أليساندرو باريكو في “اللعبة”.. مرحباً بـ”الهمجيَّة” / عماد فؤاد

“بين وقت وآخر، يأتي شيء ما جديد ليُحدث ثورة تقنيّة هائلة، ومن ثمّ يغير كلّ شيء”- بهذه الكلمات قدّم ستيف جوبز، مؤسّس شركة آبل، يوم 29 يونيو/حزيران 2007 أوّل جهاز آيفون إلى العالم، انطلق تصفيق الحاضرين فقاطعه الرجل قائلاً: “كانت آبل محظوظة حين قدّمت للعالم عدداً من هذه المنتجات؛ في 1984 قدّمنا ماكنتوش، الكمبيوتر الذي لم يكن ثورة على شركتنا فحسب، بل على مستوى الصّناعة بأكملها. في 2001 قدّمنا أوّل جهاز آيبود، والذي لم يقتصر أثره على طريقة استماعنا للموسيقى فقط، بل أحدث ثورة في صناعة الموسيقى نفسها. واليوم نقدّم ثلاثة منتجات ستُحدث ثورة هائلة في جهاز واحد، وسوف يكون اسمه آيفون”.
منذ سبعينيّات القرن الماضي، تضاعف الإرث الفلسفي والتّحليلي لمظاهر الثّورة التّكنولوجية الحديثة، فظهرت عشرات الكتب والدّراسات التي تتناول تأثيرات هذه الثّورة على المناحي الاجتماعيّة والثّقافية والسّياسية لحياتنا المعاصرة. لم يبق أحد من كبار الفلاسفة والكُتّاب إلا وكتب عن رؤيته لهذا التّطور التّكنولوجي المرعب، والذي أدّى سريعاً إلى ثورة غير مسبوقة في عالم الاتصالات، شكلّت بدورها تهديداً صريحاً للكثيرين، وأعلنت عن تفتّت وشيك للأسوار التي كانت تحتمي خلفها النّخب عامّة.
قبل 14 عاماً، وتحديداً في 2006، خرج علينا الرّوائي والكاتب الإيطالي أليساندرو باريكو، النّزيل الدّائم على قوائم “الأكثر مبيعاً”، ليقدّم تحليلاً شاملاً لعصرنا في كتابه “البرابرة”. والذي أحدث صدى لا يستهان به حال صدوره. في هذه المقالات حاول باريكو أن يشرح لقرّائه، وبطريقة مبسّطة، لماذا صرنا نشهد تحوّلات كبرى في السّنوات الأخيرة، من عيار ما حدث قبل انطلاق عصر النّهضة أو المرحلة الرّومانسية. وقتها أطلق باريكو كلمة “طفرة” بدلاً من “تحوّل”، واعتبر حينها أنّ هذه الطّفرة الكبرى ستشكّل نهاية للعالم كما نعرفه اليوم، وبداية لعالم جديد تتحكّم فيه تكنولوجيا الاتّصالات. من هنا يبدأ باريكو مناقشة وتحليل ما أسماه “ظاهرة الفقدان التّدريجي لوعينا الثّقافي في عصر الطّفرة الرّقمية”، نقول “مناقشتها” وليس “معاداتها” كما فعل مواطنه أومبرتو إيكو قبل رحيله، وهو ما أوضحه باريكو في أحد حواراته قائلاً: “علينا أن نتفهّم أنّه ليس هناك تضاد بين “الحضارة” و”الهمجية” في لحظتنا المضطربة هذه، ثقافتنا تشهد باختصار واحدة من أهمّ طفراتها التّكنولوجية، وعلينا تفهّمها واستيعابها”. ما يحدث وفقاً لباريكو إذاً هو “حركة انتقال مخيفة في سرعتها من ثقافة قديمة إلى ثقافة أحدث”.

غلاف الترجمة الهولندية لكتاب البرابرة الذي صدر في 2006

“اللعبة”
بعد 14 عاماً من صدور “البرابرة”، يبدو أن باريكو لا يزال لديه ما يريد أن يخبرنا به حول هذه التّحوّلات أو الطّفرات، وها هو الآن يُطلق كتابه الجديد “اللعبة”، القسم الثّاني والمتمّم لـ”البرابرة”، (The Game, Alessandro Baricco, De Bezige Bij, Amsterdam 2019) حيث لم تعد هناك “تحوّلات” أو “طفرات”، بل “ثورات” هذه المرّة، يتتبّعها باريكو مثل عالم آثار، راصداً تأثيرات وأسباب الثّورة الرّقمية، عواقبها ومخاطرها، في محاولة منه لفهمها، ومن ثمّ لشرحها لنا. فينطلق من ذات المشهد الذي ذكرناه لستيف جوبز قبل قليل، وهو يقدّم أوّل جهاز آيفون إلى العالم، من هذا المشهد انتقى باريكو عنوان كتابه، كان ستيف جوبز يلعب حرفيّاً وهو يستعرض الآيفون، لعبته الجديدة، والتي سيجعل منها خلال أشهر قليلة لعبة هؤلاء الملايين جميعاً.

