رواية الفلسطينيين بين الهوية والذاكرة القلقة / فيصل درّاج

يحيل حاضر الفلسطينيين المحاصر، كما مستقبلهم المرغوب، على بعدين متكاملين: الهوية التي تميّز وجودهم من غيره، والذاكرة التي تحتفظ بما قاسوه، وقاتلوا ليكونوا أحراراً. ويطرح البعدان كثيراً من الأسئلة، فلا وجود لهوية لا تعرف التغيّر، ولا لذاكرة صابرة تختزن دائماً ما عاشه شعب واسع الشتات، يتزايد شتاته منذ سبعة عقود وأكثر. ولعل الشتات الطويل العمر، الذي قارب الشيخوخة، هو الذي جعل حديث الفلسطينيين عن هويتهم قلقاً، وآية ذلك خطاب “روايتهم” الذي اخترقته أكثر من مرحلة.
ساوى الجيل الروائي الذي أعقب النكبة، بين تفاصيل الماضي القريب والهوية، ففلسطين جبرا إبراهيم جبرا من أرضها المقدسة، ويافا غسان كنفاني واضحة التفاصيل، وكان إميل حبيبي مسكوناً بما عاشه “أيام العرب”. كان الجميع يتذكر أرضاً “أورق فيها الحجر”، كما قال محمود درويش. اندثرت اليوم تفاصيل فلسطين كما وعتها الذاكرة، واكتسحت إرادة إسرائيل ما تريد اكتساحه. ولهذا غدت الأرض “متخيّلة” لدى جيل روائي لاحق في ستينيات القرن الماضي وما تلاه، عوّض عن الذكريات المنقوصة “برصاص الكفاح المسلح”، الذي كتب عن “هوية فلسطيني جديد”، ينتظر الرجوع إلى ما عاشه جبرا وحفظته ذاكرة غسان، وعامله حبيبي بلغة حزينة كأنها وداع.

“همشّ طغيان الحاضر المخفق موضوع الهوية، كما لو كانت هوية الفلسطيني إخفاقه السياسي”
كان من المفترض أن يجمع “اتفاق أوسلو ـ 1993” شظايا اللاجئين، وأن يرضي هوية وعدت نفسها بشيء من الأرض وببعض من قدس مستعادة. أفضى اللامتوقع الفلسطيني، عقب الخروج من بيروت 1982 ومجزرة صبرا وشاتيلا ومجازر المخيمات المتلاحقة، إلى “صمت الرواية الفلسطينية”، أو تعليق مسيرتها. فلا العودة المرتقبة تحققت ولا “الفلسطيني الجديد” بقي في مواقعه. أصابت “تلك الرواية” صدمة ألغت ثنائية “الخروج والعودة” وأهازيج الرصاص المنتصر. وكان لها بعد إيجابي، حرر رواية الفلسطينيين من أسئلة ناقصة وإجابات فقيرة. انتهى “الكفاح المسلح” إلى جملة مكاتب وألقاب، كما جاء في أكثر من رواية وصار “الفدائي المستقيل” موظفاً، وغطى التنافس الصغير على شعارات تقادمت وأسلمت الروح. قاد ذلك إلى إحباط شعبي ألغى مشروع منظمة التحرير الذي حقق، ولو نسبياً، توحيد الشعب الفلسطيني وتسييسه “المنظم”.
وبما أن الرواية، بالمعنى الموضوعي، فعل كتابي متخيّل يتعامل مع الحاضر، تعاملت رواية الفلسطينيين المتحررة، مع حاضر فلسطيني سمته “الإخفاق السياسي القائد” وبيروقراطية مبكرّة لها سلب البيروقراطيات العربية، ومع فلسطيني مغترب حلم بالعودة وسقط في ضياع لا أفق له.

“إذا كانت الذاكرة هي التاريخ في شكله المعيش، فكيف تعيش الذاكرة وتنشئ التاريخ؟”
همشّ طغيان الحاضر المخفق موضوع الهوية، كما لو كانت هوية الفلسطيني إخفاقه السياسي، كما جاء في رواية وليد الشرفا: “ليتني كنت أعمى”، أو “مخيماً مستباحاً ومجزرة”، موضوع رواية أكرم مسّلم “فتاة من شاتيلا”، أو شتاتاً ممتداً من الخليج إلى أوربا الشمالية، موضوع رواية سامية عيسى “خلسة في كوبنهاغن” ورواية سليم البيك “تذكرتان إلى صفورية”. أضيف إلى الإخفاق الموجع حسبان سلطوي فقير يدفع إلى تقاتل الفلسطينيين وتمسكهم بسلطة ما هي بالسلطة، وهو ما رسمه عاطف أبو سيف في أكثر من رواية مضيئة.

تعاملت رواية الفلسطينيين المتحررة، مع حاضر فلسطيني سمته “الإخفاق السياسي القائد” وبيروقراطية مبكرّة لها سلب البيروقراطيات العربية

وسواء تراجع الوعي بأهمية الهوية، أو انزاح مؤقتاً عن موضوعه، فإن الروايات السابقة، كما غيرها، أكثرت من طرح الأسئلة الموجعة: ما معنى الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة إن كان هناك فلسطينيون يتقاتلون على السلطة قبل تحققها؟ وماذا يتبقّى من الغيرة الوطنية في فضاء بيروقراطي سمته المصلحة الفردية وإهمال المصلحة العامة؟ أليس الشتات العميم هوية مكتفية بذاتها ملتبسة الأزمنة؟ وما معنى الذاكرة التي ترتفع في سياق وتغفو في آخر؟
قدّمت ليانة بدر في روايتها الأخيرة “أرض السلحفاة” إجابة على أكثر من سؤال بحزن شفيف ونثر متألق وإحساس رهيف، وانتهت إلى “وثيقة أدبية” بعيدة عن الصراخ وأدب الدموع. رسمت فلسطينياً عادياً عرف جزءاً من وطنه قبل هزيمة حزيران وغادره “باحثاً” عن أفق وعاد بعد أوسلو معايناً ما اختلف من أيام الطفولة إلى 2048 كما جاء في الرواية. لكأن الذاكرة موئل لما عاشه الفلسطيني في مائة عام، أو دفتر واسع النظر دافئ القلب، يسرد أفراح الفلسطينيين وأتراحهم، مفتشاً في قلب السارد وقلوب الآخرين عن: الأغاني والأعراس وأسماء الدروب والقرى وعادات الأجداد… يصف البيوت اليتيمة التي فارقها أصحابها على عجل وضحكات أطفال ما عادوا أطفالاً ويلامس ندى أوراق التين، ويعانق بحنان مذاق فاكهة لم تعرف عنف الاعتقال.

“ما معنى الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة إن كان هناك فلسطينيون يتقاتلون على السلطة قبل تحققها؟”
أيقظت ليانة بدر في “أرض السلحفاة” ذاكرة طويلة العمر. واجهت عدواً إسرائيلياً مطلق السراح. بنت نصاً ثنائي الإيقاع حده الأول ذاكرة مثابرة، وحده الآخر احتلال مسلح، وراصفت حكايات طليقة العناوين والأزمنة، متعددة الطبقات أضافت الذاتي إلى الجماعي والمرئي اليومي إلى روح جريحة متسائلة. أنجزت نصاً مدهشاً عن تداخل الذاكرة والمقاومة ولغة الإحساس وخفقات الروح، بعيداً عن البلاغة المدرسية والترصّن الرسمي واللغة المتكلسة. “ثناء على ذاكرة فلسطينية مقاومة”، عنوان مفترض لرواية صادقة وحزينة، تطرح على الفلسطينيين سؤالاً هارب الإجابة. كيف تصبح الذاكرة العاقلة جزءاً من الهوية الوطنية؟ ألا تأتي وترحل كما يأتي المتذكرّون ويرحلون؟ وإذا كانت الذاكرة هي التاريخ في شكله المعيش، فكيف تعيش الذاكرة وتنشئ التاريخ؟ وما الذي يجمع بين ذاكرة قاومت الشتات، منتقلة من طور إلى آخر، وذاكرة فلسطيني بليد يؤرقه مظهره الخارجي، كما جاء في رواية أكرم مسلم “بنت من شاتيلا”؟ يدعو جواب العقل الوطني إلى: تفعيل الذاكرة، وإدراجها في مشروع ثقافي سياسي الغايات يبحث عن “التحرّر” لا عن سلطة شكلانية، يصير الذاكرة الجماعية مرجعاً للحوار والقراءة والمراجعة!! مرجعاً نقدياً تصوغه معاناة الاحتلال ورفض حسابات فلسطينية تأتلف مع الهوان وصفها وليد الشرفا في عمله الشجاع: “ليتني كنت أعمى”.

“رواية ليانة بدر الأخيرة “أرض السلحفاة”، “وثيقة أدبية” بعيدة عن الصراخ وأدب الدموع”
والعماء هوية الذين عبثوا بهويتهم، وتطاولوا على ذاكرة مقاومة عصية على التبدّد.
تقرأ روايات الفلسطينيين، بدءاً من كنفاني وجبرا وصولاً إلى جيل ثالث، كأعمال أدبية، وكتابة تاريخ معيش متعدد الوقائع، تستعصي على المؤرخين “الاحترافيين”، بلغة الراحل إدوارد سعيد.
سؤال أخير موزع على كل الجهات: إذا كانت الذاكرة تصنع التاريخ فما الفرق بين الذاكرة التاريخية الفاعلة، وذاكرة تكتفي بردود الأفعال والانتظار؟ وبماذا تواجه الذاكرة الوطنية خيبات سياسية لا تكفّ عن التكاثر؟

أليس الشتات العميم هوية مكتفية بذاتها ملتبسة الأزمنة؟ وما معنى الذاكرة التي ترتفع في سياق وتغفو في آخر؟

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق