“ذاكرة الشرق”.. مصر التي في ذلك القصر / شريف الشافعي

في وقت يكاد ينتفي فيه الحاضر الجمالي المصري خارج الزمن، والواقع المثير للدهشة والخيال خارج المكان، فإن فصوص الذاكرة النشطة المتبقية هي فقط مجموعة الخلايا والمعطيات الماضوية، كما أن رهانات الافتخار لدى المؤسسة الثقافية الرسمية في ظل البؤس المقيم وعشوائية الحياة وفوضويتها وتهلهل الأنساق المعمارية والتشكيلية والبصرية عمومًا فوق مسطح الضجيج والتلوث هي فقط رهانات النوستالجيا والتحدث عما كان بوصفه لا يزال ثابتًا أو ممتدًّا بأطيافه الخضراء إلى يومنا هذا، على سبيل التعمية أو التدليس.

أين مصر القرن الحادي والعشرين من إلهامات فناني العالم المرموقين؟ بل أين هي من إلهامات مبدعيها المحليين، إلا إذا حضرت كآثار فرعونية وإسلامية تتحدى الزوال، وأمكنة قديمة وتصورات تاريخية ومعرفية وميراث شعبي محفور في الضمير؟ لكن مصر المحروسة في عصور الاستشراق والنهضة، وتحقق الشخصية على المستوى الإنساني والمعماري، خصوصًا في المدينة، كانت مصدر إشعاع وتأثير داخلي وخارجي، وملتقى للأجناس، ومنصة للقوة الناعمة، وحالة خاصة من حالات الإبهار لمبدعي العالم وفنانيه الغربيين الوافدين.

هذه الشخصية المبهرة لمصر، التي أسهب الجغرافي الفذ، جمال حمدان، في تحليل مقوماتها وجذورها، والتي عانت منذ عقود ضربات موجعة أدت إلى تفككها وتراجعها، هي انعكاس مجمّع لما هو بشري، وما هو حضاري، وما هو مكاني، وما هو طبيعي، إلى جانب العُمق الإيماني والتصوفي، وتدفق نهر النيل حاملًا كل معاني الخصوبة ودلالاتها المادية الملموسة، والمعنوية المستَشَفَّة.

في هذه الأجواء الثرية، التي باتت محذوفة من جغرافيا الأجيال الجديدة، تجوّل المستشرقون والفنانون العالميون في مصر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، ناهلين من كنوزها وملامح تفردها وخصوصية أناسها وأمكنتها وعاداتها وتقاليدها ومشاهدها، وقيمها الحضارية والإبداعية والروحية، ليترجموا هذه الفيوضات المنبعثة من سائر الاتجاهات إلى أعمال أدبية وفنية مشحونة بالنبض، ممسوسة بالسحر.

أمر طيّب حقًّا أن يحتفي قصر عائشة فهمي الأثري، في حي الزمالك بالقاهرة (مجمّع الفنون)، بأعمال تشكيلية فذة حول “مصر التي كانت”، تجاوزت مئة لوحة لفنانين عالميين معروفين، وذلك في معرض “ذاكرة الشرق” الذي استمر حتى شباط 2020، فقد فتح المعرض نوافذ فسيحة للإطلال على ملامح الوجه المصري الغائبة، ولمحات توهجاته الغاربة، أمام عيون الفنانين الجدد، والجمهور.

لكن ما يبدو غريبًا ومريبًا، هو ذلك السعي المؤسسي اللاهث من جانب وزارة الثقافة المصرية إلى استثمار المعرض دعائيًّا، وهو واحد من سلسلة معارض “كنوز متاحفنا” للأعمال التراثية، باعتباره إشارة إلى تفوّق سياسات الحاضر، ودلالة على منجزات آنية هي بمثابة “استعادة مراحل الريادة إقليميًّا، ومخاطبة العالم بلغة التنوير من جانب هذا البلد العظيم”.

إن قيمة معرض “ذاكرة الشرق” هي من قيمة أعماله الفنية في المقام الأول، وهي كذلك من قيمة الروافد المصرية الأصيلة المحرّضة على إنجاز هذه الإبداعات بطبيعة الحال. لكن “مصر التي في ذلك القصر” هي مصر أخرى غير تلك الضالّة في شوارع القاهرة والمدن المعاصرة المختنقة في 2020. وإلقاء الضوء على هذه الثروات الفنية، مقبول ومطلوب، في إطار إشعال الأضواء المتحفية ليس إلا، لكن المبالغة في تمرير الحدث على أنه مرادف لاستعادة الجسد المحنّط حيويته وابتعاثه من جديد بطاقة مسايرة للعصر، فهو أمر يجافي المنطق والسياق السليم.

شكّلت لوحات المعرض رحلات موغلة في طبقات عميقة من الشغف بكل ما هو مصري حميم، فسجّلت مشاهدات الفنانين جوانب الحياة كاملة، وسيرة البشر والأمكنة كما يليق ببلد عريق، غني بمجتمعه المتنوّع ونيله وواديه ودلتاه وصحرائه وأهرامه وآثاره وأسواقه وعاداته وتقاليده ومناسباته واحتفالاته الشعبية والدينية وطقوسه اليومية المختلفة.

مثّلت لوحات المعرض في تجاورها، بانوراما لمعالم الهوية المصرية بكل تفاصيلها، من ملامح جسدية ومأكل وملبس وتنقّل وتسوّق وعمل وتعبّد وميلاد وزواج وموت واحتفال وحرب وغيرها من لحظات الحياة المتعددة. إلى جانب بروز الشخصية المعمارية الواضحة التي تعكس فلسفة ورؤية في تصميم البيوت والمساجد والقباب والبوابات والقلاع وغيرها، حتى المقابر ذات الطبيعة الخاصة.

وقد اكتست أعمال المعرض بالدفء والحميمية والثراء الروحي، ليس فقط في الاحتفالات الدينية، إنما في سائر الشؤون الاجتماعية، التي تتصاعد فيها أنفاس البشر الملتفّين حول بعضهم البعض، لتبادل الأحاديث، وشرب القهوة، وتقديم التهاني والتعازي، والتشارك في الصيد، وفي الصناعات والحرف اليدوية، وما إلى ذلك القبيل.

من بين أعمال المعرض البارزة للفنانين العالميين، وأغلبهم فرنسيون، تلك التي تنوعت بين خامات الزيت على التوال والقماش والخشب والإبلاكاش، لوحات: “النيل” و”عرب سائرون” و”منظر من الشرق” لأوجين فرومنتان (1820-1876)، و”القاهرة” لإيفان إيفازوفسكي (1817-1900)، و”حفل زفاف شعبي” و”قافلة بالصحراء” لنارسيس برشيير (1819-1891)، و”أسوار القاهرة والقلعة” لأوجين جيرارديه (1853-1907)، و”القاهرة القديمة” لبروسبير ماريلا (1811-1847)، و”جِمال ورمال” و”القلعة” لتيودور فرير (1814-1888)، و”آثار الكرنك” للويس أمابيل كرابيليه (1822-1867)، و”مهرجان في المغرب” لماريانو بيرتوشي (1884-1955)، وغيرها.

وإلى جانب دوره الجمالي، فقد لعب معرض “ذاكرة الشرق” دورًا في توثيق بعض المظاهر الاجتماعية والدينية، ومن ذلك على سبيل المثال لوحة “موكب الدوسة الصوفي” للفنان دوجيه (زيت على قماش)، وهي لوحة جسّدت ذلك الاحتفال الشعبي الصوفي، الذي كان سائدًا في الحقبة العثمانية، ومن طقوسه الغريبة في ميدان الأزبكية بالقاهرة إقامة الخيام الكثيرة وفرش الحصر التي تغطيها أجساد الدراويش المتلاصقة، ووجهوهم إلى الأرض، وهم في هذه الأثناء يذكرون الله، لتعبر فوق أجسادهم مواكب الخيول، وقد أدى ذلك إلى إزهاق أرواح البعض، ومع ذلك استمرت تلك الاحتفالات سنوات طويلة.

معرض “ذاكرة الشرق”، قراءة ممتعة مصوّرة لمصر الملوّنة بقوس قزح، من المفيد والمثمر وضعها في سياقها التاريخي والجغرافي والحضاري والفني، ومن السذاجة اعتبارها إشراقة شمس قادرة بمفردها على إزاحة الظلام الراهن والتعبير عن مصر التي باتت مرسومة إحداثياتها باللون الأسود وظلاله وتدرّجاته.

عن المدن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق