لينا بن مهنّي : رحيل الفراشات الملوّنة

“كنت أتساءل لماذا يختار الموت أفضل من فينا ؟ ولكنّني وجدت الإجابة مؤخّراً في كلمة أحدهم ، لأنّهم نجحوا في الامتحان مبكّراً ، فلا داعي لوجودهم”. – أحمد خالد توفيق

وأيّ امتحانات خاضتها لينا !

حين كنّا نقرأ مؤخّرا كتاباتها على صفحتها في الفيسبوك، عن ألم لا يطاق تحسّ به في كامل جسدها راجيّة من الجميع أن يعذروها إن تأخّرت في الرّدّ على رسائلهم أو عجزت عن الحضور بينهم في ساحات النّضال، لم يخطر ببالنّا أنّها ستكون آخر الكلمات التي تكتبها. نحن عشّاقها الّذين عشنا معها سنوات الوجع الدّائم الذي كابدته بضعف الإنسان وعناده.

كنّا نكتفي بعبارات المواساة والرّفع من المعنويّات المعتادة متأكّدين من أنّها ستكون بيننا غدا في مسيرة الحرّيّات أو ربّما ستختار السّفر بعيدا، إلى إحدى الولايات الداخليّة، لتزور جريحا للثّورة، نسيته الثّورة وتذكّرته لينا !

منذ مدّة كتبنا في هذا الرّكن عن الرّاحلين في سنة 2019 من المفكّرين والأدباء والفنّانين فقلنا إنّنا لا نصدّق رحيلهم، وكأنّ ذلك كان مستفزّا للموت فاختار صباح يوم الاثنين السّابع والعشرين من شهر جانفي/كانون الثّاني ليقطف من حديقتنا أجمل الزّهرات فيها. لينا..”بنيّتنا التّونسيّة”.

حقيقة، يصعب على الرّاثي أن يتخيّر الكلمات. كيف نرثيك يا لينا ونحن من نستحقّ الرّثاء بعد رحيلك القاسي قسوة ما عانيته في حياتك القصيرة؟ نحن نعرف الآن معنى أن يعقد الحزن والألم لسانك فلا تستطيعين الكلام. الحزن والألم ذاتهما اللّذان لم يُفلحا في لجم لسانك أو قلمك عن الصّراخ في وجه الديكتاتوريّة الغاشمة أو الكتابة عن الحريّة والعدالة.

كان يكفي أن تكون للينا مدوّنة ككلّ المدوّنين الشّباب الثّائرين على تكميم الأفواه وحجب المعلومة من قبل رقيب السّلطة لتُفتح نوافذ على الحقيقة وتدخل نسائم الحريّة إلى وطن اختنق أبناؤه باللّغة المستهلكة والدّعاية السّياسيّة المبتذلة لتخليد الحاكم. وكان يكفي أن يُفرج عنها المستشفى أياما لتقفز بين رفاقها في الشّوارع والسّاحات رافعة شعار الحريّة في وطن تحوّل إلى سجن كبير.

بأي سلاح تسلّحت يا لينا لتواجهي خذلان الجسد وسطوة المرض اللّعين طيلة سنين؟ أيّ حبر سحريّ سكبته على دفتر الثّورة قبل قيامها لتتحوّل الكلمات إلى دفقات من النّور تخترق جدران الصّمت العالية؟

“أستمدّ القوّة من الحبّ”[1]. تُبدّد لينا دهشتنا بصوتها الخفيض وحركات يديها النّحيلتين.

وبالحبّ، تفكر لينا بمن ينساهم الآخرون. بسكّان الهوامش والغائبين عن الموائد الرّسميّة يُخرجهم ضوء “كامرتها” من عتمة النّسيان. بالسّجناء، تجمع لهم كتبا فتُشرَع نوافذ الزّنازين على بساتين الحريّة، بأبناء الثّورة المغدورين، تشاركهم صرختهم في وجه الجحود والنّكران. “بطارق الدزيري”[2] يترجّل من كرسيّه المتحرّك ليمتطي قطار الرّحيل قبلها بأيّام قليلة حاملا رصاصة القنّاص في صدره

تقول أحدث الدّراسات إنّ الفراشات، تلك الكائنات الرّقيقة البالغة الهشاشة، قادرة على الوجود في جميع مناخات هذا الكوكب. من الاستوائيّ الحارّ إلى القطبيّ البارد. وكذلك كانت الفراشة التّونسيّة لينا أوّل من اخترق خطوط النّار في مدينة “الرّقاب” المحاصرة في أيّام الثّورة الأولى لتنقل لنا وللعالم صور القمع الوحشيّ لقوّات النّظام الغاضب من تجرّؤ أولئك الشّبّان المهمّشين على عصيانه.

ولأنّ الثّورة تدلّل أبناءها المجتهدين حين يكونون أطفالا (فإذا كبروا التهمتهم !) فقد حملت الثّورة لينا على أجنحة الشّهرة وطارت بها لتجوب أصقاع العالم وتحكي بالكلمات والصّور عن تجربة فريدة عدّلت ساعات هذا الكوكب على توقيت الشّعوب المنتفضة على الأنظمة الآسنة.

لينا..أيقونة الثّورة، فراشتها، فورتها وهشاشتها. رحلة مكثّفة في زمن مُتسارع، حياة طويلة في عمر قصير. الشّابي مؤنّثا. أثر لا يُمحى وذاكرة لا تموت بموت الجسد العليل.

لكنّ المرض الذي صارعته لينا وأطفأ شمعتها في النّهاية، لم يستطع أن يمنعها من الحياة كما تريد. الحياة في تفاصيلها البسيطة المهملة، في بحرها وليلها. في ألوانها وروائحها. في صحبة القطط والنّوارس. ولأنّ لينا تفكّر فينا فقد قاسمتنا تلك اللّحظات المسروقة من “الزّمن الموحش”[3] وتركت لنا صورها مشاعة لمن أحبّها ولم يلتقيها واكتفى بالوقوف تحت شرفة مدوّنتها أو نافذة “فايسبوكها” حاملا قيثارته، منتظرا شروقها.

أرأيت أيّها الرّاثي ! تنتهي متغزّلا بمن ترثي ! بمن لا تُصدّق موتها ورحيلها. وقد صاحبتها الورود والأغاني وزغاريد النّساء اللّواتي حملنها كما حملن هموم هذه البلاد وصنعن أعراسها.

الأم التي دفنت جزءا من جسدها معك، الأب الرّفيق، الأصدقاء الحقيقيّون، آلة التصوير، أرشيف الكتابات واللقاءات، القطّ “كرطوشة”[4] ونظراتك الحزينة الضّاحكة..والحياة كما ينبغي أن تُعاش. ميراثنا منك وما استودعتنا إياه إلى أن نلتقي وقد سبقتنا إلى لقاء الشّهداء.

سلامنا يا لينا لكلّ الشّهداء. أخبريهم أن اللّيل قاس في غيابهم. دُلّيهم على الطّريق إلى أحلامنا ولا تنسي أن تحضري آلة التّصوير حتى تأخذي لنا معهم صورة في شارع…الحريّة.

*****

الصورة المرافقة : لوحة فسيفساء أهداها الفنان الطيّب زيود للينا بن مهنّي.

[1] لينا بن مهنّي : في لقاء مصوّر مع إحدى القنوات.

[2] طارق الدزيري : أحد جرحى الثّورة الذي توفّي يوم 18 جانفي/كانون الثّاني 2020.

[3] “الزمن الموحش” : عنوان رواية الكاتب السّوري حيدر حيدر.

[4] “كرطوشة” : القطّ المفضّل للينا.

– مدوّنة لينا بن مهنّي :

http://atunisiangirl.blogspot.com/

– حسابات لينا المفتوحة على فايسبوك :

https://www.facebook.com/atunisiangirl/

https://www.facebook.com/leena.benmhenni

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق