قرير العين

 

غارقٌ في نوم هانئٍ عميق، لا شيء يعكّر عليه هدوء قيلولته ولا حتّى صوتَ أنفاسه!

شهورٌ عديدةٌ مرّت وهو غاطٌّ في سباته الطّويل، يتقلّب على جانبيه آمنا في حجيرته الصّغيرة، يعوم ويحلم في دفءٍ وسلام، وفي طمأنينة الرّتابة والروتين يحيا.

مُرتاحُ البال ينام قرير العين. وكيف لا ينام ومرقده بيته الّذي لا يعرفه شبراً فشبراً فحسب، وإنّما يحفظه عن ظهر قلب؟

لذا تراه ينام نوم العارف، فلا شيء غريب يؤرّقه ويقضُّ مضجعه، لا أجنبي يخشاه أو يقلقه أو يهدّده، كيف لا يغفو ولا أعداء هنا ولا مجهول؟ والإنسان عدوُّ ما يجهل!

ثمّ فجأةً، مرَّةً واحدةً وإلى الأبد، وبشكلٍ أهوجٍ مجنون، وكشجيرةٍ غضَّةٍ كانت تحاول مدَّ جذورها أعمق في الأرض سعياً للرّزق يُقتلع، ويُنتشل من أحلامه ومن واقعه الّذي كان حتّى الآن كالأحلام.

مخدعه الّذي ما ألفه إلاّ آمنا مُطَمْئِنَاً أصبح على حين غرَّة مرتعاً للغرابة والذّهول والرّعب والتّوحش، فكلّ معهودٍ فيه يتغيّر بعشوائيّةٍ وبسرعةٍ جنونيّةٍ، حتّى لا يكاد يدرك ما الّذي يجري حوله! الدنيا كلّها تنقلب رأساً على عقب، هو نفسه ينقلب!

كلّ ما حوله يضطرب ويتضَعضع وينكمش، تتزلزل الأرض تحته، ينهار عليه سقف بيته وتضيق عليه الجدران تدفعه حتّى يكاد يختنق.

ولكن من أين أتى كلّ هذا الجحيم؟ وإلى متى سوف يستمرّ؟ وكيف تحوّل حضن البيت الآمن في غمضةٍ عينٍ إلى مقبرة؟! وأين المفرُّ من هذا الفناء المحتوم؟ يا للهول!

يتخبّط في حيرته وفزعه، يقاوم، لكنهّ لم يعد قادراً بعد الآن، لقد خارت قواه تماماً، إنّه يختنق دون الهواء، إنّه يقضي نحبه، إنّه يموت.

ومازال ينازع ويتحشرج علَّه يلفظ أنفاسه الأولى، إلى أن يأتيه الخلاص بأفول المخاض وتلفظه المياه إلى الخارج.

أخيراً يشهق، يصرخ ملءَ حنجرته، بل يملأ الدنيا صياحاً وبكاء، وهناك على الضّفة الأخرى من العالم قيل له: هذا بابٌ وهذا شُبَّاكٌ وهذه طاولةٌ وهذي تفاحة وهذا وجه أمّه الذّي ما إن يألفه، حتّى يصيح زاعقاً لو غاب!

أهي العادة إذاً تلك الّتي نحبّها وتُرِيحنا؟ هل حقاًّ نحن دوماً نريد ما اعتدنا عليه وأنسناه ويقلقنا ويرهبنا التّغيير ولا سيَّما إن لم يكن ضئيلاً؟

ولكن ما عالم الأسرار والألغاز هذا؟ ومن هؤلاء؟

كلّ ما في العالم الجديد غريبٌ غامض، يثير في نفسه الشَدَهَ والارتباك والخوف. إحساسه بالغربة والجهل والضّياع يتفاقم داخله حتّى يكاد يُهْلِكُه.

ولكن لماذا؟ لماذا دون سابق عِلْمِه استُبْدِلَ كلّ بادٍ جليّ بيّنٍ واضحٍ في دنياه، بالمُبْهَم المشبوه المُرِيْب المُلْتَبَس؟

لماذا؟ لماذا يُنْفَى ويُلْقَى به خارج وطنه الأثير؟ لِمَ عليه أن يُقْصَى عنه ويغترب؟

ولماذا بُغْتَةً سُلِبَ منه أمان وطمأنينة المعلوم ورُمِيَ في غياهب ومتاهات المجهول؟

لماذا بعد أن كان هناك خبيراً عليماً ضليعاً، صار هنا جاهلاً أخرقاً يستصعب حتّى أتفه الأمور ويحتاج عوناً لفهمها؟ وصَاحب الحاجة أرعن!

وتبدأ الرّحلة المُضْنِيَةُ الشّاقة على طريق الحياة الوعر، وقبل أن يدرك من هو، يكونون قد اختاروا له اسماً على ذوقهم ينادونه به وكسو جسمه بملابس اعتادوا أن يلبسوها.

وتمضي سنينٌ طوالٌ يسمع فيها أصواتاً يصدرونها، قبل أن يتمكّن من فهم ما يقولون وتَرْدِيْدِه، وتسمعهم يقهقهون عالياً ويضحكون جذلاً إن نطقها خطأً، وتراه هو يعود لتكرارها ليراهم يفرحون به وقد يغدقون عليه النّعم.

وتمضي بعد سنينٌ أطول يقضيها في مدارسهم يتعلّم علومهم وفق مناهجهم، قبل أن يتقن هذه اللّغة ويتمكّن منها قراءةً وكتابة، هذا إن كان محظوظاً بالذّهاب إلى المدرسة بدلاً من العمل. وأيّاً كانت وجهته وكي يصلها يعلمونه كيف يعبر شوارعهم ويستقلّ وسائل نقلهم من قطارٍ حديثٍ أو طائرة إلى امتطاء الدّواب وربّما تسلّق الجبال سيراً على الأقدام وعبور قرىً بحالها في سبيل ذلك.

هو الآن يعيش بينهم في بيوتهم، قصوراً كانت أم خياما، ويراهم يستعملون أثاثهم وأجهزتهم المنزليّة ويراقب آلية تشغيلها واستخدامها والإجراءات الّتي يتّخذونها لإصلاحها إن هي تعطلّت. والأهمّ من ذلك كلّه أنّه يراقبهم كيف يتصرّفون مع بعضهم البعض، وكيف يعاملون نساءهم وكبارهم وصغارهم وحتّى حيواناتهم، ودون أدنى عناء يتشرَّب القواعد الّتي تحكم سلوكهم، ديناً كان أو قوانين أو أعراف!

أمّا هم فتراهم حوله يعينونه على التكيّف مع بيئته الجديدة، فها هم يدلّونه كيف يشرب شرابهم ويأكل طعامهم على طريقتهم باستعمال أدواتهم، هذا إن كانوا بالأساس يستعملون أدوات ولا يأكلون بقطع الخبز أو بأيديهم المجرّدة. ويعلمونه كيف يقضي حاجته على طريقتهم باستخدام حماماتهم، إن كانوا من المحظوظين الّذين يملكون أيّ نوعٍ من الحمامات ولا يقضون حاجتهم في العراء.

وما إن يتقدّم به العمر قليلاً، حتّى يعلموه كيف يحجز تذكرةً للباص أو للمسرح أو للمتحف، وكيف يرسل أو يستلمُ رسالةً أو طرداً، وكيف يعبئ بطاقة هاتفه المحمول، ويستخدم بطاقة المصرف أو بطاقة التّأمين الصّحي، إن كان حَسَنَ الطّالع وحالفه الحظّ بالتّعرف على هذه الأشياء واستخدامها.

وسواء مضى عقدٌ ونيّفٌ على بداية رحلته أم بضع سنوات فقط، لابدّ وأن يمتهن إحدى مهنهم كي يتلقّط قوت يومه بنفسه ويُرشدونه كيف يبحث لنفسه عن مأوىً منفصل، إن كان من الجنس الّذي يسمح له في بلاده بالاستقلال!

وبينما هو يحذو حذوهم ويقتفي أثرهم في كلّ كبيرةٍ وصغيرة، وسواء بقصدهم أو بدونه، وكما يُدَسُّ السمُّ في العسل قد يحدث أحياناً وربّما فقط لفترةٍ وجيزةٍ من الزّمن أن يكره ويستنكر وقد يحتقر مَنْ لُقّن غير ما لُقّن هو، وإن كان هذا التّلقين مجرّد تناول أطباقٍ مختلفةٍ من الطّعام أو حتّى تناول الأطباق ذاتها بطريقةٍ مغايرة!

على أي حال ومهما طال الزّمن لابدَّ وأن يتعلّم يوماً كيف يسافر. يسافر؟!

أنا لا أسافر! أنا أضع وطني في حقيبةٍ وأمضي، لكن لما ركبت القارب المطاطي لم تكن معي حقيبة! عبرت البحر وحدي بلا وطن! ولما لفظتني المياه بكامل الصّمت هذه المرّة وبلا بكاءٍ ولا صراخٍ ولا عويل، قيل لي على الضّفة الأخرى من العالم: هذا  Tür باب، وهذا Fenster شُبَّاك، وهذه Tisch طاولة وهذي Apfel تفاحة وهذا وجه أمّي الّذي غاب!

-جميع البشر لاجؤون بالضّرورة إلى الحياة بعد الولادة، وحدهم تعساء الحظّ من اضطرّوا إلى إعادة تجربة اللّجوء مرّة أخرى-

****

ملاحظة: الصورة لـ: ميس محمد غيبور

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

التعليقات

  1. Shahin

    جميع البشر لاجؤون بالضّرورة إلى الحياة بعد الولادة، وحدهم تعساء الحظّ من اضطرّوا إلى إعادة تجربة اللّجوء مرّة أخرى-❤

    ميسو الرائعة فخور فيك لعند الله، بداية مباركة

أضف تعليق

Share This