في الحوار المطوّل، الذي سننشر ترجمته هنا لاحقاً، يقول أليساندرو باريكو: “بدأت التّفكير في العنوان بعد أن وصلت إلى منتصف الكتاب، في البداية فكّرت في عنونته بـ”البرابرة 2” باعتباره عنوان عملي، فهو تكملة للكتاب الأوّل، لكن عندما وصلت إلى مقالة عن ستيف جوبز، والتي كنت أصف فيها كيف قدّم أوّل جهاز آيفون للعالم وهو “يلعب” مع اختراعه أمام الشّاشات، أدركت أن “اللعبة” ستكون عنواناً أكثر ملاءمة لمحتوى الكتاب ككلّ”.
منذ قراءتنا لقائمة محتويات “اللعبة” وعناوينه الدّاخلية، ندرك أن باريكو يريد هو الآخر أن يلعب، تبدأ مقالات الكتاب بعناوين مثل: اسم المستخدم، كلمة المرور، التّشغيل، الخرائط، وغيرها من المصطلحات المرتبطة بعالم الكمبيوتر والإنترنت. بالضّبط كما لو كنّا نجلس أمام شاشة وليس أمام كتاب، وصفحة وراء صفحة تتزاحم مفردات ثورة الإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات أمامنا، كما لو كان باريكو لا يزال مندهشاً من التّطور الذي بتنا نلمسه كلّ يوم، أو قل الذي لم نعد قادرين على ملاحقته بالدّرجة التي تجعلنا نتفهّم حقيقته. يعيد باريكو النّظر إلى عالمنا المتغير بفضل Google، فحين كتب البرابرة في 2006 لم يكن هناك آيفون بعد، أما اليوم فهناك آلاف الثورات: إنستغرام، Airbnb، تويتر، Uber، WhatsApp وفيسبوك. يؤمن باريكو بأنّ الانقراض سيكون مصير كلّ من يتقاعس عن تطوير نفسه، ويضرب مثلاً طريفاً على ذلك بموت BlackBerry عام 2016، حيث: “لم يكن قادراً على مواجهة الثّورة التي أطلقها بنفسه. فتحوّل من غورباتشوف الهواتف إلى كائن منقرض”.

اللافت في كتاب باريكو الجديد، أنّ الكاتب الذي بدا حادّاً في انتقاداته لهذه التّحوّلات الكبرى في “البرابرة”، يعود إلينا في “اللعبة” بشكل أكثر إيجابيّة وتقبُّلاً ممّا كان عليه من قبل تجاه هذه المتغيّرات العاصفة. صحيح أنّ عالمنا الحديث يتغيّر، وبشكل متسارع جداً، إلى الدّرجة التي يصعب معها التّحليل أو استخلاص نتائج أو حتى طرح حلول، لكن، ووفقاً لباريكو: “لا يوجد أيّ تلوّث في الهواء”! في 2006 حقّق “البرابرة” نجاحاً ومبيعات ومعارك لم تكن في الحسبان، وفيه رصد باريكو حمّى الذين يتصفّحون العالم من خلف شاشات أجهزة حواسيبهم، مُشكّلين شبكات افتراضية عابرة للحدود، من نوعية هوتميل وسكايب وغرف الدردشة، إلّا أنّنا نجده في “اللعبة” أكثر تسامحاً تجاه الثّورات الأحدث، بل وأحياناً مُرحّباً بتأثيراتها حتى ولو كانت سلبيّة، كما لو كان يفتح جميع الأبواب على مصاريعها للتّرحيب بقدوم “البرابرة” الذين حذّر من تكاثرهم قبلاً، وكأنّ لسان حاله يقول: “ليأتِ من يأتي، وليحدث ما يحدث”، متسامحاً عن ذي قبل مع خضوع مجتمعنا السّريع لعصر جديد من “الهمجيّة الرّأسماليّة” كما يسمّيها في كتابه بنفسه.
النسخة الهولندية من اللعبة- آخر كتب باريكو

ومع ذلك، لا بدّ من الاعتراف بأنّ باريكو يقدّم في “اللعبة” نظرة قويّة لواقعنا الحالي، لا يترك خلالها تفصيلة إلا ويضعها تحت مجهره، بدءاً من انتشار مواقع البورنو وسيطرة نتفليكس على السّينما وتسليع الأدب على أمازون، وانتهاءً بفلسفة لعبة كرة القدم وتدمير واتساب وسكايب لثروات شركات الموبايل. ربّما نتّفق مع صاحب رواية “حرير” في تشبيه الكتاب بكونه “مجموعة من المحاضرات”، فمتعة السّرد التي يتقنها باريكو تظلّ مهيمنة على حواسّنا أثناء القراءة، إلى الدّرجة التي نجد أنفسنا فيها ونحن نبتسم أو نضحك أو نغلق الكتاب ونحن نتأمّل استنتاجاً مثيراً له في إحدى هذه القضايا والظواهر التّكنولوجيّة الجديدة.

من النّقاط القويّة الأخرى في مقالات “اللعبة”، ثراؤها بالعديد من الاستعارات والتّشبيهات والاستخلاصات الذّكيّة، يشبه باريكو في إحداها مثلاً تحرّكاتنا على شبكة الإنترنت في لحظة معيّنة بذبابة تطير في عربة قطار متحرّكة، صحيح أنّ لدينا شعوراً بالحرّية ونحن نتمتّع بحركتنا في عالم الإنترنت، يشبه ما تشعر به هذه الذّبابة وهي تطير في عربة القطار المتحرّكة، إلا أنّنا في الحقيقة مثلها تماماً؛ يتمّ دفعنا في اتجاه معيّن من قبل أنواع شتّى من الخوارزميّات غير المرئيّة، تقودنا فئراننا من رابط إلى آخر، فيما يتعاظم الحساب البنكي لأصحاب مواقع السّوشيال ميديا بوتيرة أعلى، مع كلّ نقرة من نقرات أصابعنا في غياهب الفضاء الإلكتروني.
أليساندرو باريكو: ثقافتنا تشهد واحدة من أهمّ طفراتها التّكنولوجية، وعلينا تفهّمها واستيعابها

“الهمجيّة التّكنولوجية”
يفتح أليساندرو باريكو العيون على واقع ذاهب إلى مرحلة يطلق عليها “الهمجيّة التّكنولوجية”، لكنّه رغم تحذيره المستمرّ من خطورة هذه المرحلة، إلّا أنّه يرحّب بها ويطالب الآخرين بمجاراتها والتّأقلم مع انقلاباتها. هنا نشعر بصعوبة قبول الإيجابية التي يتبنّاها باريكو، صحيح أنّه يطرح تحليلاً فريداً لعصرنا كلّه، لكنّه تحليل لا يزال محلّ نقاش وتداول ودراسات، ستأتي بلا شك في القريب من الأعوام، ولا أعتقد أنّنا سنضطر إلى الانتظار طويلاً.

بعد انتهائك من قراءة “اللعبة”، لن تحصل على إجابات حقيقيّة عن الأسئلة والمخاوف والشّكوك التي طرحها باريكو، ولا أعتقد أنّ من يعرفون الرّجل ومقالاته الشّائكة، التي ينشرها أسبوعيّاً بصحيفة “لاريبوبليكا” الإيطاليّة، سينتظرون منه مثل هذه الحلول الُمرْضية. لكن باريكو يطرح عبر هذه المقالات عدداً من الأفكار والطّروحات التي يحاول من خلالها فهم ما يحدث في العالم اليوم من تسارع تكنولوجي مرعب، وحجّته هنا جليّة لا لبس فيها، خطوة فخطوة يأخذ باريكو قارئه عبر خرائط تحليلاته وآرائه التي يرسمها وفقاً لتصوّراته، في رحلة مثيرة إلى ما يطلق عليه “عالمنا الهمجيّ الجديد الرّائع”، عندها وجدتني، وأنا أغلق الصفحة الأخيرة من الكتاب، أستعيد قسطنطين كفافيس وقصيدته الشهيرة عن البرابرة، وتوقفت مليّاً عند مقطعها الأخير:
“والآن.. ماذا سنفعل بدون برابرة؟
لقد كانوا حلّاً من الحلول”.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق