حلزون السّلالة الملوّثة بالعشق (قراءة في رواية “عزلة الحلزون”)

“1”

((الرواية ليستْ كشفاً عن شيء، الشّعر ليس كشفاً عن شيء. عالم الذّات “الأكبر”، وعالم الكون “الأصغر”، صفات خطاب النّظر التأويليّ، والنّظر السّببي المعلول. لا عالم كبيراً، أو صغيراً، هنا أو هناك. البرهة الواحدة من برهات النَفْس، هي كلّ شيء، من الأزل إلى الأبد).

سليم بركات

“التّعجيل في قروض النّثر”

لتسجيل برهة من برهات النّفس لابدّ من أدوات التقاط، ومعالجة، وحفظ، ومهارة وقدرة على الكتابة، لفعل ذلك، ومع أنّ “الكتابة لعبة ممتعة ولكنّها بمنتهى الجديّة”، ومن نافل القول أنّ التّراكم الكمّي للصّنعة والخبرة والتّجريب والمعاناة لابدّ أن يصل إلى طفرة نوعيّة في كلّ منها، وهذا ما أظنّ أنّي وجدته وسيجده القارئ في الرواية الجديدة للكاتب والروائي خليل صويلح، أعني رواية “عزلة الحلزون” الصّادرة عن دار “نوفل” في بيروت، أقول هذا لما لمسته عند قراءتي للرواية ومقارنتها بالروايات السّابقة الّتي كتبها كرواية “اختبار النّدم” الّتي فازت بجائزة الشّيخ زايد للكتاب عام 2018 وهي الجائزة الثّانية الّتي ينالها الكاتب بعد جائزة نجيب محفوظ عن روايته الأولى “ورّاق الحبّ” عام 2009. فضلاً عن رواية أخرى هي “جنّة البرابرة”، فهل هي فعلاً كتابة مغايرة طليقة كما قال عنها النّاقد الدكتور فيصل درّاج “تساوي بين الحريّة والرواية وتشكّل ذاتها في علاقات واتّجاهات حرّة”؟. هذا ما سنحاول مقاربته في هذه السّطور.

لنمضي معاً في رحلة بين ثنايا هذه الرواية، لنسلّط الضّوء على ما جاء فيها من جديد، وما اعتمدته من أعمدة شكلّت الرّافعة لـ (ثيمات) أساسيّة فيها والثّيمة Theme كما جاءت في القاموس تعني (موضوع الكلام أو الكتابة أو الفكرة الرئيسيّة). وكيف طوّر الكاتب أدواته بعد اعتماده على هذه الثّيمات. في أكثر من رواية من رواياته.  يريد الكاتب، ومنذ الأسطر الأولى الّتي استهلّ فيها روايته، أن يكون  القارئ متيقّظاً  متفاعلاً مع ما يروى له بعقل منفتح على الأسئلة، حاضر الشّك والتّساؤل حول ما يجري من أحداث ولا يكون مستلباً لا أمام أحداث الرواية ولا مواقف أبطالها، بل يكون مشاركاً متفاعلاً مع الأسئلة الّتي تطرحها دون الإخلال بمتعة القراءة بالتّأكيد.

عبر اقتباسين الأوّل للجاحظ والثّاني للقدّيس يوحنا فم الذهب. يضعنا الكاتب على أوّل الطريق، الاقتباس الأوّل من كتاب (الحيوان) جاء فيه: “فلا تذهب إلى ما تريك العين، واذهب إلى ما يريك العقل، وللأمور حكمان: ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقل، والعقل هو الحجّة”.

أمّا الاقتباس الثّاني فقد جاء فيه: “أريد أن أطرد لا الهراطقة بل الهرطقة”، من هذين الاقتباسين يضع الكاتب بيد القارئ مفتاحين لطريقين أو توجهين متلازمين يأخذانه ليتأكّد من أنّه يسير على الطّريق الصّحيح، لا يغفل عقله في محاكمة ما يمرّ به، لكن لا يدع روحه نهب الانغلاق والتّعصب للأفكار حتّى وإن اقتنع عقلياً، جزئياً أو كليّا بصحتها. وكأنّ الكاتب ينبّه القارئ كي يكون حاضر الذّهن في محاكمة ما يدور في الرواية، من أحداث وحوارات ومنولوجات داخليّة لدى أبطالها، وفي نفس الوقت يدعوه للتّسامح ونبذ التّعصب أيّاً كان شكله، وأي زيّ يتّخذه، وهي دعوة لقبول الآخر مهما كانت درجة الاختلاف معه، داعياً بشكل ضمني إلى تأمّل أقوال وأفعال الآخرين والعودة إلى العقل لقبولها أو رفضها أو محاكمتها بلا تعسف أو اسقاطات. يعرّفنا الكاتب على بطل الرواية الّذي يأخذ صيغة الراوي أو ضمير المتكلّم هنا، وهو مدقّق لغوي بدوام جزئي في موقع إلكتروني، بالإضافة إلى العمل الأساسي له كمدقّق في دار نشر وهما في مكانين مختلفين في مدينة دمشق، له علاقة مع شابّة هي “ثريا الصبّاغ” الّتي قرّرت اللّجوء خارج البلد “فابتكرت سيرة ذاتيّة لا تخصّها، سيرة متخمة بالاضطهاد والملاحقات الأمنيّة وأخطار العيش في البلاد”، روت لبطلنا بسخرية، كيف وضعت ملفّها الضّخم أمام موظفي السّفارة الفرنسيّة في بيروت بثقة، ولم يحتج الأمر وقتا طويلا للموافقة على طلبها اللّجوء، وستعترف لاحقاً بأنّها أضافت إلى سيرتها الملفّقة بنداً مثيراً، يتعلّق بمكابدتها في بيئة تحاصر رغباتها بوصفها مثليّة جنسيّا!

فانطفأت علاقته بها بعد ذلك لتحلّ محلّها علاقة أخرى مع امرأة باحثة عن قتلة أبيها هي “رهام سمعان” الّتي روت له جانباً من سيرتها، وكشفت سرّ حزنها الدّائم، فيما يتعلّق بالنّهاية المفجعة لوالدها الّذي قُتل بأمر من الضبّاط “ك”، وتعترف له وهي أمام المرآة تخلع ثيابها وتتأمّل نفسها في المرآة، بأنّها كادت أن تكون راهبة قائلة: ” عندما اطلعت على الشّروط الصّارمة لقبولي كراهبة، أحسست بثقل القيد الّذي سيكبّل حياتي أكثر ممّا هي مكبّلة، وبأنّ يسوع لا يحتاج إليّ وسيغفر خطاياي”. ومن هنا تنطلق رهام إلى عالم آخر هو الهوس بكتابات فيلسوف فرنسي مشاغب هو ميشيل أونفري عن “فلسفة المتعة” ، معتبرة أنّ أفكاره حرّرتها من منطقة الاستعصاء الّتي كانت تقيّد حركتها. وهو الكتاب الّذي كان زلزالاً أطاح بحياتها السّابقة دفعة واحدة.

يدخل الراوي بصفحة على موقع فيسبوك باسم مستعار هو ميخائيل جبران، وهو جمع لأسمي الكاتبين المشهورين ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران. فيصطدم بهذا العالم الافتراضي الّذي يسمّى جزافاً “موقع التّواصل الاجتماعيّ”، خصوصاً إذا وضعنا في عين الاعتبار كم يخلق هذا العالم من “انفصال اجتماعي” ويحوّل حتّى العلاقات الإنسانية إلى افتراضيّة أحياناً. أول صدمة يتلقّاها جبران كانت هي كمّ الأخطاء اللّغويّة المريعة الّتي يرتكبها المتواصلون اجتماعياً، و”كأنّهم من العجم”، ولا يدركون أنّ “اللّغة هي جسر عبور في اتّجاهين للنّكهات والأصوات والألوان”. هذه الصّدمة تدعوه للتّساؤل عبر مونولوج داخلي عن معجم سفينة الصّحراء الّذي يتأبّطه وحده، وهو يعبر شوارع اليوم المزدحمة بالأبراج والمولات ومحطات القطارات. ويتساءل قائلاً: “هل ينبغي عليّ أن أخلع عنّي سروالي الجينز، وساعتي الرقميّة، وجهازي الخليويّ، وأرتدي عباءة جدّي الحادي عشر، استجابة لفتوى طارئة؟”.

هنا نودّ الإشارة إلى ثيّمة اعتمد عليها الكاتب في بناءه الروائي، وهي وسائل التّواصل الاجتماعيّ كصفحة الفيسبوك الزّرقاء ودورها في حياة الكثيرين في الوقت الرّاهن، والأسماء المستعارة الّتي يستخدمها البعض كقناع ولأسباب مختلفة. فللفيسبوك دور له أهميّة في حياة الشّخصيات الّتي تلعب أدواراً مختلفة في الرواية. كما يسلّط الكاتب الضّوء على أخطر هذه الأدوار وهو دوره في إذكاء صراع الهويات وتنابذها، وعلى وجه الخصوص الهويات الصّغرى، المذهبيّة والعرقيّة والطائفيّة والمناطقيّة، فضلاً عن الحزبيّة والشلليّة الّتي أطلت برأسها مع الأزمة السورية المتواصلة عاماً بعد آخر، تلك الهويّات الّتي “ذهبت عاصفتها بالبلاد والأوتاد” على حدّ تعبير الكاتب. ثمّ استحضار تاريخ الصّراعات الدينيّة المذهبيّة والخلافات الفقهيّة بكلّ تعصبها، ونبش الماضي بكلّ كتبه الصّفراء الّتي ازدهرت في الفترات المظلمة الّتي أعقبت الدّمار أيّام الغزو المغولي وتفكّك المجتمعات الّتي عاشت تحت دولة الخلافة، دون أن يغفل الإشارة إلى سؤال في غاية الأهميّة عن كتابة التّاريخ، وعلى وجه الخصوص تاريخ الفتوحات فيتساءل مثلاً على لسان المدقّق اللّغوي جبران الّذي اكتشف أنّ الكتاب الّذي كُلّف بتدقيقه من قبل مدير الموقع وهو كتاب (فتوح البلدان) للبلاذري قد كتب بعد مئتي عام على الفتح الإسلامي، فيتساءل “كيف لمؤرخ مثل هذا أن يدوّن تاريخاً حقيقياً”؟ “وهل أنّ التّاريخ الرسمي حقيقة راسخة أم “حزمة افتراضات”؟ أم أنّ البلاذري والواقدي والأزدي لديهم عدسات مكبّرة تضخّم الأحداث الّتي لم يشهدوها أو يعاصروها؟ وهي من جعل من دابّة صغيرة فيلاّ ومن بضعة مئات من المحاربين جيشاً جراراً؟ ليساهموا دون أن يقصدوا في اشعال حطب الضّغينة بعد قرون. فبعد أن يقرأ المدقّق الكتاب يراوده سؤال عن “سبب انحطاط اللّغة في القرنين السّادس والسّابع الهجريين، وصولاً إلى القرن الثّاني عشر، زمن تأليف هذا المخطوط، وما علاقة ازدهار كتب الباه وصناعة اللّذة بانهيار الحضارة الإسلاميّة في الحقول الفكريّة الأخرى؟ ففي القرن السّادس وما تلاه سنقع على ما يشبه هذه اللّحظة، لجهة التّمزقات والصّراعات الطائفيّة والحروب، وظهور طبقة العيّارين والشّطار، وغارات البدو على طرق القوافل التجاريّة، وسقوط الدّولة الفاطميّة، وقيام الدّولة الأيّوبية، وارتفاع الضّرائب، وازدياد عسف السّلطة، واتّساع تيّار الصوفيّة، وانتشار الفتن، ووفاة صلاح الدّين الأيوبيّ، وأبي حامد الغزالي، وابن الجوزي، والزّمخشري، وتدمير بغداد، واهتراء الشّام، وبدء تداعي الأندلس ثمّ سقوطها، وظهور امبراطوريّة المغول”.  ومن هذه العدسة المكبّرة يرى المدقّق كيف يروى تاريخ أجداده، من الجدّ الأوّل الّذي “يتأسّف على أفول أيّام الغزو، (بين القبائل) مقارنة بهذه الأيّام، وكيف أنّ دركيين على حصانين هزيلين يقودان عشرة رجال إلى المخفر، بقوّة البارود والأختام الحكوميّة، مستحضراً قصصاً خارقة عن بطولات مشكوك في أمرها، نظراً إلى غياب الشّهود، أو صمتهم عن الحقائق مكتفين بشرب القهوة المرّة والتحسّر على تلك الأيّام المجيدة”. يتساءل بطل الرواية عن أجداده وهل كانوا قطاع طرق أم بواسل وكواسر أم عشاق ومتصوّفين؟ ولماذا تروى أفعال قسوة ووحشيّة وفتك بخصوم، على الدّوام وكأنّها في صلب مرويات الفضيلة؟ فيقول (كان عليّ أن أتخيّل صورة أحدهم، وهو يغتسل من دماء خصومه، ثمّ يتناول خروفاً بمفرده على العشاء، يمسح شاربيه ولحيته بالدّهن كي يشمّ رائحة هذه الذكرى أطول فترة ممكنة، فشهوة القتل تواكب الشّهيّة للطعام، والقدرة العجائبيّة على الجماع. لصقل صورة المحارب على هيئة متساوي الأضلاع).

من هنا نسجّل ثيّمة أخرى في الرواية وهي التّاريخ ورواياته سواءً كان موغل بالقدم أو قريب. فالاستعانة بالتّاريخ والماضي لمقاربة وفهم الحاضر، وما يجري فيه من تحوّلات عاصفة، هو ركن أساسي وثيّمة أساسيّة للرواية، لم يستغنِ عنها الكاتب. فينتقل بنا من الحاضر إلى الماضي وبالعكس، في محاولة منه ليجيب مرّة على أسئلة الحاضر ومرّة لكي يثير أسئلة عن الماضي. فلكتاب (حياة الحيوان الكبرى) لكمال الدّين بن محمد الدُميري مكانة هامّة في الرواية لوصول “نسخة نفيسة منه إلى الجدّ الثّاني أو الهلاليّ الكبير وفقاً للّقب الّذي منحه إيّاه الرواة، فهناك من يؤكّد أنّه جلب هذا الكتاب الملعون من اسطنبول في إحدى رحلاته الغامضة إلى الشّمال أثناء عمله في تهريب التّبغ”. كانت صفحات الكتاب مرتبة وفقاً لحروف الهجاء العربيّة بأسماء نحو ألف حيوان وطير. كان الجدّ يفتح الكتاب بخشوع على صفحة مّا، لا على التّعيين وسيكون اسم الحيوان الموجود في الصفحة الّتي وقع خياره عليها هو اسم المولود الجديد، مع مراعاة الضّرورة اللّفظيّة لاسم الذّكر أو الأنثى، وعلى الرّغم من احتجاجات الآباء والأبناء على أسماء يختارها الجدّ، نظراً إلى دلالاتها السلبيّة، أو غرابة لفظها، وصعوبة نطقها، إلاّ أنّ الأمر لا يعدو السّخط المؤقّت فحسب، إذ يستحيل تغيير الاسم مهما كان قبيحاً أو مثيراً للسّخرية”. ويتوزّع الأحفاد بين من له قلب طير يأخذه للعشق والرّقة والزّهد والتّصوف، ومن له قلب ذئب يصارع ويقسو ويقتل ويتقّلب مع الأيّام كأي حيوان في غابة البقاء للأقوى. يقول الراوي “كان أجدادي القساة لا يكترثون لتسجيل أسماء المواليد الجدد في دفاتر النّفوس، إنّما يستعيرون أسماء الموتى من الأشقاء، ويلصقونها بمن سيليهم في الولادة. هكذا يعيش أحدهم باسم شقيقه طوال عمره من دون أن يهنأ باسم يخصّه مباشرة. فيضطرّ من وُلد بقلب طائر أن ينشأ بقلب ذئب رغماً عنه أو العكس. ّ

ومن التاريخ وذكر الأجداد يعود بنا المدقّق جبران إلى الرّاهن ليدخل حانة يوصف فيها شخصيات نمطيّة تزخر بها المدن الكبرى والعواصم، وكيف تعيش وتتحاور وتتصارع، ثمّ يعود بنا إلى حادثة مرويّة في كتب الأجداد أو منقولة شفاهاً من جيل لجيل. وفي الانتقال بين هذين العالمين يعيش بطل الرواية وضميرها المتكلّم. يتساءل ذات مرّة من هم أجدادي هل هم هلاليون أم صوفيون أم قطاع طرق؟ “لا وثيقة دامغة تؤكّد الجذور الحقيقية لهؤلاء الأسلاف الّذين تناسلوا في أشعار شعراء الربابة الجوّالين، كغزاة وأصحاب كرامات وعشاق مخذولين، ثمّ تعهّد الرّواة بترميم ثغرات الرواية بما يتوافق مع أنساب عشائر الأنوف الشّامخة”، بقوّة الأمثال “ميل الغالب إلى المغلوب”، وإذا بقنص أرنب مذعور يتحوّل عراكاً دموياً مع ذئب، أمّا قتل أفعى طولها ثلاثة أشبار، فسيتكفّل الراوي بإضافة ثلاثة أذرع طولاً، وثخن قدم فيل عرضاً، وإلّا تضاءلت قيمة الأمثولة، تاركاً الجيف لضباع العشائر الأخرى تلهو بالعظام”. وقد كان كتاب “البدو” للمستشرق الألماني ماكس فون أوبنهايم، دليل المدقّق جبران إلى تاريخ أسلافه وهجراتهم وخرافاتهم، فهو – أي المستشرق- ينفي التّوثيق التّاريخي الدّقيق الّذي تستند إليه الهجرات، مشبّهاً التّاريخ المتداول عن الأصول بحكايات السّمر، “وللحكايات أجنحة تطير بها خارج قفص الجدران الكتيمة” كما يقول الكاتب، كما سيختزل هذا التّاريخ بثلاث كلمات (الإطراء، التّفخيم، التّعظيم). وهذا ما نجده في المقلب الآخر أي في التّاريخ الأقدم. على سبيل المثال: (في هذا المقام، يذكر أبو إسحق أحمد الثّعلبي في “الكشف والبيان” لجهة تضخيم وقائع حاثة ما: “كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعاً وارتفاعه في الهواء ثلاثين ذراعاً”. وقيل: “كان ثمانين في ثمانين”. وقيل أيضاً: ” كان طوله ثمانين ذراعاً وعرضه أربعين ذراعاَ).

“2”

(( من الممكن أن يحدث عرضاً- ولو للحظات عابرة ليس أكثر – أن نجد الكلمات الّتي سوف تفتح أبواب كلّ تلك المنازل الكثيرة داخل رؤوسنا، وتعبّر عن شيء مّا- ليس الكثير ولكن شيء مّا- من حشد المعلومات الّذي يلحّ علينا من كلّ جانب، شيء مثل الطّريقة الّتي يطير بها غراب، وكيف يسير رجل، ومنظر شارع، وما فعلناه ذات يوم قبل عشرات السّنين)).

                                                          مقتطف من الشّاعر الانجليزي “تيد هيوز”

ومن حشد المعلومات الّتي تلحّ على الكاتب من كلّ جانب، نعود لنتأمّل مشهدين الأوّل حول الحانة الملاذ فمن كلّ العنف الّذي يجري في الخارج، والمشهد الآخر يتوقّف بنا عمّا كان يدور من تقلّبات جامحة في حياة “رهام سمعان”. لنذهب أولّاً إلى رفاق الحانة لنتّلصص على ما يجري هناك من عين سحريّة في الرواية. يسجّل لنا الكاتب ما يرى الراوي في تلك الحانة من شخصيات قائلاً: “..بدت أشكالهم الحجر أكثر كآبة، كما لو أنّهم شاهدات قبور بأسماء وتواريخ ممحوّة، يغطيها الغبار والنّسيان. موتى أحياء يبتكرون أجنحة ديكة للطّيران عاليّا، ثمّ يتخبّطون بأجنحتهم أرضاً مستسلمين لغيبوبة العَرق البلدي، والشّهوات المجهضة لمتسكّعات الوسط الثقّافي المحبطات. لحظة دخولي الحانة، كان أحد التّماثيل الّذي على هيئة كركدن أعمى يستعيد تاريخه الحزبي، من دون أن ينصت إليه أحد، فقد ضجر الآخرون من تكرار السّيرة نفسها، ولكن بسرديات مختلفة تخضع للإضافة والمحو، وفقاً لجهة الرّيح وارتفاع وانخفاض مستوى الزّهايمر: خلائط غير متجانسة، ومواقف لا تنقصها البسالة، في اللّحظات الحرجة، يستدعي خلالها ماركس، وزكي الأرسوزي، وياسين الحافظ، وانطوان سعادة، وجنرالات بأوسمة ونياشين، إلى أن غرقوا جميعاً بطبق السّلطة الّذي وضعه الجرسون على الطّاولة للتّو…..كانت الأصوات تتداخل وتتشابك، وتتعارك مثل أمعاء ضخمة في جسم زرافة، إلى أن تنطفئ في منتصف اللّيل، موعد إغلاق الحاضر وطول الأزمة وتفكّك العلاقات والتّشوّه الكبير في بنى المجتمع الّذي كان رمزاً للسكينة والاستقرار. هذه الصّورة توثّق بكلّ بساطة ما كان يجري في زاوية من العالم تستخدم للهروب من ألم الحاضر وأسئلة المستقبل. شيء من الخدر المؤقّت ومن وهم النّسيان.

ومن حانة الأوهام هذه يأخذنا الكاتب في مشهد آخر ليرينا الكمّ الكبير من طرق الهروب من الرّاهن نحو عالم الأحلام أو الأوهام أو القفز من حافة الهاوية. المشهد الثّاني عن  “رهام سمعان”  الّتي تبحث عن تاريخ المتعة وكتبها، فبعد بحثٍ مضنٍ في مواقع الكتب الفرنسيّة، تقع على كتاب يحمل عنواناً مثيراً يتناسب مع فلسفتها في المتعة: وهو كتاب (موجز تاريخ الأرداف) لمؤلّفه جان ليك هينج. فتقرّر ترجمته من باب المتعة بعد أن رفضت دور النّشر المحليّة الموافقة على طباعته. وكانت رهام كلّما توغّلت بالكتاب استعارت منه جملاً لتبرير أفعالها الإيروتيكيّة. فكانت تكرّر على سبيل المثال جملاً من قبيل “كثبان الجسد المهملة والشّرهة”، أو “رغبة الألم اللّذيذ” و”الزّغب البنفسجي وتضاريس الشّهوة غير المكتشفة”. كانت رحلة “رهام” رحلة الجسد الشّاقة من ثقل العفّة الكاملة بتأثير التّعاليم اللاّهوتيّة الصّارمة الّتي كبحت شهوتها طويلاً، ألا تفتح مساماته وخلاياه بعيداً عن معنى الإثم، ورطوبة الأعضاء تحت أغطية الأسرّة الموحشة في دهاليز الأديرة الّتي عبرتها خلال حياتها رغماً عنها، الجسد في مخاضه العسير وهو يعبر برزخ اللّذة بجناحين نورانيين إلى نار لا تنطفئ.

يروي لنا الكاتب الّذي تجاوز خطّ الحذر من مقاربة المواضيع الإيروتيكيّة، بثقة من يدخل إلى عالم لا بدّ من مقاربته وكسر حاجز الخجل. لينقل لنا عبر هذه الرواية حشدا من الحيوات والأزمانة والأحداث تسير بالقارئ  بكلّ متعة، مسرعة نحو آخر صفحة وآخر كلمة في السّطر الأخير، وقبل أن أختم هذه المقاربة أودّ التّأكيد على أنّ القارئ يحتاج إلى قراءة ثانية  للرواية إذا كان مهتمّا باكتشاف جديدها أو الكتابة المغايرة الطّليقة على حدّ تعبير فيصل درّاج.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This