معرض الدار البيضاء.. ما هو وضعُ النشر والكتاب بالمغرب؟ / نجيب مبارك

انطلق معرض الدار البيضاء الدولي للنشر والكتاب، يوم الجمعة 7 فبراير/شباط الجاري، وهو المعرض الّذي يصل هذا العام دورته السادسة والعشرين، وسيستمرّ إلى غاية 16 من هذا الشهر. ومثل كلّ عام، يتساءل المهتمون بشؤون الثقافة والأدب عن الوضعية الراهنة للنشر وسوق الكتاب في المغرب، وعن جديد الإصدارات الأدبية والفكرية التي يتوقّع أن تحظى باهتمام أكبر من طرف القرّاء.

هل تصلح الثقافة ما تفسده السياسة؟
اختار المنظّمون هذه السنة البلد الجار موريتانيا ضيفَ شرف على هذه الدورة، لأنّ ثمّة أكثر من وشيجة أخويّة تربط المغرب بموريتانيا على امتداد تاريخ طويل من العلاقات التاريخية والثقافية المتشعّبة الأبعاد، بحسب بلاغ وزارة الثقافة المغربية. ويعلم الجميع أنّ اختيار ضيف الشرف تدخل فيه دائماً الحسابات السياسية، تتعلّق أساساً بأولويّات السياسة الخارجية المغربية، وهو ما يتّضح من خلال استعراض سريع للائحة الدول التي حلّت ضيفة شرف على المعرض، منذ 2012 التي شهدت اختيار السعودية ضيف شرف، وتبعتها ليبيا في العام الموالي، وبعدها فلسطين، فالإمارات، دول شرق أفريقيا، مصر، ثمّ إسبانيا في العام الماضي، كما أنّه تقرّر رسمياً يوم الافتتاح أن يكون إقليم كيبيك (كندا) ضيفاً على الدورة المقبلة في 2021.
قد يتساءل البعض عن غياب الجزائر وتونس مثلاً، وهما بلدان جاران وشقيقان، وهو تساؤل مشروع يطرحه المثقف المغربي، ولا يجد له من تفسير سوى غلبة الاعتبارات السياسية. وعموماً، لم تسلم هذه الدورة أيضاً من تدخّل السياسة في حقلٍ من المفروض أن يبقى في منأى عنها، إذ رغم احتضان موريتانيا ضيف شرف على المعرض، فقد شهد انطلاقه مفاجأة من العيار الثقيل، تمثَّلت في عدم حضور وزير الثقافة الموريتاني لحفل الافتتاح إلى جانب المسؤولين المغاربة. فحسب وكالة الأخبار المستقلة الموريتانية، تلقّى سيدي محمد ولد غابر، وزير الثقافة والصناعة التقليدية الموريتاني، تعليمات بإلغاء سفره في الساعات القليلة الأخيرة قبيل موعد السفر دون معرفة الأسباب.

“قد يتساءل البعض عن غياب الجزائر وتونس مثلاً، وهما بلدان جاران وشقيقان، وهو تساؤل مشروع يطرحه المثقف المغربي، ولا يجد له من تفسير سوى غلبة الاعتبارات السياسية”
وفعلاً، فقد ترأّس الوفد الموريتاني إلى المعرض الأمين العام لوزارة الثقافة أحمد ولد أباه الذي (ويا للمصادفة الغريبة!) أُقيل من منصبه قبيل إلقاء كلمته الرسمية باسم موريتانيا في المعرض. وعزا بعض الموريتانيين هذا القرار المفاجئ إلى أنّه رسالة مبطنة من الدولة الموريتانية إلى المغرب، كنوع من الاحتجاج الصامت على تصريح وزير الخارجية المغربي الذي قال فيه إن علاقات بلده مع إسبانيا هي علاقات جيّدة عكس علاقاته مع باقي الجيران. من هذه الواقعة، يظهر بوضوح أنّنا في العالم العربي ما نزال بعيدين عن روح هذه المقولة الجميلة: الثقافة تصلح ما أفسدته السياسة.
أبرز الإصدارات المغربية
يشارك في دورة معرض الكتاب 703 من العارضين، منهم 267 عارضاً مباشراً، و436 عارضاً غير مباشر، من المغرب والعالم العربي، والبلدان الأفريقية، والأوروبية، والأميركية، والآسيوية، وسط توقّعات بأن يتجاوز عدد العناوين المعروضة 100000 عنوان. وبالنسبة للأنشطة الموازية للمعروضات، سوف يستقبل المعرض 380 متدخّلاً من كتّاب ومفكرين ومبدعين مغاربة ومن مختلف دول العالم؛ كما ينتظر أن يعرف المعرض تتويجاً للفائزين بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، والجائزة الوطنية للقراءة وتكريم عدد من الأسماء الفكرية. بينما تأجّلت أمسية الشاعر الأميركي الكبير تشارلز سيميك الفائز هذا العام بجائزة الأركانة العالمية للشعر، والتي جرت العادة أن تقام للشاعر الفائز ضمن فعاليات المعرض، وذلك بسبب خضوعه لعملية جراحية طارئة.

“إذا استثنينا المنشورات المتعلّقة بالتراث الأدبي والديني الأندلسي، باعتباره امتداداً تاريخياً للتراث الثقافي الوطني، فإنّ حركة النشر في المغرب لا تهتمُّ إلّا نادراً بما يجري في العالم”
كما تمّ تخصيص برنامج خاص بالأطفال في فضاءين مختلفين، طيلة أيام المعرض، بحضور 63 مشاركاً في 79 نشاطاً خاصاً بالأطفال.
وبالنسبة لأهمّ الإصدارات الجديدة التي ستوقّعها بعض الأسماء البارزة في الساحة الأدبية المغربية، يمكن الإشارة إلى الحدث الأبرز والمتمثل في عودة شيخ القصة المغربية وعرّابها أحمد بوزفور بمجموعة قصصية جديدة بعنوان “إني رأيتكما معاً” عن دار توبقال للنشر. بينما سيوقع الكاتب عبد القادر الشاوي رواية جديدة بعنوان “مرابع السلوان”، ويعود الروائي يوسف فاضل برواية “حياة الفراسات”، والكاتبة ربيعة ريحان برواية “الخالة أم هاني”، والشاعر محمد بنيس بديوان جديد “يقظة الصمت”. أما في المجال الفكري، فسيجد القراء جديد الأستاذ عبد الله العروي “بين الفلسفة والتاريخ”، وكتاب “لا أملك إلا المسافات التي تبعدني” للمفكر عبد السلام بنعبد العالي. ومن الإصدارات الهامة أيضاً كتاب “الوطنيون المغاربة في القرن العشرين” لمصطفى بوعزيز. أما أبرز الترجمات، فيتصدّرها بلا شك كتاب “تاريخ المغرب” لدانييل ريفيه وترجمة جديدة لـ”فن الحرب” لسون تزو و”عودة تاريخ الأدب” لآلان فيان. وبالنسبة للراحلين، نقف عند “مذكرات غير شخصية” للعلامة الراحل عبد الله كنون، والمجموعة القصصية “ترانت سيس” للكاتبة المغربية الرّاحلة مليكة مستظرف، والتي صدرت في طبعةٍ جديدة هذه السّنة عن منشورات الرّبيع بالقاهرة، هي وروايتها الوحيدة “جراح الرُّوح والجسد”. بينما سيمكن للأجيال الجديدة الاطلاع على المجموعة الكاملة لأعداد واحدة من المجلات الأدبية المهمة، وهي مجلة “الثقافة الجديدة” التي كانت تصدر في أوج سنوات الرصاص خلال بداية الثمانينيات.
جانب من معرض الدار البيضاء

وضعية النشر والكتاب بالمغرب
من جهة أخرى، نُشر مؤخراً التقرير السنوي عن وضعية النشر والكتاب في المغرب (يصدر كلّ عام بمناسبة افتتاح هذا المعرض)، وهو تقرير يحدّد التوجّهات الكبرى التي تشهدها ساحة النشر في المجالات الأدبية والحقول المعرفية الإنسانية والاجتماعية، وفق مؤشرات اللّغات والمجالات المعرفية والترجمات، وخصائص خارطة النشر والطبع عبر التراب المغربي، وفضلاً عن ذلك يرصد الإصدارات الإلكترونية المغربية بمختلف أصنافها. لكنه عموماً لا يعنيه من قطاع النشر المغربي إلّا منتوجه الفكري (كتب ومجلات)، ويهدف بالأساس إلى الإسهام في التعريف بالإنتاج الثقافي والأدبي والعلمي المغربي، والإلمام بواقع النشر وديناميته، خصوصاً لدى مهنيي الكتاب والقراء وكل الفاعلين المعنيين بالكتاب والثقافة بصفة عامة.
وبحسب هذا التقرير، لم يتغيَّر كثيراً توزيع المنشورات المغربية (من كتب ومجلات) مقارنة مع سنة 2018، بما فيها المنشورات بصيغة رقمية. إذ تلاحظ الهيمنة الكبيرة للّغة العربية على مجال الإبداع الأدبي والثقافي المغربي بشكل عام، وهو وضع منطقي تكرّس منذ أواسط الثمانينيات بفضل سياسة التعريب وإقبال الطلبة على الشعب الأدبية والعلوم الإنسانية وغيرها. ووصل عدد المنشورات باللغة العربية إلى 2875 عنواناً، بنسبة تتجاوز 78% من مجموع المنشورات، بينما صدر باللغة الفرنسية 675 عنواناً (بنسبة 18,35%)، مقابل 485 في العام الأسبق. ورغم هذه الزيادة المهمّة فإنّها لم تحدّ من التراجع الكبير الذي يعرفه مجال النشر باللّغة الفرنسية في المغرب خلال السنوات الأخيرة، مقارنة مع فترة ازدهاره بعد الاستقلال (1960-1980). أمّا اللغة الإنكليزية، فلا نكاد نجد سوى عناوين قليلة جداً ((1,85%، وبنسبة أقلّ الإسبانية (0,4%) وباقي اللغات. لكن بالنسبة للّغة الأمازيغية، وهي اللغة الرسمية الثانية للبلاد بحسب الدستور، فلم يصدر منها سوى 45 عنواناً موزّعة بين الورقي والرقمي.
هيمنة الشعر والقضايا الداخلية
بلغت حصيلة النشر خلال العام الماضي ما قدره 4219 عنواناً، بزيادة ضئيلة عن السنة السابقة، مع ضعف في توزيع الكتب والاقتناء من طرف المغاربة، علماً أن سعر الكتاب في المغرب هو الأضعف مقارنة مع دول الجوار المغاربي، ويمثّل رُبع ثمن متوسّط الكتاب الأوروبي.

“بالنسبة لمضمون الكتب، لا تزال المنشورات المغربية للأسف متمركزةً حول القضايا الوطنية، رغم أنّنا نعيش زمن العولمة والترابط الكثيف بين المجتمعات المعاصرة”
وعموماً، يلاحظ أن الأعمال الأدبية (شعر، رواية، قصة…إلخ) تتصدَّر قائمة الكتب بـ750 عنواناً، على الرغم من انعدام نصوص أدبية منشورة في صيغة رقمية، تليها كتب القانون (486)، ثم الدراسات الإسلامية (322)، بينما تتذيّل القائمة الدراسات العلمية الصرفة (تسع دراسات فقط). وما يزال الشّعر مهيمناً على الكتب الأدبية (264 عنوانا) مقابل السرد من قصص وروايات (245 عنوانا)، بينما وصل عدد الكتب المترجمة الصادرة في المغرب إلى 298 كتاباً، كلّها تقريباً من الفرنسية إلى العربية، ومن بينها 87 نصاً أدبياً. وبالموازاة مع الاهتمام بالنصوص الأدبية (رُبعها ينشر على حساب الكاتب) والكتب القانونية والدينية، فإن فهارس الناشرين المغاربة تكاد تخلو من نصوص متخصّصة في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى. ذلك هو شأن التربية مثلاً، والكتابات في الفنّ والدراسات الدينية غير الإسلامية، والجغرافيا وتدبير المقاولات أو علم النفس. وتبقى الإيجابية الوحيدة، بحسب التقرير، هي القفزة النوعية التي شهدها النشر الإلكتروني خلال الخمس سنوات الماضية، اذ ارتفعت نسبة المنشورات الإلكترونية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
أمّا بالنسبة لمضمون الكتب، فلا تزال المنشورات المغربية للأسف متمركزةً حول القضايا الوطنية، رغم أنّنا نعيش زمن العولمة والترابط الكثيف بين المجتمعات المعاصرة. ولا شكّ أنّ هذه النزعة المحلّية المنغلقة، الّتي كثيراً ما وُجّه إليها النقد عند دراسة وضع البحث العلمي والنشاط الثقافي عموماً، يعكسها واقع النشر الّذي يشير إلّا أنّ 2447 من المطبوعات (أي ما نسبته 64% من مجموع المنشورات، بما في ذلك الإبداعات الأدبية) تتناول حصريّاً المجال المغربي. أمّا المجالان المغاربي والعربي فلا يحظيان سوى باهتمام محدود لدى الكتاب والناشرين المغاربة (208 عناوين). وإذا استثنينا المنشورات المتعلّقة بالتراث الأدبي والديني الأندلسي، باعتباره امتداداً تاريخياً للتراث الثقافي الوطني، فإنّ حركة النشر في المغرب لا تهتمُّ إلّا نادراً بما يجري في العالم.

عن ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This