ثلاثة نقّاد للضّمير: دوستويفسكي ونيتشه وفرويد

ينتمي النّقاد الثّلاثة الّذين كتبوا عن الضّمير — والّذين يتناولهم هذا الفصل — بالكاد إلى فريق واحد أو إطار فكري واحد (على الرّغم من أنّ بعض خطوط التّأثير يمكنها التّوحيد بينهم)، لكنّهم يشتركون في احتقار فكرة الضّمير بوصفه مسؤولًا عن التّحسين الذّاتي غير مثير للمشاكل أو مدافعًا كريمًا عن المبادئ الأخلاقيّة العامّة. ويعرض النّقاد الثّلاثة مجموعة مترابطة من المشكلات: ماذا لو كان الضّمير يمثّل عبئًا زائفًا وغير ضروري بدلًا من أن يمثّل صوت الله الآمر أو الإجماع الاجتماعي المستنير؟ وماذا لو كان الضّمير يمثّل عبئًا اخترعناه ونفرضه على أنفسنا بلا داعٍ؟ بل أسوأ من ذلك، ماذا إن قبلنا ما تمليه علينا التّأثيرات الخارجيّة المستبدّة أو الزّائفة وأضفينا عليها صفة ذاتيّة، ممّا يؤدّي إلى ضمير يتشكّل من التّحيز الجاهل والمنع غير المدروس؟

الهجوم على الضّمير

في رواية «الجريمة والعقاب» (١٨٦٦) لدوستويفسكي، ينشغل بطل الرواية (أو على الأحرى بطلها الّذي لا يحمل الصّفات المتوقّعة من البطل) راسكولنيكوف مبكرًا بفكرة أنّ الضّمير — أو في هذه الحالة صاحبه الملازم «الخوف الفطري» — قد يمثّل بالفعل قيدًا غير ضروري على اختيارات الإنسان وأفعاله، فهو يتصوّر أنّ «الإنسان إن لم يكن يتّصف بالنّذالة في الحقيقة … لا يتبقى له سوى التّحيز والخوف الفطري، ولا وجود للحواجز». ويكرّس المؤلّف بقيّة أحداث الرواية لإظهار خطأ راسكولنيكوف وإثبات وجود الحواجز، لكنّه لا يترك هذه الحواجز دون تحدّيات؛ حيث تبحث الرواية في دراسة الشرعيّة المختلطة والمنقوصة غالبًا لهذه القيود الّتي نفرضها على أنفسنا. ويُعترف بالضّمير — وغيره من الأنواع الأخرى من القلق المصحوب بالشّك — بوصفه أحد هذه الحواجز، وتتعرّض دوافع سلطته بشكل دائم إلى اختبار شديد التّشكك.

يؤكّد راسكولنيكوف موقفه من الضّمير في مقال جدلي يزعم فيه أن «الإنسان «المتميّز» له الحقّ — وهو ليس حقًّا رسميًّا بل حقّه الخاصّ — في السّماح لضميره بتخطي عقبات معيّنة». ويقدّم صديقه رازوميخين اعتراضًا أخلاقيًّا شديدًا قائلًا: «إنّك في نهاية المطاف تسمح بإراقة الدّماء دون أن تشعر بالذّنب … ومن وجهة نظري، فإنّ هذا السّماح بإراقة الدّماء دون الشّعور بالذّنب أو وجع الضّمير أكثر فظاعة ممّا إذا كانت إراقة الدّماء مسموحًا بها رسميًّا وقانونيًّا.» لكنّ النّقد الأكثر حدّة يظهر في النّهاية على لسان بورفيري قاضي التّحقيق مع راسكولنيكوف، والّذي يناقشه في ادّعاءاته السّاذجة بالتّميز، ثمّ يخلُص إلى الملاحظة نافذة البصيرة بأنّ بعض هؤلاء الأشخاص الّذين يتسمّون ظاهريًّا بالتّميز قد يحقّقون أهدافهم، لكنّهم (على لسان راسكولنيكوف) «يبدؤون في إنزال العقاب بأنفسهم». وقد تمكّن راسكولنيكوف مؤقتًا من كبت هذا المبدأ التّشريعي في عقله، والّذي كان يمكنه منعه من اقتراف جريمته، لكنّ كلّ شيء له ثمن «لقد قتلت نفسي وليس العجوز الشّمطاء»، بالإضافة إلى أنّ هروبه من قسوة ضميره كان هروبًا مؤقّتًا وليس دائمًا. ومن خلال قياس عجز راسكولنيكوف عن الهروب من قسوة ضميره، يقدّم لنا دوستويفسكي شخصيّة سفيدريجيلوف غير الأخلاقيّة والّذي يتناوب بشكل عشوائي القيام بأعمال شائنة من النّاحية الأخلاقيّة وأعمال أخرى تتّسم بالكرم المطلق، والّذي يصف ضميره بأنّه «في حالة خمول تامّ». ولا يستطيع راسكولنيكوف تبنِّي هذا الموقف على الرّغم من تهديداته ﺑ «تخطي» الحدّ الفاصل الأخلاقي، وعلى الرّغم من جميع تخيُّلاته النابوليونيّة.

سوف يتعرّض راسكولنيكوف بالفعل للبعث من جديد في سيبيريا عند نهاية الرواية، لكنّ هذا البعث لن ينشأ عن «تأنيب الضّمير» الّذي تتخيّله دونيا المخلّصة (لكنّها ضعيفة الخيال). وحتّى وهو يندفع مهاجمًا نفسه لعجزه عن اتّخاذ «الخطوة الأولى»، فإنّه مازال يعاني من كبريائه الجريحة والانتقاد التّأديبي لعجزه عن الهرب من أوجه قصوره أكثر ممّا يعاني من الضّمير نفسه، وتظلّ علاقته بالضّمير متأرجحة ومتضاربة. وحتّى وهو يحاول التّغلب عليه بوصفه قوّة مؤثّرة في حياته ويرفضه بثبات في نهاية الأمر، فهو يمثّل مجموعة من «النّتائج» خلال الرواية، ويمكننا تفسيره بوصفه عبئًا ضمنيًّا في انجذابه المبكر اللاّنهائي للاعتراف، وفي إفراطه في النّقد الذّاتي إلى حدٍّ مَرَضي، وفي إقصائه النّهائي لذاته الجريحة وكبريائه المفرطة لصالح حبّ مُذِل مهين.

تمثّل رواية «الجريمة والعقاب» دراسة للضّمير وليس تبريرًا له بالمعنى الدّقيق، واستمرّت تلك الدّراسة في كتابات دوستويفسكي الأخرى، وخاصّة في روايته الّتي تؤكّد نفس النّقطة «الإخوة كارامازوف» (١٨٨١). ويمكن القول إنّ الرواية بأكملها يمكن تفسيرها باعتبارها دراسة «لمبادئ» الضّمير، وهي تبدأ بتعريف «الضّمير الكارامازوفي» التّقليدي بوصفه اختزالًا لإدراك أخلاقي سطحي وغير مكتمل، ثمّ تطرح تساؤلات بلا إجابة شافية عن كيف وأين يمكننا أن نجد رؤية أكثر استدامة للضّمير. وانطلاقًا من افتراضات الدّين المؤسّسي، يقدّم رئيس الكنيسة رؤية تقليديّة لكنّها إنسانيّة يحمي الضّمير بموجبها المجتمع، ويمتلك القدرة على التّغيير الفرديّ بمقتضى «قانون المسيح فحسب الّذي يتجلّى في اعتراف المرء بضميره». وهذا النّوع من الضّمير تديره الكنيسة، وهو يتيح الفرصة للإصلاح الدّاخلي الّذي يمتلك القدرة على «تخفيف» الشّعور بالذّنب. لكنّ هذا التّداول للمسؤوليّة بين الكنيسة المؤسسيّة والفرد الّذي ينتقد ذاته ليس صارمًا بالقدر الكافي من وجهة نظر رئيس محكمة التّفتيش المدافع عن مؤسّسة تعلم احتياجات الأفراد أفضل ممّا يعلمونها هم أنفسهم. وتوحي وجهة نظر شيخ الكنيسة له بالتّحرر الذّاتيّ، وهي في مرونتها «الغامضة غير العاديّة وغير المحدودة» لا تقدّم أساسًا مستقرًّا لتهدئة ضمير لا يقنع ولا يشبع بطبيعته، ويقدّم رئيس محكمة التّفتيش ضميرًا محدودًا واضحًا في مطالبه تدعمه السّلطة الكنسية في كلّ المواضع.

ومن جانبه فإن إيفان العاقل (لكن المهزوز) يتحالف مع الشّيطان أكثر ممّا يتحالف مع رئيس محكمة التّفتيش، وتعد حوارات إيفان مع الشّيطان بالطّبع معبّرة عن الشّكوك والاحتمالات الّتي تنشأ داخل عقله. وفيما يتعلّق بالضّمير، يمكن فهم هذا البديل الشّيطاني باللّغة الفرويديّة على أنّه يقدّم أكثر البدائل إغراءً وإرباكًا، متذرعًا بصيغة النّفي الّتي يصوغ بها هذه البدائل؛ أي إنّ إيفان يسمح لنفسه بأن يقول ما يفكّر فيه أو يخشاه بالفعل مدعيًا أنّه يمثّل إغواءً شيطانيًّا. وفيما يتعلّق بالضّمير، يستأنف الشّيطان العمل من حيث توقّف راسكولنيكوف مقتنعًا بأنّ مهمّة الإنسان المتميز تتمثّل في تحرير نفسه من قيود الضّمير. ويصيح إيفان في أليوشا قائلًا:

لقد سخر منّي! وذلك ببراعة، ببراعة شديدة قائلًا: «الضّمير! ما الضّمير؟ إنّني أختلقه بنفسي، فلِمَ أُعاني إذن؟ بحكم العادة، بحكم العادة الإنسانيّة البشريّة على مدار سبعة آلاف عام. دعنا إذن نتخلّص من العادة، وسوف نصبح آلهة!» لقد قال ذلك، لقد قال ذلك!

لكنّ إيفان، على غرار راسكولنيكوف، يغوي نفسه ويعذّبها بأفكار لا يستطيع في نهاية الأمر تحمّلها، وفي أكثر أفكاره جرأة فهو يدَّعي للقاتل الحقيقي سميردياكوف أنّه لولا الله «لكان كلّ شيء … مباحًا، مهما جرى في العالم، ومن الآن فصاعدًا يجب ألاّ يصبح هناك أي شيء ممنوع». وهو لا يستطيع أن يحتمل مواصلة التّظاهر بالشّجاعة، فهو على الرّغم من كلّ شيء على شفا اعتراف مدفوع بالذّنب مخادع لذاته جزئيًّا باشتراكه في قتل والده، وتمتدحه الشّخصيات الأخرى لما يطلق عليه أليوشا «ضميره العميق»، وسوف تعلن كاتيا في المحكمة أنّه ضحية «ضمير عميق، عميق بشدّة» يعذب نفسه، وتحييه في النّهاية وهو يرقد مصابًا بالحمى الدّماغيّة بوصفه «بطلًا للشرف والضّمير». لكنّ تلك المحاولات لامتداحه بوصفه نموذجًا مجسّدًا للضّمير تسعى إلى فرض وجهة نظر تقليديّة متخلفة على موقف لم يعد يدعمها. وفور أن وضحت فكرة الضّمير بوصفه اختراعًا أو نظريّة وعبئًا غير ضروري مفروضًا ذاتيًّا، حتّى وإن كان ذلك عن طريق متحدّث رسمي سيء السّمعة كالشّيطان ذاته، أو حتّى بوصفه خيارًا سيئًا في أفكار إيفان المحمومة، فسوف تظلّ مصدر إزعاج إضافي لمفهوم يلاقي الكثير من التّحديات بالفعل.

عند اكتشاف ترجمة فرنسيّة لرواية «رسائل من أعماق الأرض» عام ١٨٨٧، كتب نيتشه إلى صديقه أوفربيك قائلًا إنّ «غريزة القرابة (أم ماذا أطلق عليها؟) قد أعلنت عن نفسها بوضوح في الحال». ويعتبر القول الّذي وجَّهه إيفان إلى سميردياكوف «كلّ شيء مباح» أحد التّعبيرات النموذجيّة لنيتشه، وتشير حقيقة أنّ نيتشه قد كرّر تلك الكلمات (حتّى وإن كان ذلك مصادفة، أو خاصّة إن كان ذلك مصادفة) في كتابه «أصل الأخلاق وفصلها» إلى الخلفيّة المشتركة الّتي يحملها هذان المفكّران. وقد احتفى نيتشه بتأمّلات رجل الأعماق المروّعة، وشاركه وجهة نظره القائلة إنّ أقسى ألم داخلي مبرح موجّه للذّات كما هو مجسّد في المبدأ الرّئيس في كتاب «أصل الأخلاق وفصلها» القائل إن «أنت وحدك الملام على شؤونك الخاصّة». ويعتمد على هذا المبدأ اتّجاه الاستياء كما يفهمه نيتشه، وهو انحراف عن الاتّهام الموجّه من الظّروف الخارجيّة المتمرّدة نحو اتّهام للذّات لا مبرّر له لكنّه مُلح. ويمثّل أبطال دوستويفسكي — الّذين يتّهمون ذواتهم ويعاقبونها — أفضل كوكبة يمكن تخيُّلها من الأبطال على طراز نيتشه الّذين يتّهمون ذواتهم أيضًا.

ومن وجهة نظر نيتشه، فإنّ الضّمير يحرِّض على هذا الاتّهام الذّاتي، وهكذا فهو يصبح جزءًا من المشكلة وليس الحلّ بالنسبة للجنس البشريّ. وفي كتابه «أصل الأخلاق وفصلها»، يحاول أن يبرهن أنّه بسبب هجمات القيود الدينيّة والاجتماعيّة فإنّ العدوانيّة الطبيعيّة الّتي يتّصف بها الجنس البشري والتّلذّذ بالانتقام قد أعيقا وأجبرا على التّوجه للدّاخل؛ ومن ثَمَّ أصبح الإنسان يعادي ذاته وترجم ذلك إلى ممارسات تعذيب الذّات بنفس القسوة الّتي كان يمارسها أسلافنا المتعطشون للدّماء. والضّمير هو متعهّد هذا العقاب الذّاتي المغروس لا شعوريًّا في الذّهن، وهو يقول: «إنّني أنظر للضّمير النّادم بوصفه المرض الخطير الّذي يصاب به الإنسان لا محالة تحت ضغط أكثر التّغييرات الّتي مرّ بها جذرية، وهو ذلك التّغيير الّذي حدث عندما وجد نفسه في نهاية الأمر محاصرًا داخل جدران المجتمع والسّلام.» ولما كانت الإنسانيّة مقيّدة إلى هذا الحدّ وتعمل على توجيه إحباطاتها من جرّاء هذا التّقييد للدّاخل، فقد ينظر إليها كما لو كانت «حيوانًا يحكّ جسمه بقضبان قفصه حتّى يلحق بنفسه الأذى». ولما كان الجنس البشري غارقًا في شعور بالدّين الّذي لا يرد والنّدم غير المحدود، فقد «اخترع الضّمير الفاسد كي يؤذي نفسه بعد أن سُدّ المتنفّس الطّبيعي لرغبته».

وبالطّبع فإنّ أسطورة الأصل الخاصّة بنيتشه خاطئة تمامًا وغير مقنعة على الإطلاق فيما يتعلّق بالتّاريخ الحقيقيّ لهذا المفهوم، فهو يتخيّل الضّمير النّادم كما لو كان تطوّرًا حديثًا نتج عن حظر القسوة وحظر الاحتفالات بالعقاب الّتي كانت تلازم نقض العهود وخرق العقود سابقًا وتذيل النّظام القضائي بأكمله، بينما في حقيقة الأمر فإنّ الضّمير النّادم الّذي يؤلم صاحبه ويزعجه ويجرحه ويهدّده كان موجودًا منذ البداية (كما أوضحت سابقًا) في القانون وفي القضاء الروماني، ومنذ تبنِّي المسيحيّة له منذ القدم. ولا يمكن أن تكون تخيّلات نيتشه لعصر فردوسي كان فيه البشر يتقبّلون عنفهم وقسوتهم ويحتفون بهما وكانت كلّ الضّمائر سليمة تخيلّات حقيقيّة؛ وذلك لأنّه منذ ظهور الضّمير لأوّل مرّة وهو يستنكر السّلوك السّيء ويطالب بالتّحول إلى وضع أفضل. وكما أكّد تيليك وآخرون، فإنّ الحالة الشّعوريّة غير المستقرّة (ومن ثَمَّ شديدة «النّدم») هي الوضع الافتراضي للضّمير، والضّمير «السّليم» الّذي يشعر بالرضَى عن أفعال صاحبه علامة أكيدة على وجود مشكلة أخلاقيّة.

الضمّير: هل هو مثير للمتاعب أم ذات أخرى؟

كانت هويّة الضّمير بوصفه «ذاتًا أخرى» خارقة للطّبيعة قد استقرّت بالفعل عندما تهجّم ضمير أوغسطين عليه لفظيًّا في نهاية القرن الرّابع، وكان ضمير أوغسطين يمثّل جزءًا منفصلًا عنه أو قسمًا منه أو موضع مراقبة يمكن للمرء منه أن يراقب تصرّفاته. وقد علّق عالم اللاّهوت ويليام بيركنز في كتابه الّذي يحمل عنوان «خطاب الضّمير» (١٥٩٦)، بدهاء على ما أطلق عليه تَصَرُّفَي الفهم قائلًا: «يفكّر العقل في فكرة، ويتخطّى الضّمير العقل ويعلم ما يفكّر فيه … وعن طريق هذا التّصرف الثّاني قد يشهد الضّمير حتّى على أفكاره.» ويتعرّض نظيره الأدبي شبه المعاصر، ريتشارد الثّالث — من تأليف شكسبير — لعمليّة تقسيم لجزأين متناقضين على نحو مشابه، حيث يعترف قائلًا «إنّني … أكره نفسي؛ نظرًا للأفعال البغيضة الّتي ارتكبتْها نفسي.» وفي القرن الثّامن عشر أضفى آدم سميث وإيمانويل كانط شكلًا محدّدًا على هذا الانعكاس، وذلك عن طريق نظرياتهما القائلة بوجود متفرج موضوعي يعلم عنّا كلّ شيء ويراقب أفعالنا.

ولمّا كانت هي النفس والآخر في الوقت ذاته، فإنّ تلك الذّات الأخرى تمزج بين موضوعيّة الغريب والألفة الشّديدة مع أفكارنا، وتقدّم لنا تلك «الذّات الأخرى» مصدرًا قيمًا للتّعقيد الأخلاقي لمعنًى منقوص للذّات بوصفها كاملة و«صحيحة»، لكن على حساب الانقسام الدّاخلي. وقد وضع فرويد تلك القدرة في سلسلة تمثّل مصدر إزعاج، معلّقًا في مقاله الّذي يحمل عنوان «عن النرجسيّة» أنّ الضّمير «يمكننا من فهم ما يطلق عليه «أوهام الملاحظة» … الّتي تعتبر أعراضًا بارزة لأمراض جنون العظمة». ولا داعي لأن يوصم صاحب الضّمير بجنون العظمة، حيث توفّر تلك الذّات الأخرى مصدرًا محتملًا للتوازن، لكنّ الفرد المبتلَى بالضّمير يعلم بعض الشّيء عن تجربة المصاب بجنون العظمة في الانقسام الدّاخليّ.

وعلى الرّغم من ذلك فقد توصَّل نيتشه بالطّبع إلى اكتشاف مهمّ، ويشبّه هذا الكشف ما وسوس به الشيطان لإيفان كارامازوف قائلًا إنّ الدّخول في حكم الضّمير — حتّى وإن لم يكن طوعًا تمامًا — فهو على الأقلّ أمر يجب أن نقوم به بأنفسنا. وسواءٌ أكان موجودًا منذ البداية أم، كما يدعي، مفروضًا متأخّرًا، فإنّ الضّمير الباعث على النّدم أمر يجب أن نصيب به أنفسنا، أو على الأقلّ نسمح لأنفسنا بأن تصاب به.

اقترح كلٌّ من دوستويفسكي ونيتشه موضوعًا أن الإنسان منقسم على ذاته، وأنّه في مواجهة مع صوت معادٍ أو عقابي قد اخترق بالفعل كلّ المجالات الدفاعيّة واستقرّ به المقام في العقل. ويسمع إيفان كارامازوف هذا الصّوت كما لو كان صوت الشّيطان، على الرّغم من أنّنا ندرك أنّه شكل مختلف عنيد لصوته هو. ويؤكّد نيتشه أنّ مثل تلك الأفكار المؤذية للنّفس يعبّر عنها صوتنا الخاصّ كما لو كانت أفكارنا نحن، فنحن — كما يقول في مقدّمة كتابه «أصل الأخلاق وفصلها» — «غرباء عن أنفسنا»، أي أنّنا نعزل أنفسنا عن أنفسنا عندما نقّدم أفكارًا عقابية أو أفكارًا تجلد الذّات كما لو كانت أقوالًا شخصيّة أو خاصّة. وهو يتفهّم جيدًا — كما سيتفهم فرويد — أنّ هذا الصّوت العقابي قد يقدّم نفسه متخفيًا في المظهر اللّطيف للإصلاح أو التّأديب من أجل تحسين حالنا، لكنّه في الوقت ذاته مصدر للعذاب اللاّنهائي.

ويعلّق نيتشه على الضّمير قائلًا: «تغلّب عليه!» لكنّه لا يتوقّع أن نتغلّب عليه في وقت قريب، وسواء أكانت الظّروف مواتية أم لا (وبالطّبع سوف يقول نيتشه إنّ الظّروف غير مواتية)، فمن غير المحتمل أن ننجح في إبعاد هذا الصّوت عن رؤوسنا أو آذاننا. أمّا كيفيّة تسلّل هذا الصّوت إلينا فهو موضوع تعلم عنه فرويد الكثير من كلٍّ من دوستويفسكي ونيتشه، وهو يبني عمله على افتراضاتهما في نظريته الخاصّة بالضّمير بوصفه صوت الأب المعاقب.

يُعتبر إيفان كارامازوف حالة فرويديّة نموذجية قبل ظهور فرويد، فعلى الرّغم من أنّه لم يقتل والده، فإنّه يعترف بالاشتراك في الجريمة لأنّه تمنّى موته، حيث تساءل أثناء محاكمته: «ومن منّا لا يتمنّى وفاة والده …؟» هذا إذن هو مولّد الضّمير، حيث يقوده شعوره بالذّنب إلى تخيّل نفسه شريكًا في جريمة لم يرتكبها. ولا عجب أنّ فرويد — الّذي اعتبر «الإخوة كارامازوف» أروع الروايات الّتي كُتبت على الإطلاق — قد انصبّ اهتمامه عليها في مقاله الّذي يحمل عنوان «دوستويفسكي وجريمة قتل الأب»، حيث وجد في دوستويفسكي نموذجًا مَرَضيًّا لمن يحمل صوت والده النّاهي في الأنا الخاصّة به، لكنّه لا يتحمل قيود هذا الصّوت ومن ثَمَّ يصبح مشهورًا بقتل والده. وهو يقول عن الرواية: «لا يهمّ من ارتكب الجريمة حقًّا، فعلم النّفس لا يهتمّ سوى بمعرفة من رغب شعوريًّا في وقوعها ومن رحب بوقوعها عندما تمت.» وهو في تلك الحالة ليس الأخ غير الشّقيق القاتل سميردياكوف فحسب، بل أيضًا ديميتري وإيفان.

ومن المفاهيم الفرويديّة الأساسيّة أنّ الشّعور بالذّنب — والضّمير بوصفه محرضًا له — أكثر حريّة في الحركة ممّا نتخيّل، وأنّ علاقتهما بالفعل الإجرامي تختلف عمّا يفترضه النّاس غالبًا. فبدلًا من كونه نتيجة للفعل الإجرامي، فإنّ الشّعور بالذّنب المتولّد عن الضّمير يمكن فهمه في النّظام الفرويديّ بوصفه حافزًا للفعل الإجراميّ؛ ومن ثَمَّ فإنّ الفاعل الّذي يشعر بالذّنب نتيجة للعداء المكبوت أو أي نوع آخر من الاستياء يرتكب (أو يتوهّم أنّه قد ارتكب) جريمة من أجل تقديم معادل موضوعي للشّعور بالذّنب. وهو ما يلقي الضّوء على موضوع معرفة فرويد الوثيقة بكتابات نيتشه وإعجابه به، حتّى أنّه ينسب إليه (في كتابه «أنواع الشّخصيات في التّحليل النّفسي») مفهوم «سبق الذّنب للجريمة». وفي هذا الاتّهام، يقل اعتبار الضّمير (وربيبه الشّعور بالذّنب) قادرًا على السّيطرة على الجريمة أو مبرئًا منها، بل يُرى بوصفه أمرًا متأصّلًا في الجريمة نفسها أو شعورًا لا يهدأ بالاستياء من المرجح أن يؤدي إلى ارتكاب جرائم أكثر ممّا يؤدّي إلى السّيطرة عليها أو التّكفير عنها.

ويتطلّب الأمر مقالًا منفصلًا لتتبع أوجه الشّبه بين أفكار كلٍّ من فرويد ونيتشه عن الكبت وبعض المفاهيم الأساسيّة الأخرى، لكنّني أودّ الإشارة بوجه خاصّ إلى اعتماد فرويد الضّمني — وفي الوقت ذاته شديد العمق — على نظريات نيتشه عن الضّمير المعاقب للذّات في صياغته لأفكاره الخاصّة عن الأنا العليا أو الأنا المثاليّة وعدائها الفطري العقابي للأنا وبالتّالي للذّات. ويمكن إيضاح هذا التّشابه الشّديد في اقتباس صغير من كتابات كلٍّ منهما:

ليس الضّمير … كما قد تعتقد، هو «صوت الله داخل الإنسان»، لكنّه غريزة الوحشية الّتي تتّجه للدّاخل ما إن تعجز عن تفريغ شحنتها بالخارج.

*****

المصدر:

بول ستروم: الضّمير مقدّمة قصيرة جدّا، مؤسسة هنداوي، للتّعليم والثّقافة، الطّبعة الأولى، 2014.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق