنّ المزج الأزهري بين الدينيّ السياسيّ من المرجّح أنّه سيؤثّر في استقلاليته؛ فالدّولة المصريّة الحديثة –أقلّه منذ حقبة الرئيس الرّاحل جمال عبد النّاصر- تهدف إلى السّيطرة على المؤسّسة الدينيّة كي تبقى ضمن دائرتها ومجالها.

ب- يعتبر الصّراع المذهبي الّذي تفجّر بشكل غير مسبوق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، أبرز تحدٍ يواجه الأزهر باعتباره مؤسّسة دينيّة تتبنّى الإسلام الوسطي، ما يوجب على إمامة الأزهر اتّخاذ إجراءات عمليّة للحدّ من العنف المذهبي وإرساء ثقافة التّعايش الإسلامي _ الإسلامي.

ت- لا بدّ للأزهر أن يعمل على استعادة دوره بشكل أقوى ما يمنحه القدرة على التّأثير في المجال الدينيّ، والحفاظ على الإسلام التّقليدي ومؤسّساته من التّغول الإسلاموي.

ث- تفعيل خطاب الوسطيّة والاعتدال لدى المسلمين، من أجل تقليص موجة التّطرف والتّمذهب الّتي تهدّد المنطقة، خصوصاً بعد التّداعيات المترتبة على الاضطرابات الإقليميّة وتنامي “العنف الجهادي”.

ج- ضرورة خوض معركة إصلاح التّعليم الديني داخل الأزهر، وفي المؤسّسات الدينيّة التعليميّة الأخرى، من خلال إرساء مناهج حديثة تحاكي التّطورات في دراسات الأديان، ممّا يساعد على تكوين رؤية جديدة تسمح بتغيير الأنماط والذّهنيات التقليديّة المنغلقة، الّتي يفيد منها ” الإسلاميون والحركيون” في بناء نفوذهم وعمقهم الاجتماعي.

الخاتمة

مرّ الأزهر كبرى المؤسّسات الدينيّة السُّنِّة بموجات من التّراجع والتّقدم. حاولت السّلطات السّياسيّة المصريّة المتعاقبة السّيطرة عليه، ما أثّر في استقلاليته، قود واجه منافسين له من داخل مؤسّسته وخارجها، بفعل التّأثير الإسلاموي والسّلفي الّذي يستند إلى تفسيرات راديكاليّة، لا تتقاطع مع نهج الوسطيّة والاعتدال الّذي نادى به الأزهر بعد التّحوّلات الّتي فرضتها “ثورة 25 يناير” .

استعاد الأزهر زخمه بعد ثورتي 2011 و 2013 بفعل عوامل عدّة من ضمنها العامل السّياسي، لكنّه في المقابل مطالب بترسيخ استقلاليّة قراره بعيداً من الإكراه السّياسيّ. إنّ مخاوف الأزهر على هويّة الدّين والمجتمع والدّولة في مصر دفعه لاتّخاذ خطوات مهمّة، إلاّ أنّه مطالب بالابتعاد عن الاصطفاف السّياسي/ الديني بامتدادته الاقليميّة، في ظلّ هذه المرحلة الحرجة والخطرة الّتي تمرّ بها المنطقة، لحفظ الدّين من التّوظيف السّياسي.

ساد منذ عقود – لا سيّما في المراكز البحثيّة والأكاديميّة الغربية- فهم خاطئ حول أنّ الإسلام التقليدي هو المسؤول عن العنف الديني الّذي يشهده عصرنا، غير أنّ الوقائع والحقائق أثبتت أنّ الإسلاميين الراديكاليين بمختلف انتماءاتهم، يتحمّلون المسؤوليّة الكبرى، وأنّ الأزهر عمل ويعمل على “استعادة السكينة في الدّين”[28] وليس تثويره وفقاً لمنظوره.

**************

**** لم يبدأ الجامعُ الأزْهَر في ممارسة دوره كمركزٍ للإسلام السُّنُي إلَّا بعد أنْ أعاد إليه السُّلْطانُ المملوكي الظّاهر بيبرس الخُطْبة سنة 665هـ/ 1267م بعد أخْذ رأي العُلَماء في جواز ذلك، وذلك بعد استضافته للخلافة العبَّاسية في مصر سنة 659هـ/ 1261م، في أعقاب سُقُوطِها في بغداد على أيدي المغول قبل ذلك بثلاث سنوات، سنة 665هـ/ 1258م. سيد، أيمن فؤاد، وَثائِقُ الأزْهَر وصَوْنُ الدِّين والمجتمع في الزَّمَنِ الحاضِر، م.س.

(15) انظر: زهران، مصطفى، “الأزهر والسّلفيون.. تاريخ من السّجالات الفكريّة والعقائديّة”، ص 233، ضمن كتاب: الأزهر مرجعيّة التّقليد السُنّي في أزمة التّغيير، م.س.

(16) المحمود، عبدالرحمن: موقف إبن تيمية من الأشاعرة، مكتبة الرّشد، الرّياض، الطّبعة الأولى، 1995، ص 700 وما بعدها.

(17) المرجع نفسه، ص 714.

(18) المرجع نفسه. لمزيد من التّفاصيل حول موقف إبن تيميّة من مسائل العقيدة الّتي ردّ فيها على الأشاعرة انظر الفصل الثّالث: “موقفه من الرّد عليهم تفصيلاً”، من الكتاب بدءاً من الصّفحة 933 وما بعدها.

(19) نحيل على كتاب: السّلفيون في مصر ما بعد الثّورة، مجموعة باحثين، مؤسّسة الانتشار العربي، مركز الدّين والسّياسة للدّراسات، الطّبعة الأولى، 2012.

(20) عبد العال، علي:  “الدّعوة السلفيّة بالإسكندريّة: النّشأة التاريخيّة وأهمّ الملامح”، متوافر على الإنترنت.

(21) المرجع نفسه.

(22) المرجع نفسه.

(23) زهران، مصطفى: الأزهر والسّلفيون.. تاريخ من السّجالات الفكريّة والعقائديّة، م.س، ص ص 237- 238.

(24) المرجع نفسه، ص 248؛ انظر أيضاً: بكار، نادر: “مرجعيّة حزب النّور الأزهر الشّريف”، موقع الفجر الإلكتروني، على الرّابط الآتي:

http//new.elfagr.org

(25) المرجع نفسه، ص ص، 248- 249.

(26) زهران، مصطفى: الأزهر والسلفيون، م.س، ص 234.

(27) إبراهيم، فؤاد: “ماذا تريد السعوديّة من الأزهر؟” صحيفة السّفير، عدد 6 آذار/ مارس 2013 على الرّابط الآتي:

http://m.assafir.com/content/1362533472041825100/Opinion

[28] استقينا هذا التعبير من رضوان السّيد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This