القوقعة: شرّ مأساة السّرد العاري(ج2)

ثانيا: التّلازم البنيوي بين الاستبداد والموت

هناك.. في السّجن الصّحراوي، في اللّيالي الموحشة الكئيبة، اللّيالي الّتي تبدو بلا نهاية، عندما تترسّخ القناعات بأن لا خروج من هنا.. عندما يتساوى الموت والحياة.. وفي لحظات يصبح الموت أمنية.” 1

تؤكّد القوقعة على نوع من التلّازم البنيوي بين الّنظام السّياسي والموت، بمعنى أنّ الوجود السّياسي القهري للاستبداد العربيّ الاسلاميّ في تاريخه القديم والحديث والمعاصر يجد أرضيته الموضوعيّة من خلال تسييد وتكريس سياسة حياتيّة تركّز على الموت في مختلف مظاهره: التّهميش، الاقصاء، الّتجويع، التّهجير، والقتل بعيدا عن أيّة محاسبة. هكذا استقبل السّجناء بتهديد الشّرب من ماء البالوعة العفن لتحطيم هويّتهم الشخصيّة الانسانيّة وليتشرّبوا تحوّلهم القهري إلى مجرّد قذارة ودنس، فقد تمّ قتل تحت التّعذيب الكثير من هؤلاء السّجناء خاصّة العسكريين منهم بدمّ بارد” العميد عار إلاّ من السّروال الدّاخلي، حاف، وبلحظات قليلة اصطبغ جسده بالخطوط الحمراء والزّرقاء، أكثر من عشرة عناصر انقضّوا عليه، تناوشوه، عصي غليظة، كوابل مجدولة، أقشطة مراوح الدّبابات…خيوط الدّم تسيل من مختلف أنحاء جسده…رأيت هراوة غليظة ترتفع من خلف العميد وتهوي بسرعة البرق…انهار متكوّما على الإسفلت الخشن…وضعوا رأس العميد بمياه البالوعة، لكنّه لم يصح.

– يا سيّدي يمكن أعطاك عمره.

– الله يرحمه…اسحبوه لنص السّاحة وزتوه هونيك”2

وهذا مجرّد مثال لهدر حياة سجناء، رُفعت عنهم الحصانة الانسانيّة، فاستبيح الاعتداء الهمجي على حيواتهم. وفي هذا الفضاء السّجني العاري من أيّة قيمة بشريّة، أخذ  يتشّكل المظهر السّردي لنوع خاصّ من الحياة العبوديّة البشعة العارية من أيّة قيمة، وهذا ما يتجلّى في لغة النّص ودلالات مضامينه في كلّ ما يتعلّق بالحياة اليوميّة للسّجناء، حياة مرعبة إلى حدّ الانتحار أو الجنون، وهي تحمل معاني الموت الّذي يخيّم برعبه المهول على حياة سجنية عارية من أيّة حصانة أو حرمة لسجناء امتلكت رقابهم في صورة الانسان المستباح.” في علاقة العبوديّة، ينطوي الارتباط بالسيّد، في طيّاته، موتا افتراضيا. فقوّة المهيمن وسلطته لا يماثلها إلاّ سحق المهيمن عليه وإخضاعه وسلبه إرادته وشخصيته، بحيث يصير مجرّد ظلّ أو عنصر تنفيذ للأوامر، ففي العبوديّة يعيش العبد مع موته، محتضنا إيّاه في دواخله. بل إنّ الموت والعبوديّة مترادفان ربّما بسبب ذلك الجانب المطاوع لدى الإنسان المهان والخاضع مطلقا لسلطان الطّاعة.”3

فالفرد في السّجن كما تبيّن القوقعة ذلك في حالة رعب دائم إزاء موت يهدّده بالخرس والإلغاء، وبالمرض والجوع والتّعذيب، وبالذّل والمهانة والعبوديّة، وبالقذارة والدّنس الشّخصي، وبالقتل الرّمزي حيث يضمّ السّجن مهجع الأطفال الأبرياء في مفارقة صارخة تجمع بين البراءة والسجن، بما يعني التحكم في حياة الانسان. السجن مسكون بالموت، فالسّجين ممنوع من الحركة والكلام والصّلاة. منكّس الرّأس مغمض العينين.. وغالبا ما يرزح المرء تحت وطأة عنف قتل صريح في حياة عارية لا تطال العقوبة القاتل ولا يعترف بإنسانيّة الضّحية، إنّه التّعبير السردي الصّريح عن حياة عارية خالية من بعد الجريمة والفضيحة الأخلاقيّة. وليس هناك شطط في استعمال السّلطة، وهي تمارس بعيدا عن ثنائية الخطأ والصّواب، عكس ما كان يتوّهمه الرّاوي أثناء اعتقاله الغامض والملتبس بالنسبة له في كونه مسيحي ولا علاقة له بتنظيم الإخوان المسلمين. ومع الأيّام يتوهّم بأنّه ستتّضح براءته ويطلق سراحه، لكنّ ذلك لم يحدث إلّا بعد 13 سنة من الموت الرمزي في غياهب السّجون. ولم يكن لإطلاق سراحه أن يكون إلاّ من خلال ثقافة الولاء والتّوسط العبودي لخاله الّذي صار وزيرا، أي أصبح خاله أحد خدّام السّياسة الحياتيّة العارية من أي شرط إنساني في استباحة حياة الأفراد والجماعات، الرّعية أو الأوباش. ولم يكن ذلك السّراح ليتحقق إلّا عن طريق آلية العفو كآلية توازي معجزة البعث الّتي تعيد الحياة للسّجين وتخرجه من موته الرمزي، وهي معجزة تشكل جزءا من السّلطة الإلهيّة للحاكم” إنّ مفتاح هذا العفو هو الاستعباد الّذي يرتكز على شكر السّيد لفضله على العبد في بقائه على قيد الحياة.”4

“- نحن قرّرنا نخلي سبيلك، لأنّك وطني، ولأنّ خالك قدم خدمات كثيرة للوطن…نريد منك أن تكتب برقية شكر للسّيد الرّئيس حفظه الله.

– برقيّة شكر؟

– نعم .. برقيّة تشكر فيها السّيد الرّئيس.

-برقيّة شكر؟.. ولكن على أي شيء أشكره؟

نظر إلّي متعجبا، وباستغراب صادق قال:

– تشكره لأنّه شملك برعايته ورحمته وأخلى سبيلك.”5

ونصّ القوقعة من أوّله الى آخره لا يكفّ في سيرورة بناء تفاعله مع الخلفية الثّقافيّة للقارئ على تأكيد هذا التّلازم بين التّسلط والتّغلب والقهر، وبين الخنوع والخضوع والطّاعة والموت. لهذا يستثمر الحاكم في التّعذيب والاختطاف والقهر والتّسلط والفقر والمرض وفي التّجويع أيضا، وهذه حالات ارتبطت النّجاة منها بالنّجاة من الموت. لذلك كان الطّاغية قديما وحديثا ينفرد ويستأثر بالموارد الأساسيّة للتّحكم في مصائر النّاس. وكان الحصار والتّجويع للمدن سلاحا فتاكا نجمت عنه في تاريخنا الدموي المجيد مآسي أدّت بالنّاس إلى أكل الحيوانات والجيفة والموتى…، عقابا لكلّ أشكال التّمرد والعصيان، وبناء للخضوع والطّاعة والاستعباد، باعتماد آلية الموت الرّهيبة لتوطيد الحكم، وضمان الأبد في استمراره. دون أن ننسى السّجن باعتباره سلاحا مروعا، يتّخذه الطّاغية وسيلة للتّحكم في الموت لخلق شروط الخنوع والطّاعة.

“أمام السّجن. عشرات من عناصر الشّرطة العسكريّة، الباب صغير، تصدم العين لوحة حجريّة فوق الباب مخطّطة بالأسود النافر:” ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب”.6 هكذا تحايل الرّاوي على معنى الآية مغيرا، حتّى لا نقول محرفا،  بشكل فنّي أدبي في التّركيب والدّلالة، حتّى يطابق النّص الواقع، مستهدفا بذلك استراتيجيّة تأويليّة  تتعرّف خطورة السّجن/القصاص كسلاح رهيب يلتهم الحياة وينشر الموت، هو في يد الطّغاة يؤسّسون من خلاله حكمهم، ممّا يدلّ على ارتباط الحكم بالموت، كأرضيّة سياسيّة لبناء حياة عارية يستباح فيها الإنسان والحياة. عكس ما تقصده معاني الآية القرآنيّة الّتي تجعل القصاص/ القانون في خدمة الانسان والحياة.”ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب7 “.

تجربة الألم النّاجمة عن التّعذيب والقهر والاحتقار وسلخ البعد الانسانيّ من شخصيّة الفرد، وجعله مجرّد نفاية وقذارة عفنة ينبغي التّخلص منها بأبشع أنواع القسوة والعزل والتّهميش جعلت الراوي المتلصّص يتغذّى من الصّمت هاربا في جحر ذاته متسترا وراء جدران قوقعة أرهبها عنف السّلطة الّتي تكوّنت وترعرعت وتطوّرت داخل جرثومة عدوى العنف السّياسي الاستبدادي المكتسح والمخترق للبناء الثّقافي السّياسي، وللتركيب الاجتماعي الاقتصادي، كما أشرنا إلى ذلك سابقا. يمتدّ تأثيرها الخطير إلى كلّ الخلفيات والممارسات الّتي تلبست قناع الحقّ والحقيقة في الانفراد بالسّلطة الّتي لا تقبل الشّراكة في تنظيم وتسيير وتدبير المجتمع والدّولة والثّقافة، فهذا في نظرها شرك لا تسمح به في ممارستها سطوة الطّغيان. وعلى أرضيّة جرثومة العدوى بين النّظام وخصومه من الإخوان المسلمين وغيرهم لزم الرّاوي قوقعته وهو يبيّن بأنّ القاتل والمقتول ينهلون من معين واحد في التّمركز حول الذّات المتعالية المتسلّطة القاهرة الجبّارة الّتي لا يزيغ عن محجتها البيضاء أو الحمراء إلا عدوّ عميل أو كافر مدسوس يحلّ دمه. هكذا تعامل سجناء الإخوان مع الراوي داخل السّجن باعتباره مسيحي كافر. ” وقف ولك… يا نجس.. يا كافر… هذي هي نهايتك يا كلب…طوال الفترة الماضية لم أكف عن الخوف، الخوف من المخابرات، الخوف من الشّرطة العسكريّة، الخوف لدى قرقعة المفتاح في باب المهجع، الخوف من الضّرب والألم والموت…أمّا الآن.. إنّني أرى الموت يحدق بي من خلال الأعين المحيطة بي.. هل خفّت؟… لا أدري، لقد كنت حجرا… قطعة خشب مجرّدة من الأحاسيس والمشاعر، لا تفكير.. لا ردّ فعل..جمود كلي .. واستسلام تامّ…صمت رصاصي ثقيل يخيم على الفسحة الصّغيرة أمام المرحاض…هل تعمّدوا تعذيبي عبر إطالة عمر خوفي وفزعي؟…هل هم لم يحزموا أمر موتي بعد؟”8 فإزاء واقع سجني يمنح موارد وجوده الشّرعي وقداسة تصوّراته ومعتقداته من حقّ شرعية ممارسة القتل كصيغة للوجود والهيمنة يستحيل بالنّسبة للرّاوي كاختلاف أن يؤسّس وجوده على قواعد تواصل إنساني. الشّيء الّذي أدّى إلى تلاشي واختفاء المعنى وبالتّالي انسحبت اللّغة واعتلت القوقعة جلد الذّات. فالرّاوي المهدّد في وجوده، بموت عبثي عدواني من شبّيحة النّظام أو من الإخوان، يخضع مكرها لعالم القوقعة في خرسها الرّهيب، وهو يعيش عسر حقّ الكلام وصعوبة القول والتّواصل كمظهر سردي لقسوة العنف الرّمزي والماديّ الّتي يتعرّض لها. إنّ بشاعة بحر الكراهية الّتي يسبح فيها الرّاوي داخل السّجن من خلال المقاطعة الاجتماعيّة الانسانيّة الّتي يرزح تحت وطأتها المشحونة بقتل وشيك من النّظام وخصومه، تدفع به نحو مزيد من الانغلاق ملغيا صوته ومنسحبا إلى الطّبقات العميقة لما دون اللّغة، كمن يقمع في جوفه صرخة مكتومة من الانفجار وهو بين مطرقة النّظام وسندان الإخوان. هكذا يخترق القهر والظّلم الشّخصي كلّ أشكال التّواصل مع الآخر معلنا انهيار الكلام الّذي فقدت دلالته، ولم يتبق غير الانكفاء على الذّات والتّلصّص عليها وعلى السّجناء معه والشبّيحة خارج السّجن. وإزاء هذا الاختراق للذّات في هويّتها وانتمائها من قبل عنف الموت يضمحل الشّعور بالانتماء لما هو إنساني، خاصّة وأنّ كلّ ما يشكّل ارتباطات الذّات في هويّتها البشريّة ودلالاتها الانسانيّة قد تمّ تحطيمه بالتّعذيب والقهر والذّل، ومن خلال المقاطعة من قبل الوجه الآخر لصناعة الموت.

ثالثا: الكتابة ومأساة السّرد العاري

يتغذّى السّجان والمتسلّط من الموت، من أفراد انتزعت منهم إنسانيهم وتفكّكت ذواتهم في الشّعور المفزع والرّهيب بحضرة الموت العاري. يجهد الراوي في التّعبير عمّا يستعصي على التّعبير، و مالا يمكن تصوّره في تجربته السّجنية، وهو ما يجعل الكتابة رغم جرأتها في الشّهادة  مفارقة، لأنّ المسكوت عنه يتحدّى سقف اللّغة والصّياغة والتّعبير، والتّصور والتّمثل والتّخيل والتّخييل عند الراوي والقارئ. ولكأنّ التّجربة قابعة في عمق الراوي، وهي تنظر إلى النّص بسخرية مشحونة بوقاحة، وتترفّع عن تفاهة الكتابة الّتي تصاب بالصّد في قول ما يمتنع عن القول. تعبّر الكتابة عن عجز صريح في نظر التّجربة المسكوت عنها في استحالة التّعبير عنها، وترجمة عمق العذاب الّذي يعانيه الراوي في حضرة الخوف من الموت الّذي قد يأتي من المطرقة/النّظام، أو السندان/  الإخوان، إنّها تجربة موت تحرم الإنسان من مختلف أشكال التّعبير والتّواصل البسيطة. الكتابة في حضرة الموت تصارع مفارقة التّعبير دون التّمكن من إخراج القول المكبوت، أي ما يستعصي على الكتابة التّعبير عنه. فالراوي يجد نفسه على حدّ موسى شهادة مستحيلة، مع ضرورة تقريب القارئ من  تجربة الموت الواقعيّة كما عاشها. وهذا ما يجعل النّص ينضح باستحالة التّسوية بين غنى وتعقد قول ووصف مّا لا يتصوّر في التّلازم البنيوي بين المستبد والموت، وبين الشّعور العميق بتفاهة التّعبير والتّواصل. تبعا لهذا المعنى في التّحليل نفهم إحجام الراوي عن التّواصل العادي واستعادة الرّابطة الاجتماعيّة مع النّاس بعد خروجه من السّجن، لأنّ حرقة القلق والأسئلة الّتي عاشها ولا يزال يتجرّع مرارتها تدفع به إلى الانكفاء على الذّات والانزواء لاستعادة وحدة الذّات الّتي تعرّضت لتمزق حادّ وتفكيك رهيب. ومن خلال هذا اللاّتكافؤ، بين تجربة الموت الّتي تترفع عن صيغ الكتابة ومقولات الفكر، وبين تفاهة الكلمات، ولدت القوقعة لقارئ يحسن الانصات بتعبير هيدجر. وفي هذا الصّراع بين الكتابة لاستعادة وحدة الذّات، وتجربة الموت في اشتغالها لفصل الفرد عن ذاته يحترق الراوي بنار السّؤال في علاقته بهذا الشّعب الملتبس الّذي منه خلق عالم سحري مثالي.” أنظر إلى النّاس، أتفحّص وجوههم، ما هذه اللّامبالاة.. ترى كم واحد منهم يعرف ماذا جرى ويجري في السّجن الصّحراوي؟.. ترى كم واحد منهم يهتمّ؟ أهذا هو الشّعب الّذي يتكلّم عنه السّياسيون كثيرا؟.. يتغنّون به .. يمجدونه.. يؤلّهونه… ولكن هل من المعقول أنّ هذا الشّعب العظيم لا يعرف ماذا يجري في بلده؟ إذا لم يكن يعرف فتلك مصيبة، وإذا كان يعرف ولم يفعل شيئا لتغيير ذلك فالمصيبة أعظم.”9 وبين السّطور ينهض الكلام الّذي يمتنع عن القول والصّياغة، لأنّ تجربة حضرة الموت تجعل الذّاكرة واللّغة والكتابة مجرد تعتعة أمام جبروت المحنة الفائقة التّصوّر والتّخييل. إنّها محنة تلتهم كلّ شيء وتجعل الكلمات عاجزة عن وصفها، فتظلّ غير قابلة للتّعقل والتّصديق، وغير مرئيّة تنزل بثقلها الجنونيّ المشحون بلوثة الموت على روح من عاش التّجربة. وكيف للغة الانسانيّة، وللذّكاء مهما كانت كفايته ليصوغ إفناء النّاس في نص سردي. وفي قمّة العذاب والألم يمتزج الإنسان بذاته ليحاورها بحرقة بحثا عن بصيص ضوء من الأمل يشقّ نفقا للخروج من مأزق الانسداد.” لم أستطع أن أكون صافيا، جبال من الحزن والكآبة تجثم على صدري، حاولت أن أشارك بكلّ كياني، لكن هناك شيء في داخلي يرفض الفرح.. يرفض لأنّه لا يستطيع، لا يستطيع أن يقفز فوق جدار عال وصلد من الحزن المتراكم طوال هذه السّنوات…لم أستطع الفرح، لم أستطع أن أضحك ضحكة واحدة من القلب…هل مات الفرح داخلي في زحمة الموت ذلك؟.. هل سأبقى هكذا.. ولماذا؟.. هل سأحمل بيادر العذاب والموت جاثمة على قلبي دائما لتخنق كلّ ما هو جميل بالحياة؟.. لست أدري.”10 إنّنا أمام ما يجاوز الوصف، تجربة الموت الرّهيب الّتي تحفر في تجاويف القلب كانت عصية على التّعبير والوصف كي يكتبها روائي ويصدقها قارئ، فبشاعة ما حدث، ورعب المحنة في هلعها الرّهيب يحطم كفاية شكل الكتابة لدى كلّ إنسان. وهذا ما جعله يدرك سخف إعادة ربط الجسور مع الآخرين لأنّه لم يستطع أن يلفظ خارج ذاته التّجربة الممتنعة عن الكتابة، والعسيرة التّصديق في الانسحاق الوجوديّ للإنسان، حيث يستحيل في ظلّ علاقة التّلازم البنيوي بين المستبدّ والموت أن يولد الانسان بالمعنى الحقيقيّ للإنسان. ” منذ أن خرجت من السّجن أحسست أنّ هناك هوّة لا يمكن ردمها أو جسرها بيني وبين الآخرين، حتّى أقرب النّاس إلي، إخوتي أو لينا، أحك عواطفي ومشاعري فلا أشعر تجاههم بشيء، الحيادية في المشاعر، لا شيء يشدّني، لا شيء يثير اهتمامي. لكلّ إنسان لغة تواصل خاصّة به يستخدمها بإقامة العلاقات المتفاوتة في القرب أو البعد عن النّاس، هذه اللّغة.. لغتي الخاصّة بالتّواصل مع النّاس، مفقودة.. ميتة، والأكثر من ذلك ليست لديّ الرّغبة بالمطلق في إيجاد لغة تواصل جديدة.. أو إحياء القديمة.”11 صحيح بأنّ الراوي تعرّض لتدمير وسحق هويّته الشخصيّة وتمّ النّيل من نواته الحميمة الداخليّة الّتي تشكّل فخر الإنسان واعتزازه بنفسه،. ولكن ليس هنا يكمن سرّ انزوائه وقراره القاطع بالابتعاد عن تجديد الرّابطة الاجتماعيّة مع الآخرين، بل إنّ محنة الموت جعلت بصيرته قويّة وقادرة على رؤية مخالب الموت كيف نشرت ذيول تعفنها في الدّلالات والتّفاعلات والخطابات والعلاقات بين النّاس خارج السّجن، بمعنى أنّ مختلف أشكال الموت المتعفّن، الّتي تتحجّب وراء مظاهر الحياة اليوميّة السّخيفة، رآها في مواجهة تجربة الموت الّتي يصعب تصوّرها من طرف النّاس، في استناد المستبدّ على الموت لاستمرار تسلطه وقهره وهيمنته، وفي الاستقطاب الدينيّ والمذهبيّ والطّائفي الّتي تنخر المجتمع وتتحين فرصة الانفجار لتأتي على الأخضر واليابس، وفي الحزبيّة الانتهازيّة، خاصّة اليساريّة منها، وفي التّعفن الّذي طال أساليب الحياة والنّمط الوجودي للمجتمع، وفي أنّ القاتل والمقتول كلّهم يحملون مشروع الموت كمشروع سلطوي وتسلطي في رؤيتهم للمجتمع. فمهما تعدّدت أشكال البعث الاشتراكيّ العربيّ، أو البعث الاسلاميّ الإخوانيّ، أو البعث الشّيوعيّ…،فإنّها مشاريع لاهوتيّة جبّارة لا تعد أنصارها قبل خصومها إلاّ بالموت شهادة أو قتلا للآخر، بخلفيات وقناعات طغيانيّة تنهل من المعين نفسه لنشأة وتكون الطّاغية. لقد عانى الراوي من تجربة الموت بشكل مضاعف، من النّظام ومن السّجناء الإسلاميين، ورأى قمّة النّذالة في هذا التّحريض الجهنميّ على القتل من قبل النّظام ومن طرف خصومه، وبقناعات راسخة من طرفهما معا في تكريس حياة التّوحش العارية.” أعرف أنّ انزوائي وانكفائي… عزوفي وكرهي للتّعامل مع النّاس حالة غير صحيّة، لكن … لا الرّغبة ولا الإرادة موجودتان للتّغيير…بل على العكس، أحسّ رعبا قاصما للظّهر عندما يومض في ذهني خاطر أن أعود للعيش كبقيّة النّاس…يا إلهي كم العيش مثلهم، متعب وسخيف.”12 لأنّ عنف التّجربة العصيّ على التّعبير والتّصور، ظلّ قابعا بين السّطور، وداخل الذّات في ظلالها المنعكسة على بياض الكتابة، لا يراه إلّا المعذّبون مثله. إنّه يدرك حجم الخراب والتّدمير والموت الوحشي الّذي يحمله المجتمع في أعماقه كمسلخ ومذبح سيادي لسلطة القهر الاستبدادي. في خارج السّجن إنهار المعنى ولا فائدة من توهّم الأمل الّذي شطح خياله في السّجن،  لقد خاب وانطفأ ذلك الضّوء الهارب الّذي ظلّ يطارده خلال مواجهته عنف تهديد الموت في السّجن، سواء من قبل المطرقة/النّظام، أو من طرف السّندان/ الإخوان. لهذا عليه بالبحث عن المعنى في نفسه في روحه اليقظة لتجربة الموت. فالحريّة خارج السّجن ليست غاية في ذاتها، وإنّما شكل للحياة عليه أن يولد الإنسان من ذاته، في صيرورة لا تنتهي من ضرورة الاشتغال على الذّات للقدرة على عيش التّغيير قبل المطالبة به، ويُمكّنه من الوعي بذاته وبقدراته، يمثّل هذا رقيا شاقّا في نفس الفرد، وهو يخوض صراعا داخل كلّ الدّلالات والتّفاعلات والعلاقات الّتي يرتبط بها، إنّها -الحريّة- إذا قضية حياة أو موت. طريق شاقٌ ومؤلم، على الإنسان أن يدفع ثمنه، وهدفه من شقّ هذا الطّريق الوعر هو أن يغيّر ذاته، إنّه بحث عن الاكتمال الّذي يترفع عن تفاهة العيش السّائدة خارج أسوار السّجن الخاصّ. ما تريد قوله هذه الكلمات مخبأ في بياض هذه السّطور الّتي ختمت بها القوقعة نصّها الجميل: ” قضيت هناك داخل قوقعتي في السّجن الصّحراوي آلاف اللّيالي أستحضر وأستحلب المئات من أحلام اليقظة، كنت أمني النّفس أنّه إذا قيض لي أن أخرج من جهنّم هذه، سوف أعيش حياتي طولا وعرضا وسأحقّق كلّ هذه  الأحلام الّتي راودتني هناك.

أرى أنّ كلّ ما يحيط بي هو فقط الوضاعة والخسّة…والغثاثة.

وتزداد سماكة وقتامة قوقعتي الثّانية الّتي أجلس فيها الآن…لا يتملكني أي فضول للتّلصص على أي كان. أحاول أن أغلق أصغر ثقب فيها، لا أريد أن أنظر إلى الخارج، أغلق ثقوبها لأحول نظري بالكامل إلى الدّاخل. إلي أنا.. إلى ذاتي.. وأتلصّص.”13 إنّ الأمر لا يتعلّق بسلبيّة مّا في موقف الراوي كما قد يتسرّع القارئ في إصدار الحكم السّطحي الجاهز وفق قوالب فكريّة نمطيّة تسكنها التفاهة وتعمي بصيرتها، بل يهدف إلى الاشتغال على الذّات بحثا عن جذوة الاكتمال الّتي تسمح برؤية بعد آخر لواقع محجوب وراء الغبار، وإنتاج معنى يمكن من الانفتاح على العالم الحقيقي الّذي يخفيه جدار الخوف الاستبدادي. ” حين يشعر المرء بأنّ حريّته السياسيّة مهدّدة فهو ينكمش على عالمه الباطني، ويدخل في علاقة عميقة وحادة مع نفسه، وعندئذ هو يعثر على مساحة للحريّة المطلقة لا تهدّدها أية سلطة خارجيّة.”14

لم يعد للحياة خارج السّجن أي معنى يشير بأنّها الحياة، فقد تعرّض النّاس لمسخ حادّ مرعب، حتّى الابتسامة لم تعد هي الابتسامة، وبأجساد ونفسيات يسكنها التّمزق والتّفكك، وهي تدرك عمق غرابة مفارقة أنّها ميتة لكنّها لا تمت إلى نفسها والحياة بصلة، لأنّها تعرّضت لتشوّه مضاعف في النّفس والعقل والجسد. هكذا لم يعد الموت هو الموت، حين يموت النّاس حفاة عراة من أنفسهم. ” الغبار.. الغبار يغطي كلّ شيء في المدينة، الطّرقات، الشّوارع، الجدران…حتّى وجوه النّاس السّائرين في الشّوارع والمتسكعين في السّاحات وعلى الأرصفة.. مغطاة بهذه الطّبقة الغباريّة الصّفراء.

يغسلون وجوههم، يجفّفونها، لكنّ الغبار لا يزول، يبدو ملتصقا بالوجوه أو أنّه من تكوينها.. ويبدو هذا الغبار واضحا عند الابتسام، فالابتسامات على ندرتها- هذه النّدرة الّتي تقترب من العدم حتّى أنّني شكّكت أنّ النّاس في مدينتي قد نسوا فعل الابتسام- تترافق مع هذا الغبار، فإذا حاول شخص مّا الابتسام، تبدو هذه الابتسامة شائهة.. ويبدو هذا الشّخص وكأنّه قد كبر في السّن عشرات السّنين، وأهمّ عرض من أعراض الابتسام هو ظهور طبقة الغبار الملتصق بالوجه ظهورا واضحا.. حينها تظهر حبيبات الغبار هذه مجسّمة واضحة.”15 وفي هذه الحالة لا ينمو داخل الإنسان غير الحقد والرّغبة في الانتقام، الشّيء الّذي يعقد سيرورة التّكون التّاريخيّ الاجتماعيّ والثّقافيّ للحريّة، ويجعل تجربة المحنة والألم ماض يرفض أن يمضي.” كلّ تحرّر أو استقلال هو، في فترة أساسيّة، من تاريخ فهمه لذاته أو لمهمته، موقف ارتكاسي، نعني أنّه ينطوي على قدر مهما كان ضئيلا من الضّغينة، أي من ثقافة الثّأر ضدّ خصم مّا”. 16

*********

الهوامش:

1-مصطفى خليفة: القوقعة.

2-نفسه.

3-و4- محمد النّاجي: العبد والرّعية، ص174، مرجع مذكور.

5- مصطفى خليفة: القوقعة.

6- نفسه.

7- نفسه.

8- مصطفى خليفة: القوقعة.

9- نفسه.

10- نفسه.

11- نفسه.

12- نفسه.

13- نفسه.

14- فتحي المسكيني: الإيمان الحرّ أو ما بعد الملّة، النّاشر المؤمنون بلا حدود ط1س2018ص43.

15- مصطفى خليفة القوقعة

16 فتحي المسكيني: الإيمان الحرّ أو ما بعد الملّة، ط1،س2018، ص48.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق